الشهيد عثمان طوبي للشهيد عثمان!.. الفاضل عباس محمد علي

28

لما سمعت بإسم شهيد عشية الوقفة “عثمان أحمد بدر الدين” وطالعت صورته، فرفر في قلبي “شيء كالأكلان” كما قال ود المكي، وطلبت من ابنتي زينب أن تتحرّي القوقل، فجاءتني بالخبر اليقين الفاجع: إنه فعلاً حفيد صديقي وابن دفعتي بالوسطي والثانوي – بدر الدين يوسف عامر – الذي قضي آخر عمره بلندن الجديدة بكندا، وفيها توفي ودفن قبل بضع سنوات، وهو نفسه الذي كتب عنه صديقنا المشترك عبد الله علي ابراهيم بسودانايل وسودانيز اونلاين يوم 7 مارس من هذا العام، وروي قصته مع نظام مايو الذي صادر ممتلكاته بأمدرمان هو وخاله وصهره تاجر الأقمشة المعروف آنذاك محمد احمد عباس حسنين، من أرومة الزعيم الراحل علي محمود حسنين، متهمين إياهم بتمويل الحزب الوطني الاتحادي، أيام الهوجة “الاشتراكية” النميرية الخرقاء، التي تركها خلفه بعد يوليو 1971، بعد قضائه علي الحزب الشيوعي وروافده، ومن ثم توجهه نحو اليمين ومنصور خالد والولايات المتحدة والرأسمالية الشرسة، والارتماء في حضن نظام السادات والرجعية العربية.
ولقد تقلبت النوي منذئذ بصديقي بدر الدين، وعمل لفترة بسيطة موظفاً بالديوان الأميري بأبو ظبي، ثم عاد للسودان واسترجع شيئاً من الأعمال التى كان قد أسسها خاله المرحوم محمد أحمد وآباؤه الجاك ويوسف عامر كبار تجار السوق الكبير بمدني، قاطنوا حي المدنيين حول قبة مدني السني، أقرباء أصدقائي كذلك الفاتح الجيلي والفاتح أحمد حسن أمد الله في عمريهما. وفي سنواته الأخيرة بالسودان، أبدي بدرالدين اهتماماً خاصاً بمدرستنا مدني الثانوية، وزارها عدة مرات وتبرع لها بشيء من البنية التحتية – بئراً بطلمباتها وتوصيلاتها بعد جفاف الترعة التي كانت رافداً من قنوات مشروع الجزيرة. وسعي أيضاً لتكوين بنية تنظيمية تجمع خريجي المدرسة لمواصلة الاهتمام بها، وللتواصل الاجتماعي بينهم كدفعة متفرّدة وعريقة، كونها الدفعة المؤسسة للمدرسة. ولقد بحث عني بدر الدين وزارني بإعدادية جامعة الجزيرة (القريبة من مدني الثانوية) في إحدي زوراته للمدرسة، ودعاني وعدداً من أصدقائه القدامي لزواج إحدي كريماته بمنزله بحي كافوري ببحري في مطلع الثمانينات، حيث سهرنا مع أنغام عبد العزيز المبارك ابن حي العشير، ومؤانسة الصديقين عباس والجار الميكانيكي، والدكتور آدم مهدي عليهم رحمات الله. وكان بدر الدين متمنطقاً بسفاري بيضاء ياقتها مبطنة بالأسود تسر الناظرين لم أر مثلها في حياتي، ولم أره بعدها، إذ سرعان ما هاجر واستقر بكندا. ولقد جاءني ذكره ذات مرة من الصديق المشترك الدكتور عاصم بابو نمر الذي كشف لي ما لم يبده بدر الدين بالصراحة كلها: معزة خاصة ومودة دائمة لوجه الله، وذكريات بطعم الشهد المصفّي.
ولقد استشهد عثمان حفيد صديقي، فاغرورقت عيناي بدمع هتون، واحتشد حلقي بغصة مريرة لضياع شاب كهذا، بلا سبب سوى طغيان حكام جدد كأنهم ما زالوا يلاحقون جده بدر الدين ولم يشفوا غليلهم منه، لأنه وطني ومحب لبلده وللحرية والديمقراطية؛ ولأن الأشرار في بلادنا علي الدوام أيديهم مطلوقة في رقاب الرعية، والأخيار “يتزاوغون” و”يتدارقون” ويلجأوون لأقاصي الأرض، وما انفكوا يلاحقونهم في الجنا والعساسق، ولا يهمهم كثيراً أن ابن الجنا أحلي من الجنا. ولا زال الأشرار في بلادنا يعيثون فساداً وخراباً وانتقاماً بربرياً حاقداً، وما زالت نيرانهم المصوبة بدقة والطائشة لا تصيب إلا الأفاضل المناضلين من أجل غد مشرق سعيد كنا نحلم به منذ أيام الحكم الثنائي، بيد أنه ما زال برقاً خلباً، ما تكاد شمسه توشك أن تبزغ حتي تغطيها سحائب التتار القادمين من جوف التاريخ الهمجي، ومن تلافيف المرارات العنصرية والشوفينية البغيضة، ومن الغطرسة وغرور العظمة الذي يتقمصه من وجد في يده السلاح، وظن أنه يتحكم في مصير الجلابة الشباب والطلاب الذين ناضل آباؤهم وجدودهم ضد الاستعمار وضد الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، وما زالوا هم يناضلون من أجل ذلك الغد المشرق السعيد.
هطلت دموع عيني لأحزان كثيرة تشابكت مع بعضها البعض: حزني علي الشهيد عثمان، الذي ذكرني بإبني عثمان الذي لم أكحل عيني به منذ عام 1998 أي منذ ربع قرن تقريباً، حيث أنه مقيم بأستراليا التى هاجر إليها بسبب مضايقة نظام البشير لأسرته وله، ولكن موضوعه ظل متعسراً بسب (زمبة) ضربها في حقه المدعو عادل سيد احمد عبد الهادي مسؤول الحزب الاتحادي المعارض (آنئذ) بلندن الذي شكك في أوراق عثمان الممهورة بتوقيع الزعيم الراحل التوم محمد التوم، متهماً التوم بسرقة أختام الحزب وورقه المروّس، (وذلك لأن عادل كان يبيع مثل هذه الوثائق لطالبي اللجوء الأقباط والجنوبيين وكافة أطياف السودانيين، ولم يستسغ منافساً في هذا المورد)؛ وبسبب هذه الفرية ظل عثمان لعشرين سنة هارباً داخل صحاري وغابات ومزارع أستراليا، جزءًا من العمالة الرخيصة الملونة، وانقطعت صلته بنا، إلي أن لحق به شقيقه دكتور عباس بجوازه البريطاني (بحكم ميلاده في انجلترا) وحرك القضية، واستعنا علي وزير الهجرة بخطاب جهنمي من صديقتنا البارونه كارولين كوكس نائبة رئيس مجلس اللوردات، وبعد ذلك باسبوع واحد أخرج عثمان من السجن الذي قضي فيه عامين لمخالفة قوانين الهجرة، ورُدّت له حقوقه، ولكنا لم نسعد برؤياه حتى الآن.
ولقد نكأ جرح الشهيد عثمان ذكري صديقي بدر الدين الذي لم يرتكب جناية في حياته سوي الوقوف مع الحرية والديمقراطية، وكان ماله ومال خاله محمد احمد مبذولاً للسياسيين المعارضين من كل لون، وليس فقط الاتحاديين (راجع مقال ع ع إبراهيم)، ومن أجل ذلك عاش مشرداً من وطنه وتوفي بأقاصي الأراضي الجديدة – كندا – كما ظل إبني عثمان لابداً بالأراضي الجديدة الأخرى – أستراليا – منذ ربع قرن؛ تري كم تبقي من عمري وعمر أمه لنعيش معه مرة أخري، وهل بقيت في الوجدان مساحة للفرح بجديده؟ أم في القلب حسرة؟ وهل من “جديد” بعد سن الخمسين؟
ولكن مثل هذه الأحزان تجعل أسلحتنا أكثر نجاعةً ومضاءًا، فقد ” سنّاها النضال” كما قال محجوب شريف. ولن نأتي بحق شهدائنا إلا بتحقيق مآربهم الوطنية المشرئبة للغد المشرق السعيد، وذلك بالوقوف مجدداً في وجه الطغاة، كما فعلنا في وجه دكتاتورية عبود ودكتاتورية نميري وطغيان البشير ومن بعده ابن عوف، ومن بعده البرهان بإذن الملك العلام. ولا يعقل أن أجيالاً بهذه البسالة والصمود والصبر والحنكة والمقدرة علي إدارة معارك الشارع المدنية منذ النضال ضد الاستعمار….لا يعقل أن شعباً كهذا يستحمره بضع عسكريين، يوهمونه أنهم في صفه وأنهم ثوار نجباء، وإذا بهم مجرد عملاء مرتهنون لجهات أجنبية تنوي أن تفعل بالسودان ما فعلته بليبيا وسوريا واليمن وتشاد.
ولقد حاولت، رغم أني لست بشاعر، أن أكتب قصيدة من وجع هذه الأحزان المتشابكة، ولكني عجزت كما عجز محمود درويش عن كلمة ينعي بها الشاعر لوركا وهو يتقدم نحو المشنقة ببرود الأبطال وثباتهم، كعبد الخالق محجوب ومحمود محمد طه، إلا أنه قد نعاه بالفعل قائلاً:
(يالوركاي!
يامن أعجزت الناي!
إني أعجز عن كلمة
لما ساقوك إلي الأجمة
كان صمتك أبلغ ما خلدت من كلمة.)

وهكذا يمضي أبطالنا وهم في شرخ الشباب مرفوعو الهامات إلي عنان السماء؛ وإننا مثلهم، نزدري الموت ونخوض معارك النضال من أجل تصحيح المسار،
وتصحيح المسار واضح كالشمس:
• لن يحكمنا عسكريون بعد اليوم ولو اتطبقت السماء مع الأرض؛ ولا مفر من ذهاب لجنة البشير العسكرية بجنجويدها، ولا بد من قيام مجلس سيادة من أربعة مدنيين وعسكري واحد من مرافيد النظام البائد، مثل العميد م السر أحمد سعيد.
• لن نتراجع حتي يتم تكوين مجلس وزراء من الوطنيين المعارضين لنظام البشير، وفيهم وزير دفاع مدني مقتدر ووزير داخلية من ضباط الشرطة المفصولين من النظام البائد، مثل مرشحهم السابق العقيد م محمد عبد الله الصايغ.
• متزامناً مع ذلك، تشكيل المجلس التشريعي الذي لن يدخله أي شخص تعاون مع نظام البشير، وتعيين رئيس قضاء ونائب عام جدد، وتكوين المحكمة الدستورية.
ويجب ألا نسمح للانتهازيين الذين يريدون أن يلقوا في روعنا أن التفريط في المعادلة الراهنة يعني دعوة للفوضي؛ إن الفوضي آتية لا ريب فيها لو سرنا في طريق الاستحمار الحالي الذي يحميه الانتهازيزنون والمستوزرون الأيفاع القادمون من خلفيات مشكوك فيها وأحزاب بلا قواعد، الذين ظلوا مجتمعين في غرف مغلقة منذ عامين بلا أي انجاز علي الأرض، (كأنهم مفراكة بلا راس).
ويدعو جماعات النظام الآفل من فلول مدحورة وشخوص ما برحت تستوطن تلافيف الدولة العميقة، والقادمون الجدد مع اتفاقية جوبا الكارثية، لانتخابات مبكرة، دعوة حق أريد بها باطل؛ أو لعلهم يريدون أن يبيعوا الماء في حارة السقايين؟ فمعروف أن أي انتخابات مبكرة ستأتي بالإخوان المسلمين للسلطة مثلما فعلوا في مصر عام 2011 بعد ان “نشلوا” ثورة 25 يناير. هؤلاء الإخوان المسلمون لصوص محترفون مدعومون من دول إقليمية ذات شوكة ونوايا شريرة.
إذاً، وطالما استبعدنا الانتخابات المبكرة، فلا مفر من استمرار الثورة، بآلياتها القائدة: قوي الحرية والتغيير “الملتئمة والموحدة”، وفي غرتها التجمع المهني “الموحد المتصالح”، ولجان المقاومة بالعاصمة؛ ولا مفر من استمرار حراك الشارع حتي يتم استكمال الاستحقاقات المذكورة أعلاه. والسلام. الثورة خيار الشعب!
2

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!