الصراع السياسي المكلف في الفترة الانتقالية

3

منذ توقيع الوثيقة الدستورية وحتى الان ظل الصراع المكلف والعبثي على ماهو عليه بين تيارين في الساحة السياسية ، تيار اول يعتقد أن ثورة ديسمبر قد انتصرت بإسقاط البشير في ١١ ابريل وأن البلاد يجب أن تنتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة بتكوين الأجسام وتنظيم العمل وهيكلته، والانطلاق في ميادين العمل من أجل بناء دولة السلام والحرية والعدالة على الأرض بتنفيذ البرامج و الخطط التي تنقل الوطن من حالة الشمولية إلى حالة الديمقراطية ، وتيار ثان يعتبر أن الثورة مازالت فاشلة في تحقيق مرادها وأنها (لم تسقط بعد )، وأن الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية بين المدنيين والمجلس العسكري هو مجرد اتفاق خفي مع الكيزان.

التيار الثاني يعمل ليل نهار على إثبات صحة رؤيته من خلال تهييج المشاعر بصور الشهداء وفيديوهات فض الاعتصام وشعارات وصف التحول بالهبوط الناعم ، ويسعى جاهدا للسيطرة على الجماهير عبر لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني ونجح في اختطاف العديد منها آخرها اختطاف تجمع المهنيين، هذا التيار يرفع ما حدث في اعتصام القيادة العامة الى درجة القداسة، وهي الدرجة التي يغيب عندها العقل الواعي ويسيطر فيها القلب العاطفي وتصل فيها الجماهير إلى مرحلة الغيبوبة الهوسية، فيسهل قيادها لتنفيذ الأجندة التي تراها الجماهير الغائبة عن الوعي كاجندة للقصاص للشهداء والضحايا بينما هي في الحقيقة أجندة سياسية خفية لتصفية التيار الآخر والسيطرة على الوطن .

صراع التيارين أعلاه أربك الحكومة الانتقالية وأفشلها، فالتيار الثاني الرافض للوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي لم يغادر أجسام الحكومة الانتقالية وينضم إلى تيار المعارضة كما هو المنطق السياسي السليم والمبدئ بل ظل داخل الحكومة الانتقالية التي لا يؤمن بها، ومثل وجوده خميرة عكننة بين أجسام الحكومة الانتقالية وكانت النتيجة فشل الحكومة الانتقالية، الجهة الوحيدة التي كانت صادقة مع نفسها ومع الجماهير ومع الوطن هي حركة قرفنا التي رفضت توقيع الاتفاقية واعلنت انسحابها من قوى الحرية والتغيير وانضمت إلى المعارضة في الشارع رفضا لهذا الاتفاق، وهو موقف أخلاقي محترم، بينما ظل البقية (كراع جوة وكراع بره) فلا خدموا أجندة الحكومة الانتقالية ولا خدموا أجندة المعارضة، بل صاروا خصما على تحول الوضع في الوطن من الشمولية إلى الديمقراطية وجعلوا التناغم داخل كابينة القيادة مفقود ومستحيل.

مهم في هذه اللحظة التاريخية ان تستوعب الجماهير انها ليست لعبة في يد التيارات السياسية توجهها كيف تشاء باستغلال عاطفتها، فكما استغلت الانقاذ الشعب السوداني بعاطفة الدين من قبل وظهر للجميع بعد فوات الاوان انها كانت أكبر كذبة في التاريخ السياسي السوداني، فإن تيارات متعددة تريد الآن أن تستغل ذات الشعب عبر عاطفة استعادة حق الشهداء وحق ضحايا اعتصام القيادة العامة لتحقيق أجندتها الذاتية، وهو عمل مناقض لوعي الثورة ،هادم لامانتها ،مفكك لوحدتها، ولن يقود الا إلى الفوضى وتمكين الثورة المضادة.

كل ضحايا الوطن الذين بذلوا أنفسهم من أجل فجر الحرية والديمقراطية هم على مستوى واحد من القيمة والأهمية، ضحايا فض الاعتصام، ضحايا الإبادة الجماعية في دارفور، ضحايا جرائم الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ضحايا جرائم بيوت الأشباح، ضحايا جرائم السدود، ضحايا جرائم بورتسودان، معسكر العيلفون، وانقلاب ٢٨ رمضان والخ من ضحايا الجرائم المرتكبة في صراع الحكم في السودان. استعادة حق هؤلاء الضحايا لا يكون بالمحاسبات فقط وإنما في المقام الأول بتحقيق ما ضحوا من أجله وهو دولة سودانية تنعم بالسلام وحكم القانون ويتم فيها تبادل السلطة سلميا عبر انتخابات حرة ونزيهة يكون فيها الشعب فقط هو من يحدد من يحكمه، صناعة هذه الدولة هي مبتغى الشهداء، بناء هذه الدولة هي المقابل الموضوعي لحقوق الشهداء.

مهم من أجل حماية واستقرار الفترة الانتقالية العمل على تفريغ الشحن العاطفي الجماهيري من خلال الفصل الواعي بين العمل السياسي والعمل القانوني القضائي في الجرائم التي نتجت عن الصراع حول الحكم. الضغط السياسي والجماهيري على القانون للتاثير على استقلاليته لن يقود إلى دولة قانون بل سيقود إلى دولة غاب يستخدم فيها القانون مطية لاسكات الجماهير وتهدئة غضبها العاطفي الناتج عن التجييش السياسي، وهذا لا يعني بأي حال إنصاف الشهداء بل يعني اشباع الرغبات الخفية في التشفي والانتقام، وهذا لا يقود الا الى طريق واحد هو الانتقام المضاد وخروج الأوضاع عن السيطرة ورجوع الثورة إلى نقطة الندم والبكاء، فهل يرعوي الشعب ويفطن للمؤامرة ؟!

يوسف السندي

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!