https://www.dirtyhunter.tube

الصديق الراحل المناضل ادوارد لينو

0

بروف/ سلمان محمد أحمد سلمان

1
تناقلت وسائل الإعلام نبأ وفاة المناضل السوداني ادوارد لينو في إحدى مستشفيات مدينة بانغلور في الهند يوم الأربعاء 15 أبريل عام 2020، بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض. أحزنني النبأ كثيراً، فقد عرفتُ الفقيدَ زميلاً وصديقاً منذ لقائنا طلاباً جُدد في كلية الآداب بجامعة الخرطوم في شهر يوليو عام 1967. وقد ظللنا على اتصال حتى بعد انفصال جنوب السودان عام 2011.
أدهشني منذ أول لقاءٍ لي به إيمانه التام والعميق بوطنٍ عريضٍ يسع الجميع بكل تبايناتهم الثقافية والعرقية والدينية واللغوية. أدهشني أيضاً حديثه باللغة العربية السليمة، وإجادته التامة للغة الإنجليزية التي كنا نحن أبناء دفعته نصارع في التحدث بها.
لكن ما أدهشني أكثر وشدّني نحوه كان ودّه واحترامه وأدبه الجم وتقرّبه من كل زملائه وزميلاته – من أبناء وبنات الشمال والجنوب معاً – وابتسامته العريضة الدائمة، حتى خلال النقاش الذي غالباً ما يكون محتدماً عن قضية الساعة وقتها – علاقة الشمال والجنوب.
2
كانت تلك سنواتٍ صعبة في تاريخ العلاقات الشمالية الجنوبية. فقد شهد عام 1967 – عام لقائنا في جامعة الخرطوم – انهيار مؤتمر المائدة المستديرة بعد أن رفضت الأحزاب الشمالية جميعها، وبلا استثناء، مقترح الفيدرالية الذي كان السيد ويليام دينق يحاول إعادة الحياة إليه. أصرّت الأحزاب الشمالية مجتمعةً على نظامٍ مركزي مع تخويل بعض صلاحيات الحكم المحلي إلى المديريات الجنوبية الثلاثة. وتعالت الهتافات في الخرطوم وجامعتها، وكذلك في مدن الشمال الكبرى “نو فيدريشين فور ون نيشن” (لا فيدرالية لأمةٍ واحدة).
وألقتْ لجنةُ الدستور التي شكّلها الحزبان الحاكمان وقتها المزيدَ من الوقود على نار رفض الفيدرالية ببدئها الحديث العلني عن إعدادها للدستور الإسلامي للسودان، لكي يصبح السودان دولةً مركزيةً تحت غطاء العروبة والإسلام.
غادر معظم القادة الجنوبيين الذي أتوا من دول المنفى إلى الخرطوم لحضور مؤتمر المائدة المستديرة السودان إلى منفاهم. وأعلن القائدان الجنوبيان السيدان أقري جادين وغوردون مورتات أن فشل مؤتمر المائدة المستديرة يعني نهاية التفاوض من أجل حلٍّ سلمي.
واصلت لجنة الاثني عشر التي انبثقت من مؤتمر المائدة المستديرة الجدل العقيم في مسالة إن كان الجنوب سيصبح إقليماً واحداً كما طالب من تبقّى من القادة الجنوبيين، أم ثلاثة أقليم كما اتفق وأصرّ القادةُ الشماليون، وعلى طريقة إدارته وصلاحيات سلطاته المحلية تحت غطاء السودان المركزي الإسلامي العربي. وانتهى المطاف بلجنة الاثني عشر ومؤتمر المائدة المستديرة إلى الفشل التام في الوصول إلى اتفاقٍ حول قضية الجنوب.
3
لهذه الأسباب فقد كان الوضع في جامعة الخرطوم عام 1967 متأزّماً تجاه قضية الجنوب. وبرز هذا التأزم في بقاء وتقوية العزلة الكبيرة – السياسية والاجتماعية – بين الطلاب الشماليين والجنوبيين. كان للطلاب الجنوبيين تنظيمهم الخاص بهم – الجبهة الوطنية الأفريقية – وهي الترجمة لاسم التنظيم الرسمي باللغة الإنجليزية African National Front – ANF.
كان عدد الطلاب الجنوبيين الذين انتموا للتنظيمات السياسية الشمالية في الجامعة وقتها محدوداً ولا يتعدى أصابع اليد الواحدة. وشملت تلك المقاطعة الجنوبية الجمعيات الثقافية والاجتماعية والفكرية، وحتى انتخابات الاتحاد التي رفض الطلاب الجنوبيون المشاركة فيها. كان واضحاً لكلٍ من الطرفين أن الشمال شمالٌ والجنوب جنوبٌ ولن يلتقيا، سواءٌ في جامعة الخرطوم أو خارجها.
أصبح التمحور الشمالي الجنوبي هو السمة الرئيسية للحياة في الجامعة. وظلت العلاقات بين الطلاب الشماليين والجنوبيين محدودةً، وتتم في الغالب الأعم فقط خلال ساعات اللقاء التي تفرضها المحاضرات المشتركة. حتى الجلوس حول طاولات قاعات الطعام وقت الوجبات الثلاثة كان في غالبه إما شمالياً أو جنوبياً بحتاً، مع استثناءات ضعيفة قد تكون فرضتها ظروف معينة لذاك اليوم أو تلك الوجبة.


4
لكن ادوارد لينو كان قد جاء إلى الخرطوم وجامعتها عام 1967 بروحٍ جديدة، وبنكهةٍ مختلفة، وبأنفاس باردة كسر بها منذ اللحظات الأولى لوصوله جامعة الخرطوم حائط التمحور الضخم والسميك بين المجموعتين. فها هو ادوارد يجالس الشماليين والشماليات في قهوة النشاط ويتحدث عن علاقات الشمال والجنوب بنفسٍ وصوتٍ هادئين، بلا غضب أو إثارة أو اتهامات تنتهي بالنقاش إلى حربٍ كلامية، وتنهي العلاقة بين الشخصين، وتوصلها إلى العداء التام، كما كان يحدث في معظم تلك النقاشات. ثم نرى ادوارد في اليوم التالي جالساً وسط مجموعة من الطلاب الجنوبيين يدير نفس النقاش. كان أعجابنا به يزداد يوماً بعد يوم بسبب هدوء حديثه وأدبه الجم واحترامه لكلٍ من هو حوله، ومقدراته المميزة في الحفاظ على علاقاته بالمجموعتين.
ثم كنا نرى ادوارد لينو يجلس وسط الطلاب الشماليين في محاضرات اللغة العربية ويسأل ويناقش في لغةٍ عربيةٍ سليمة أدهشت الطلاب الشماليين مثلما أدهشت أساتذة اللغة العربية. كنا نتسابق في الجلوس مع ادوارد خلال وجبات الطعام لنستمع إليه ونناقشه في آرائه في علاقات الشمال والجنوب التي كانت في معظمها جديدةً علينا. فقد كنّا نحن طلاب جامعة الخرطوم من أبناء وبنات الشمال وقتها قد تمَّ شحننا وغسل دماغنا منذ مرحلة التعليم الابتدائي أن الحرب في الجنوب هي الطريق الوحيد لدحر الامبريالية والاستعمار الجديد، والمنظمات الكنسية والصهيونية العالمية التي تغذي وتمول وتدير تلك الحرب، وتعادي الإسلام والعروبة، وأن الحرب ضروريةٌ لبقاء السودان موحّداً. وأصبحت تلك هي نظريتنا وفلسفتنا (رغم التناقضات الواضحة في مكوناتها) لقضية الجنوب، سواءٌ كنا ننتمي لليسار أو اليمين أو الوسط الطلابي. لكن ادوارد لينو بهدوئه وعمق منطقه وأدبه الجم كان قد بدأ في هزّ تلك القناعات العبثيّة في أذهان الكثيرين منّا.
5
انتقلنا أنا وصديقي ادوارد لينو في شهر يوليو عام 1969 مع مجموعةٍ صغيرة من طلاب كليتي الآداب والاقتصاد إلى كلية القانون، بعد عامين في كلية الآداب أو الاقتصاد، كما كانت تتطلّب نظم جامعة الخرطوم وقتها. كان عدد طلاب تلك الدفعة في كلية القانون صغيراً لم يتجاوز الثلاثين طالباً مما زاد من إمكانية التعرّف على بعضنا البعض وبناء علاقات صداقة أقوى وأمتن، خصوصاً وقد كنا نسكن في نفس الداخلية، ونتناول وجباتنا في نفس قاعة الطعام، وندرس ونقوم بأبجاثنا في نفس المكتبة.
6
كانت حكومة العقيد جعفر نميري التي وصلت إلى السلطة إثر انقلاب 25 مايو عام 1969 قد أصدرت قبل شهر من انتقالنا إلى كلية القانون بيان 9 يونيو عام 1969 عن قضية الجنوب وضرورة الحل السلمي لتلك القضية. تضمّن البيان إشارةً إلى اجتماعٍ مشترك بين مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء تمّت فيه مناقشة مشكلة الجنوب بتأنّ وعمق. أوضح البيان أن الاجتماع المشترك خلص إلى ضرورة الاعتراف بحق الجنوب في الحكم الذاتي في إطار السودان الموحّد.
تضمّن البيان برنامج عملٍ لتطبيق الحكم الذاتي اشتمل على عفوٍ كاملٍ عن كل المشتركين في النزاع منذ عام 1955، ووضع خطة تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية للجنوب، وتعيين وزير لشئون الجنوب، ومجلس تخطيط لتنمية الجنوب، وتحديد ميزانية خاصة لهذا الغرض، وتدريب أبناء الجنوب للمشاركة في الحكم الذاتي. نادى البيان في ختامه الجنوبيين بإلقاء السلاح والعودة إلى السودان للانضمام إلى عملية السلام.
كان البيان مليئاً بالشعارات اليسارية الثورية الفضفاضة من تحميل الامبريالية العالمية والاستعمار الحديث مسئولية الحرب، ولكنه كان شجاعاً في الاعتراف بالتباينات الثقافية والعرقية والدينية والتاريخية والاقتصادية، وضرورة حل المشكلة بالحوار.
وقد قاد بيان 9 يونيو عام 1969 إلى مفاوضات معقّدة ومطوّلة مع قادة الجنوب نتج عنها التوقيع على اتفاقية أديس أبابا عام 1972، والتي أنهتْ الحربَ الأهلية الأولى وأعادتْ السلامَ للجنوب، ولكن إلى حين.
7
إثر صدور يبان 9 يونيو قررت معظم التنظيمات السياسية الشمالية بجامعة الخرطوم فتح باب الحوار مع التنظيمات الجنوبية – وتحديداً الجبهة الوطنية الأفريقية – على أمل انضمام الطلاب الجنوبيين إلى حوارٍ وطني ومشاركة في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي داخل وخارج الجامعة، مبنيةً على بيان 9 يونيو. كانت المتطلبات الرئيسية لبدء ذلك الحوار هي وجود الأشخاص الذين يملكون الإمكانيات والمقدرات لأن يكونوا جسراً للتواصل والحوار بين الطلاب الشماليين والجنوبيين.
لم يستمر البحث طويلاً فقد كان ادوارد لينو هو رجل الساعة لتلك المهمة الصعبة والمعقّدة. وقد كنت شاهداً – بحكم علاقتنا الوثيقة – للدور الكبير والرائع الذي أداه ادوارد لينو، والنتائج الإيجابية والتي اتفق الجميع أنه لولا ادوارد لما كان من الممكن التوصّل إليها.
فقد فتح ادوارد الباب واسعاً، بدبلوماسيته وعلاقاته الواسعة وكياسته وإيمانه بالوطن الموحد، للتواصل بين المجموعتين، وقررت التنظيمات الجنوبية العمل على بدء المشاركة في تنظيمات الجامعة السياسية والثقافية والاجتماعية.
وقد كان ادوارد نفسه من أوائل الطلاب الجنوبيين الذين قرّروا الانخراط في النشاط السياسي والفكري والاجتماعي والثقافي بالجامعة بعد بيان 9 يونيو بمشاركته في انتخابات جمعية القانون عام 1970 وفوزه في تلك الانتخابات. وقد كان لي شرف العمل معه في لجنة جمعية القانون تلك، وعرفتُ عن قربٍ مقدراته السياسية والفكرية والتنظيمية الفذّة.
8
لكن الرئيس نميري قرر ألّا يكون استثناءً لمن سبقه من السياسيين الشماليين – مدنيين كانوا أم عسكريين – فيما يختصُّ بقضية جنوب السودان. قام الرئيس نميري بنقض عهوده للجنوب، وأهدر في غطرسةٍ واستعلاء إنجازه الذي كان سيميّزه إلى الأبد عن بقية السياسيين الشماليين.
بدأ الرئيس نميري بعد سنوات قليلة في تمزيق اتفاقية أديس أبابا بنداً بعد الآخر، وقسّم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، وأعلن الشريعة الإسلامية قانوناً للبلاد. ثم تدخّل بصورة سافرة تتناقض مع اتفاقية أديس أبابا في تعيينات وعزل القيادات التنفيذية والتشريعية والعسكرية في الجنوب.
وقد عبّد ذلك الخرق الكبير لاتفاقية أديس أبابا الطريقَ لقيام الحركة الشعبية لتحرير السودان، واشتعال الحرب الأهلية الثانية عام 1983، والتي قادت إلى حق تقرير المصير عام 1992، وتأكيده في مشاكوس عام 2002، ثم نيفاشا عام 2005، ثم الاستفتاء، وانفصال جنوب السودان عام 2011.
9
كان ادوارد لينو من أوائل السودانيين الذين انخرطوا في الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، وأحد أعضاء الفريق الصغير الذي قام بصياغة مانيفستو الحركة. فقد تطابقت أفكاره السياسية عن وطنٍ سودانيٍ عريضٍ يسع الجميع رغم تبايناتهم الثقافية والعرقية والدينية، والتي حدّثنا عنها عام 1967، مع برنامج الحركة الشعبية للسودان الجديد الموحد عام 1983.
ترك ادوارد حياته وأسرته وطموحاته الخاصة وانخرط بكل ما لديه من إمكانيات ومقدرات للعمل في الحركة الشعبية. وتدرّج فيها ليصبح عضواً بمجلس التحرير القومي، ثم قائداً لاستخبارات الحركة الشعبية. ثم أصبح مسئول الحركة الشعبية عن ملف أبيي.
10
التقينا في واشنطن في صيف عام 1991 بعد غيابٍ طويل. فقد جاء ادوارد في ذلك العام ممثّلاً للحركة الشعبية في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن بقاءه في واشنطن كان قصيراً، وعاد لجنوب السودان إثر الانشقاقات في الحركة الشعبية في بداية النصف الثاني من عام 1991.
تحادثنا طويلاً عندما التقينا في واشنطن. سعدتُ كثيراً وأنا استمع إليه بعد ربع قرنٍ من الزمان على لقائنا طلاباً بجامعة الخرطوم. أحسستُ أنني قد عدتُ إلى عام 1967 وأنا استقي مرةً ثانية من تجربته السياسية والعسكرية والميدانية الثرية والقاسية، وأصغي إليه وهو يحدثني، كما فعل عام 1967، عما اسماه “فن الممكن في مستقبل العلاقات بين الشمال والجنوب” رغم حرب الجهاد القاسية والمدمرة التي شنّها الإسلاميون على شعب الجنوب بعد انقلاب 30 يونيو عام 1989.
بدا واضحاً لي أن تجربته الثرية في الحركة الشعبية قد زادت من نضجه الفكري والسياسي، واحترامه وأدبه الجم في التعامل مع الآخرين. لكن التأثيرات الصحية للعمل الميداني في أحراش الجنوب، وضغوطه بدت واضحةً لي أيضاً خلال تلك الفترة القصيرة.
11
بعد انفصال جنوب السودان صار ادوارد لينو المسئولَ الأول وممثلَ دولة جنوب السودان في ملف أبيي. في لقاءٍ قصيرٍ لنا بعد الانفصال سألته عن قضية أبيي، ورؤيته لحل الخلاف حولها بعد الفشل في قيام استفتاء أبيي. صمت لفترةٍ طويلةٍ ثم قال لي: لماذا لا نستخدم أبيي لتكون جسراً لعودة نوعٍ من العلاقات السياسية بين الدولتين. قلت له: هل تفكر في الكونفيدرالية؟ كان صمته أطول هذه المرّة. ردَّ عليّ بمرارةٍ وحسرة وهو يغلّف إجابته بتجربته الثرية في العمل الوطني خلال أكثر من خمسين عاماً: “لنترك الخيارَ للأجيالِ القادمة، فقد فشل جيلنا في ذلك.”
12
ارقدْ في سلامٍ ياصديقي ادوارد لينو فقد أدّيتَ واجبَك ودورَك الوطني كاملاً، وبتجرّدٍ وإخلاصٍ لا مثيلَ لهما.

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!