الشفيع خضر يكتب: أسئلة قلقة حول السلام!

2

الشفيع خضر سعيد:


​هل ستصل مفاوضات جوبا مع الجبهة الثورية إلى نهاياتها في الموعد الجديد، أم سيضرب للتوقيع النهائي موعد جديد آخر؟ وهل محتوى ما سيتم الاتفاق حوله سيحقق سلاما مستداما ويُخرس الحرب الأهلية في بلادنا، بمعنى يخاطب فعلا جذور أسباب الحرب، أم سيتجدد إندلاع نيران النزاعات بعد هدنة، كما ظل يحدث دائما؟ هل ستظهر مجموعات أخرى تعتبر أن ما تم في جوبا لا يعنيها، أو لم يخاطب مطالبها، وبالتالي ربما تشهر السلاح وتشن حربا جديدة؟ وأخيرا، لماذا تتعثرت وتوقفت المحادثات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو؟… هذه الأسئلة، وعشرات غيرها، تدور بالخلد حول قضية الحرب السلام، القضية المدمرة والمزمنة منذ ما قبل الإستقلال، علما بأن السلام هو أحد أضلاع المثلث المتساوي الأضلاع، مثلث شعار ثورة ديسمبر الخالدة، مع الضلعين الآخرين، الحرية والعدالة.
​إبان نظام الفساد والإستبداد البائد، كنا نحلم بأن ترفرف أجنحة السلام في البلاد مباشرة بعد سقوط النظام. وبعد إنتصار الثورة، قدّر البعض، والحركات المسلحة من زمرة هولاء البعض، أن السلام سيتحقق خلال الشهر الأول من تكوين الأجهزة الإنتقالية. أما الإعلان الدستوري، فكان أكثر تعقلا وواقعية، فحدد إنجاز السلام خلال الستة أشهر الأولى للفترة الإنتقالية. التفاؤل، وتحديد الشهر والستة أشهر لإنجاز عملية السلام، لم يكن إندفاعا عاطفيا أعمت بصيرته فرحة الإنتصار، وإنما كان يستند على أسس موضوعية تقول أن محادثات السلام هذه المرة، هي أقرب للحوار من التفاوض، لأنها لن تدور بين خصوم أعداء بل بين حلفاء شركاء وإن جلسوا على ضفتين، وأن من أهم مقومات نجاحها، وهي في نفس الوقت ستكون من أسباب فشلها إذا لم تؤخذ بعين الإعتبار، هي إدراك الجميع بأن الثورة خلقت واقعا جديدا مختلفا عن الواقع السابق، ومواتيا أكثر منه لتحقيق السلام، خاصة وأن الحركات المسلحة شريك أساسي في إزكاء شعلة هذه الثورة المجيدة.
​قبل أقل من شهرين، إحتفلنا بعيد الميلاد الأول لإنتصار الثورة. وبعد شهرين، أو أكثر قليلا، ستقترب
أجهزة الحكم الإنتقالي من إكمال عامها الأول. ومع ذلك، لا يزال السلام بعيدا. لقد أطلقناها داوية من قبل، ونكرر ذلك الآن، إذا ما كانت إرادة الإستجابة لشعارات ثورة ديسمبر العظيمة هي المسيطرة حقا عند كل الأطراف، فليس هناك سوى إتجاه واحد فقط يجب أن تسير فيه محادثات السلام، وهو الإتجاه المؤدي إلى النجاح. لا مجال للفشل إطلاقا، لأن الفشل يعني إنتكاسة حقيقية لثورة السودان، ويضرب الفترة الإنتقالية في مقتل. والسلام، في تصوري، وأعتقد معظم الناس يشاركونني هذا التصور، هو البوابة الوحيدة التي من خلالها يمكن أن ننجز مهام الفترة الإنتقالية الأخرى، وإذا ظل موصدا فلن نتمكن من المضي إلى الأمام، وستمد الحلقة الشريرة لسانها لنا ساخرة منتصرة. وبالنسبة لنا، فإن فشل محادثات السلام ليس هو فقط إنفضاض جولاتها دون إتفاق بين الطرفين، وإنما إبتسارها وإختزالها في مجرد إقتسام كراسي السلطة، الإتحادية والولائية، بعيدا عن حقوق وتطلعات شعبنا في مناطق النزاع والحروب. ومن البديهي أن معيار نجاح أي مسار أو منبر تفاوضي ليس هو ما سيحققه هذا المنبر من مكاسب لأطراف التفاوض، وإنما في قدرته على فض حلقات الأزمة الوطنية لصالح الشعب السوداني، أي قدرته على مخاطبة جذور الأزمة، كما يقول الجميع.
وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى الإتفاقات السابقة، نيفاشا وأبوجا والشرق والدوحة والقاهرة، سنلاحظ أن ما تم التوافق عليه كان خطوة هامة في إتجاه وقف الحرب. لكن، قطاعات واسعة من الشعب السوداني كانت تصر على أن محصلة هذه الإتفاقات على الصعيد العملي، صعيد إنزال المحتوى النظري الجميل الساكن صفحات وثائق الإتفاقات، كانت سالبة وبعيدة عن تحقيق سلام مستدام. وظلت هذه القطاعات تنتقد إتفاقية السلام الشامل وتصفها بأنها جاءت تعبيرا عن الرؤى السياسية للحركة الشعبية وحكومة الإنقاذ، في حين القضايا ذات الصبغة القومية الشاملة جاءت كناتج ثانوي لهذه الرؤى. وأن منابر أبوجا والدوحة والشرق لم تتناول قضية التهميش في دارفور وشرق السودان وفق المنظور السياسي القومي، بل إختزل الأمر في إتفاق فوقي حول إقتسام كراسي السلطة. وأن إتفاق القاهرة بين التجمع والحكومة، رغم بنوده الثلاثة عشر التي تغطي معظم حلقات الأزمة السودانية، تلخص في محاولة لزيادة نصيب إحزاب التجمع الوطني الديمقراطي من كيكة السلطة! وغض النظر عن الإتفاق أو عدمه مع أي من هذه الرؤى، إلا أنها، في تقديري، كانت تحتوي على بعض الجوانب الموضوعية.
أما بالنسبة لعملية السلام الجارية الآن، فإن الملفت للنظر، والمزعج في آن، هو أن المحادثات بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، تعثرت فتوقفت وهي في البدايات الأولى. تقول الحركة أنها أرسلت للحكومة منذ عدة أشهر موقفها من قضايا التفاوض، ولكن حتى اللحظة لم يصلها رد أو أي إتصال، بينما أروقة الحكومة تقول أنها ترى في طرح العلمانية من جانب الحركة خروجا على نص قضايا التفاوض، وقفزا نحو مناقشة مسائل مكانها المؤتمر الدستوري. ومباشرة نحيل هولاء إلى الإتفاق الذي وقعه الحزب الإتحادي الديمقراطي، وقع عنه نائب رئيس الحزب السيد جعفر الصادق محمد عثمان الميرغني، مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال، وقع عنها زعيم الحركة عبد العزيز آدم الحلو، بتاريخ 29 يناير 2020، مشددين منذ البداية على أن لا أحد يمكنه أن يزايد على القامة الدينية لزعامات الحزب الإتحادي الديمقراطي وطائفة الختمية، ولا على التوجه الإسلامي العام للحزب، والذي ضرب مثلا في كيفية تطويع مبادئه وتوجهاته لخدمة وقف الحرب وبسط السلام والحفاظ على وحدة البلاد. وهذا المسلك ليس بالجديد على الحزب، فقد كان حاضرا في اتفاقية الميرغني قرنق، نوفمبر 1988، وفي توقيع الحزب على قرارات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، يونيو 1995، والتي تضمنت قرار فصل الدين عن السياسة. أكد إتفاق الميرغني الحلو على تفهم الحزب الاتحادي الديمقراطي لدوافع مطالبة الحركة الشعبية بالعلمانية وتقرير المصير، وإلتزامه بالعمل مع الأطراف السودانية لمعالجة الأمر سعيا لوقف الحرب ودرءا للفتنة الدينية. كما أكد الإلتزام بوحدة السودان الطوعية المؤسسة على الديمقراطية والتعدد الديني والعرقي، والثقافي، ورفض قيام الأحزاب السياسية على أساس ديني. ونادى بإلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وتلك التي تميز بين المواطنين بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو الثقافة، والرجوع لقوانين سنة 1974، إلى حين التوافق على الدستور الدائم. كما دعى لصياغة قوانين بديلة تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز تأسيسا على حق المواطنة، وتتطابق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك، ويعتبر غير دستوري. وشدد الإتفاق على محاكمة كل من إرتكب جرما في حق الوطن والمواطن، كشرط لإفساح المجال لتحقيق العدالة الإنتقالية. أعتقد أن إتفاق الميرغني الحلو، وكما جاء في متنه، يمثل نموذجا للحكمة السودانية في معالجة القضايا العصيبة التي تجابه الوطن، ويمكن أن يشكل أساسا لمصالحة وطنية شاملة، تداوي مرارات الصراع، وترمم الشروخ الإجتماعية.
​صحيح أن قضايا مناطق النزاع والحرب ترتبط بالقضايا القومية، قضايا الدين والدولة وشكل الحكم والهوية، وهذا الإرتباط يشكل مخاطبة لجذور الصراعات والأزمة في السودان. لكن قضايا السودان القومية لا يمكن أن تحسم في منابر التفاوض الجاري الآن بين الحركات المسلحة ووفد الحكومة المفاوض. فلا الحركات تمثل كل أهل مناطق الحرب، ولا وفد الحكومة يمثل كل أهل بقية مناطق البلاد، ولا حاصل جمعهما يمثل كل أهل السودان. وكما أشرنا كثيرا، فإن قضايا مناطق النزاعات والحرب يجب النظر إليها بعتبارها من تجليات الأزمة الوطنية العامة، وبالتالي تُعالج في إرتباط بالقضايا القومية، أو جذور المشكلة السودانية. والمعالجة التي تتم في منابر التفاوض، يمكن أن تُضمن في إعلان مبادئ، أو إعلان فوق الدستوري، ملزم عند إلتئام المؤتمر الدستوري، وعند صناعة الدستور الدائم.
أعتقد، علينا الحذر الشديد حتى لا نسقط في فخ أن يُفهم المؤتمر الدستوري وكأنه إعادة فتح النقاش حول القضايا التي تم التوافق عليها في منابر التفاوض. هو آلية للبناء فوق ما تم الإتفاق عليه في تلك المنابر، بمشاركة من لم يكونوا جزءا منها، أي الأحزاب السياسية كافة، ومنظمات المجتمع المدني، نقابات واتحادات العاملين والمزارعين، منظمات المرأة والشباب والطلاب ومنظمات حقوق الإنسان، زعماء القبائل والعشائر، وممثلي القوميات والمجموعات التي تطرح قضايا الأطراف، والشخصيات الوطنية…الخ، وتُسخر له كل وسائل الإعلام وورش العمل والسمنارات والندوات..الخ. فالمؤتمر الدستوري معني بمسألة إعادة بناء الدولة السودانية وفق دستور وقوانين وأنماط حكم تراعي واقع السودان الفسيفسائي.

صحيفة التيار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!