العكد..القرية “التكيب”

1


في فترة عملي عميداً لكلية تنمية المجتمع بجامعة وادي النيل والتي امتدت لدورتين منذ العام 2005 . كنت حريصاَ على تدوين كافة الانشطة التي نقوم بها في المجتمع المحلى ، والدخول الى القرى السودانية ،هو الدخول الى عالم من البذل والعطاء والتكافل الإنساني في أروع صوره ،آخذكم اليوم في جولة الى قرية العكد وهي نموذج لإرادة الجهد الشعبي في التنمية المحلية، و تقع قرية العكد على ضفة النيل الشرقية جنوب (عطبرة ) وشمال (الدامر) يحدها من جهة الجنوب قرية (الحسناب) ومن جهة الشمال قرية (المقرن) ومن جهة الشرق قرية (الشعلية ) ومن الغرب على ضفة النيل قرية أم الطيور.
يعتبر اسم العكد من الأسماء النوبية القديمة ويقال إن اسمها جاء من (أكد) العربية حيث إن جدهم الأكبر حمد بن عبد العال أكد لهم بأن هذه المنطقة مقر سكنهم بعد أن رحلوا من جزيرة الكبوشاب التي تقع بالقرب من منطقة (الزيداب ) وما يدعم هذه الرواية أن قرية العكد تعد أكبر تجمع (للكبوشاب).
وسكان العكد (كبوشاب) ينتمون إلى الجعليين العرامنة أبناء عرمان ويقال إن جدهم الأكبر حمد لقب بي (كبوش) لأنه كان قوي البنية حتى ساعة الكبر.
تقول رواياتهم الشفهية التي جمعتها منهم إن أول من سكنها أربعة من جدودهم وهم (قلبوس، داور، مشاور وناصر). ومن أهم أحيائها الروسب، الداوراب، الديرة والناصراب، والعكد تفردت دون سائر قرى ولاية نهر النيل بنظام تكافلي فريد يعرف (بالتكيب) حيث قسمت بيوتها إلى أحدى عشر تكيب وهي:
1) الكواب 2) المناصير 3) الناصراب 4) الداوراب 5) البطرن 6) الكراديس 7) الأشراف 8) الباساويت 9) القتن 10) الجوارنة 11) ود الحسن.
يعتبر نظام (التكيب) نظاماً اجتماعياً نادراً في السودان يقوم على نمط خاص من الادارة الأهلية لشئون المجتمع المحلى وقد تابعتُ طالبة ماجستير تكتب رسالة عن هذا النظام المتفرد في علم الاجتماع حيث لكل مجموعة (تكيب) قيادة تحتكم اليها وتأتمر
تعتبر العكد من المناطق التأريخية حيث شهدت هذه المنطقة أول معارك الغزو التركي (واقعة الكويب) والتي استشهد فيها فقراء الدامر (المجاذيب).
لقد أنجبت هذه المنطقة العديد من الأعلام في كل مناحي الحياة على سبيل المثال لا الحصر الشيخ عبد الله ود رحمة، العوض ود قنديل، والشيخ ود بطران صاحب الخلوة ومعلم القرآن والشيخ المربي مختار حاج سعد والشيخ عبد الواحد بابكر صاحب الخلوة والمخطوط والشيخ محمد النقر صاحب خلوة العكد الشهيرة، ومن الذين عملوا بالتجارة الشيخ العوض سالم والحاج محمد ود سعد والتليب وحسين بابا، ومن الشعراء عثمان بشير، سعيد البدوي والحاج عبد الماجد ومن أهل الفن والغناء الشعبي النور ود إدريس، بابكر فرح، ثنائي العكد الأمين وعطية وأغلب أهل العكد يمتهنون التجارة ويحترفون الزراعة ومن أشهر جزرهم (الكويب) التحتانية وهي المنطقة الأولى التي قامت فيها صناعة الأسمنت منذ مطلع القرن الماضي وذلك بقيام مصنع بورت لاند الذي يعرف الآن بمصنع أسمنت عطبرة وفي الزمن الحالي قام فيها مصنعين للأسمنت كما شهدت قيام أول مصنع للطوب الآلي والآن بها العديد من مصانع الجير.
خلاصة القول إن قرية العكد تعد منطقة صناعية وهي تقع في حزام صناعة الأسمنت وذلك من خلال موقعها الذي أهلها لذلك حيث إنها تقع بين مدينتين في الولاية مدينة عطبرة مدينة الصناعة ومدينة الدامر حاضرة الولاية وهي بذلك قرية عريقة وتأريخية حيث أكتشف فيها آثار ترجع إلى العهد المروي.
لازلت أذكر ذلكم اليوم جيداً في شتاء عام 2008م عندما قمت بزيارة إلى العكد و في ضيافة نفر كريم من أبناء العكد، حيث هيأ هذا اللقاء الأستاذ المرحوم إبراهيم الطاهر أحد أبناء جامعة وادي النيل الأفذاذ والذي توفي وهو في قمة عطائه بعد حياة حافلة بالبذل وكان الهدف من هذه الزيارة الاستفادة من المجمع الإسلامي وإنشاء فرع لكلية تنمية المجتمع حيث تأهيل مباني الفرع من الجهد الشعبي عبر التكيبات و الذي تم افتتاحه رسمياً في العام 2010م وقام طيلة هذه الفترة بجهد كبير في خدمة مواطني المنطقة البالغ عددهم (4) ألف نسمة.
لقد بذل الأخ دياب التوم مصطفى(رحمه الله ) مدير الفرع وهو احد الموظفين القدامى بالجامعة. جهداً مقدراً في نجاحه يعاونه من المدربين الأساتذة سيف الدولة علي عكير، ام العز السيد، نفيسة علي محمد، إسماعيل الشيخ عثمان، خديجة الأمين، ليلى حسين علي، حيدر عبد الله محمد الحسن وحسن عبد الرحيم محمد أحمد وهنا لابد من تحية لخفير الفرع المتميز محمد عثمان البشير فقد ظل حريصاً على ممتلكات الفرع بل ويساهم في التبليغ عن أعطال المعدات هذا إضافة إلى العاملة بت إدريس عبد الواحد، أما مجلس الأمناء فقد كان مبادراً في اقتراح الدورات التدريبية وقاده رئيساً الأخ مصطفى عبد الرحيم محمد وعضوية حسن محمد أحمد الحسن، د. شامة محمد أحمد إمام، محمد علي عبد الحليم، د. عبد المنعم عوض الكريم، مهدي سعيد البدوي ونعمات بابكر أحمد.
لقد تميز فرع العكد بتقديم خدمات الإسناد التعليمي لطلاب الشهادة السودانية وطلاب الأساس في اللغات والرياضيات والحاسوب بينما خرج الفرع في البرنامج الرئيسي حتى الآن حوالي (120) دارسة.(٢٠١٢)
إن النظام الاجتماعي في العكد ساهم بشكل مباشر في نجاح مشاريع التنمية بالمنطقة ولو وجد فرع العكد الدعم اللازم فإنه سيكون نواة لعدة مصانع صغيرة.
أكتب ذلك من دفتر الذكريات وأعدكم بالطواف في كل القرى التي دخلتها
مع التقدير

التعليقات مغلقة.