الشيخ إبراهيم المكاشفي.. (1955_2020م).. سلامٌ عليك في السابقين

3

بقلم / المسلمي البشير الكباشي

أصابتني زلزلة هزت كياني كله تشبه الصعقة الكهربائية، حينما هاتفني الابن همام الشيخ إبراهيم الشيخ المكاشفي بُعيد صلاة فجر الأربعاء ١٦ أبريل ٢٠٢٠م، ناقلاً نبأ انتقال والده إلى دار البقاء، جفلت بقلبي الي النكران مع يقيني بما يعاني الشيخ، فقد أثقل قلبه ما لا تحتمل طاقة البشر من تبعات تنوء بحملها الجبال الرواس، أظلمت الدنيا في عيني حين لاحت في غياب الشيخ الحبيب.. طوتني حالة حتى خلت المتنبئ يعنيني:
طوى الجزيرةٓ حتى جاءني خبرٌ
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم ٓيدع لي صدقُه أملاً
شرقتُ بالدمع حتى كاد يٓشرقُ بي
رجلٌ قطع مشوار الحياة على صراط واحد ٍ من الاستقامة َ.. ارتبط بالقرآن الكريم منذ نعومة الأظافر، فقد كان والده شديد الصرامة في الموقف من حفظ القرآن، فإن يكن حافظاً فلأن ذلك هو الخيار الأوحد، وانتظمت من بعدُ سيرورة حياته كلها بالقرآن إلى لحظة صعود الروح إلى بارئها.
حمل القرآن صغيراً ثم درج في مدارج المعرفة مرتبطاً به، متخصصاً في دراساته العليا في القراءات، ثم أصبح أستاذاً لذات التخصص في جامعة الملك سعود بالرياض، ولكن طبيعة الرجل وهمته العالية، ونفسه الكبيرة، حدثته عن أوزار تنقض الظهر، وأثقال تهد الحيل، وهي ما ارتفع به ذكره من بعد.
إذا كانت النفوسُ كبارا
تعبت في مرادها الأجسامُ
لقد إحتشد عزماً لوقف العمر خدمة للقرآن، ربما حمله على ذلك وفاءٌ لذكرى والد كانت أغلى أمانيه ان يرى إبراهيم فانياً في القرآن، ما قامت الأنفاس وهبطت. ، وقد أوفى الرجل لآمال الوالد وصادف بدقة حسن ظنه، لقد فارق إبراهيم حياة الدعة، أستاذاً جامعياً مرموقاً وسط الطبقة الأرفع بين ساكني مدينة الرياض السعودية، وعاد أدراجه إلى قرية الشيخ طه البطحاني على الضفة الغربية للنيل الازرق جنوب مدينة أربجي ليؤسس خلاوي الشيخ طه البطحاني على نظرية تجمع بين الخلوة والمدرسة، النظرية التي يلتحق بها حافظ القرآن بالمدرسة في الصف الرابع ليمضي الطلاب بقية مدارج التعليم حتى الجامعة، ولتحقيق هذا أردف الخلوة بمدرستي الأساس والثانوية، وقد لاقت النظرية نجاحاً مذهلاً فغدا الطريق مفتوحاً إلى الجامعات، إلتحق الحافظون بأدق التخصصات، وكان الحصاد تَزَودُهم بشتي ضروب المعارف الحديثة، ما أثمر الأطباء الحفظة والَمهندسين الحفظة، والقانونيين والاقتصاديون الحفظة وغير ذلك من دروب وضروب المعرفة المهنية.
إن أراد المرء التَزُود بعبر الحياة المتقلبة ففي سيرة الشيخ إبراهيم منها الكثير. صور متتالية من قهر لصعاب ضخام في ثبات وصبر كبيرين، صور من الوضاءة المستدامةبالعطاء، فهو شاب يفجر طاقاته في بناء مشروع ليس عنده من أعمدته الا التوكل وقوة العزم، بدأ برقاق الاحوال من الناس، وانتهى بهم إلى جمهور من المتعلمين يضوع عطرهم أينماحلوا. وهو كهل وقد انضجته التجارب يزداد همة، وكأنه يسابق الزمن ليرسي قواعد حياة مختلفة لمن بعده، سداتها ولحمتها ومحور حركتها القرآن، كثيراً ما تهشمه الظروف، وتتواطئ ضده الكروب بعض الوقت ، وتتكالب عليه الأزمات أحيانا، شانه شأن كل البشر، ولكن روحه أكبر من أن تنكسر، ونفسه أعلى من أن تضطرب، بالرغم من كثرة انكسارات الحياة، فقد تكسرت عظامه ذات فاجعة برفقة شقيقي المرحوم عبد الوهاب حين أصيبا قبل عشرين حولا في حادث سير في مدينة دبي (٢٠٠١م)استشهد عبد الوهاب في تلك الحادثة، وتجبرت كسور ابراهيم بضمادات الرحمة، وإن ظلت قروح النفس وجروحها غائرة في الأعماق بفقد صديقه وتوأم روحه، أو هكذا يترآي لي كلما مددت النظر الى دواخل الرجل.
الشيخ إبراهيم رحمه الله كان هائل الحضور، أينما كان تمور الحياة من حوله صاخبة كأنما تستمد وجودها من عنفوان وجوده، فهو من أضفي عليها أبهى المعاني بتقويم فلسفتها لتكون بالقرآن صَرْفاً من أن تكون عاقبتها الخسران.
وحين اتاه اليقين كان مستيقنا منه، فانتظره بفرح من ادخر لقادمات الايام البرزخية، و إلى يوم يفضي إلى ما قدم. إن كان موت كثير من الناس نضوب لعين جارية، فعند الشيخ إبراهيم برحمة الله وعد مخضر بالحسنات.
تشييعه كان لوحة غنية بصور تفيض بمشاعر دافقة بصدق الحب، خاصة من نفر استودعوا الله روحه، كما استودعوا الشيخ من قبل فلذات اكبادهم يفعا، واسترجعوهم رجالاً حُفٓظا،لقد جربوا فيه صيانة الأمانة وارتفعت أصواتهم بالدعاء فاستودعوه من لا تضيع عنده الودائع.
اختار الشيخ قبل الفراق موضع قبره ومستودع جسده بعناية، عند حافة الدارة التي يطوف بها الحيران كل مغرب لاستظاهر ما حفظوا من القرآن، دورة السُبُع، وعند المكان الذي تغسل فيه الألواح مما علق بها من أحبار، بعد حفظ المسطور بها لتعبأ اسطرها من جديد، كأنما أراد أن يسقي قبره بحبر القرآن، أو أراد أن تبلل أذنه بسماع صوتهم ندياً في الضجيج بالقرآن، ليؤانس وحشتة في القبر، وربما طمعاً في رد الروح في برزخها لتسمع عشقه في الدنيا، وربما وهو المؤكد أراد الشيخ ان يكون قربه رقيباً لمن يخلفونه في رعاية وسقاية ما زرع، فكأنما النظر الى قبره وازع مستدام، وصوت صادح لا يغيب بحي على الفلاح، اراد بقرب ؛قبره من دارة الذكر أن يظل جرساً يقرع في ذكرى العهد مع من خلفوه، ألا تنطفئ تقابة القرآن، وألا تبرد جذوة الذكر.
هناك من هو غير قابل للتعويض، فالناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. لكن الله ألطف من أن تغدو ديار العامرين يبابا، فبقدر اشتغال الشيخ إبراهيم على تربية أبناء الناس، انشغل ببنيه ذكورا و إناثا، فلم يدع أحدا منهم دون أن يستحفظ قلبه وعقله القرآن، ودون أن ينال حظه من تخصص رفيع، فجلهم أطباء ومنهم ذو تخصصات أخرى تحتل موقعا مرموقا بين سامق المعارف..
إبراهيم ترك من رباهم بين يديه لمثل هذه المهمات والمسؤوليات، فهمام والحارث، ركبا الصعاب و توليا المهمة بعد تشاور واختيار اخوتهم..
لقد رٓشّٓحوك لأمرٍ لو فٓطِـنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
هم الآن بين يدي تحد وفرصة، التحدي أن يخلفا رجلاً استثنائباً، همته فوق النجوم، بدأ مشروعه من تحت الارض ثم سمق به ذرى المجد ذروة ذروة حتى بلغ فيها السماوات العلا، وحذاري ان تهبط مما ترك.. و الفرصة ان التجربة بين يديهما دانية الثمار واضحة المسالك، ترفدها بالدفع والقوة بركات الله وتوفيقه وحسن الظن به.. والله نسأل ان يجعل التوفيق حظهما وقسمتهما في الحياة..
حبيبنا الشيخ براهيم في القلب لوعة، وفي الحلق غصة، وفي النفس جرح لا يندمل، غابت الروح التي زرعت في كوننا الحياة، وانكسرت اليمين التي سندت ضعفنا، وانطفئ النور الذي مشينا على إشراقه أجمل أيامنا، ولكن الله بنا وبك لطيف رحيم، فعسى ان يخفى لنا السلوان والعوض في طوايا الحزن، وأن يخبئ للخالفين من بعدك من أسرار التوفيق ما يعجز تصور البشر، فهو اللطيف الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الباطن والخبايا . فله الحمد وعليه التوكل ومنه الرحمة وبه الحفظ واليسران.
رحم الله الشيخ إبراهيم الشيخ المكاشفي، وانزله الفراديس العلا من الجنان، وبارك في عقبه، وكتب لهم الصبر الجميل، السلوان الجزيل.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!