العالم يرتج فهل نحن مستعدون؟

5

النور حمد

لربما أضحت كلمة “ديموقراطية” كلمةً طنانةً، واحتلت في أذهان الكثيرين الطلقة الفضية التي لا تخطئ الهدف. لكن الواقع العملي، عبر القرنين المنصرمين، أكَّد أن التجربة الديمقراطية التي اقترنت اقترانًا عضويًا بتوسع الرأسمال وسيطرته، ونهمه، تسير بخطى حثيثةٍ لأن تتحول إلى شمولية عامة تصل إلى كل متر على ظهر الأرض. لقد أتاحت الطفرات المدهشة، في تكنولوجيا المعلومات للرأسمالية المتوحشة ذراعًا جديدًا باطشًا لم يعرف له التاريخ مثيلا. ولقد كشفت جائحة كورونا، والطريقة التي تعاملت بها معها أمريكا، أن الرأسمالية المتوحشة سادرةٌ في غيها القديم.

انفضحت أكذوبة أن ميزة النظام الرأسمالي تتمثل في قدرته على تحقيق رفاه الناس وحريتهم. لكن، ما ظل يجري، عبر القرون القليلة الماضية، يدل على أن النظام الرأسمالي لا يفكِّر في رفاه الناس، بقدر ما يفكر في بسط سيطرته المطلقة لتستديم قلةٌ قليلةٌ نهج العبودية والسخرة على الأكثرية الغالبة. كل ما في الأمر تحول نظام العبودية والسخرة من صورته القديمة الظاهرة إلى صورة جديدة مستترة، تقتل في صمت، كما يقتل الورم الخبيث. لم تغير كفالة الحريات العامة، وممارسة الديمقراطية التمثيلية، وكتابة الدساتير الحديثة، والميثاق الأممي لحقوق الإنسان، ومجمل وعود الرفاه والأمن، شيئًا في نظام السخرة والعبودية. بقي استبداد النخب الممسكة بمفاصل السلطة والثروة كما هو. الآن تصحو أمريكا، التي بقيت مخدرة إعلاميًا لما يزيد عن القرن، على هذه الحقيقة المذهلة البشعة. فالذي يجري الآن، ليس ردة فعل لمقتل جورج فلويد المأساوي الفظيع، وإنما استيقاظ صادم على انكشاف الكذبة الكبيرة التي استمرت لقرون. وسوف تُظهر السنوات القليلة القادمة أزمة النظام الرأسمالي بصورة غير مسبوقة.

مثلما سقطت الشيوعية لافتقارها إلى البعد الروحاني، وإلى الوعي الكوني والانساني المتكامل، وإلى المنظومة القيمية الساندة، سيسقط النموذج الديموقراطي الغربي. المنحى الرأسمالي المؤسس على سيادة قلة قليلة على الكثرة الغالبة، ليس منحىً تجاريًا بحتًا، وإنما هو منحى ذو أساسٍ فلسفيٍّ له جذوره المنغرسة في تربة الداروينية الاجتماعية، التي منحت العنصرية سندًا علميًا زائفا. يقول أهل نظرية المؤامرة، وهم ليسوا مخطئين على الدوام، كما يروِّج من يتآمرون: إن القلة القليلة المسيطرة تسعى سعيًا حثيثًا لإنقاص أعداد سكان العالم لتعيش البقية حياة الرفاه. يستند هذا النوع من التفكير على الدارونية الاجتماعية المؤمنة بمقولة “البقاء للأصلح”. وعلى غرار هذه المقولة جاءت عبارة هوبز الشهيرة: “الإنسان ذئب الإنسان”. فكما تنقرض الأحياء الضعيفة بسبب افتراس الحيوانات القوية وغيرها من العوامل الطبيعية، أيضًا، يقضي البشر الأقوياء على الضعاف. أي أن هذا السحق جزءٌ من قوانين الطبيعة. وقد نحت النازية هذا المنحى، بصورةٍ فجَّة مكشوفة.

تواجهنا الآن أخطر التحولات والتحديات في التاريخ الإنساني. لكننا غائبون فكريًا، ونعيش تخلفًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا وتعليميا، مريعا. يضاف إلى ذلك لم يعد هناك نموذج نتبناه. وليس هناك ما يحول بيننا وبين أن يفترسنا أقوياء العالم الذين كشروا عن أنيابهم. ينبغي، فيما أرى أن نتجه بثورتنا في وجهة تأسيس منصات للحوار الفكري العميق الشامل، الذي يفضي إلى إنتاج نموذجنا المعرفي الذي يقوم عليه نموذجنا التنموي. الصراع الجاري الآن والانشغال بالكسب الحزبي والغوغائية السائدة ستبقينا مكشوفين في عالمٍ متوحش شرسٍ، يرى سحق الضعاف أمرًا طبيعيا.

التيار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!