https://www.dirtyhunter.tube

العلماء والصالحون في الدُفَّار.. الكسب والعطاء

312


أحمد إبراهيم أبوشوك:

الإخوة والإخوات الأعزاء، تحية طيبة، قبل ثورة ديسمبر 2018م، بدأتُ نشر مقال عن “الأولياء والصالحون في مملكة الدفار: الكسب والعطاء”، بطريقة مسلسلة، ولكن توقفتُ عن النشر نسبة لظروف الثورة، وتقديم العام على الخاص، ويسرني الآن أن أعود إليكم مرة أخرى؛ لنشر المقال المشار إليه في شكل حلقات متتابعة، عله يكون مفيداً للقارئين المهتمين بتاريخ المنطقة.

تمهيد
الدُّفَّار من الأسماء المجهولة المعنى من الناحية اللغوية (1)، ومملكتها من الكينونات السياسية ذات الحدود الجغرافية المبهمة نسبياً، كما أنَّ الروايات التاريخية المتداولة عن تاريخ نشأتها وتطورها واضمحلالها شحيحة ومضطربة. فالشيخ محمد علي العجيمي (ت. 1952م) (2) يرى أنَّ أصل الدُفَّار مُشتق من “الدِفْرَة”، العشب الذي كان ينمو بكثافة في المنطقة قبل مجيء العرب إليها في عهد الخليفة العباسي المهدي بن أبي جعفر المنصور (158-169ه/775-786م)، حيث وجدوا “الدُفَّار، … متسعة قابلة للسكنى، مملوءة بقش الدِفْرَة”، الذي سُمَّيت عليه،”، ثم سكنوها وعمروها عمارة كاملة.” (3) بَيْدَ أن هذا الافتراض محل جدل من الناحية التاريخية؛ لأن نشأة الممالك المسلمة في السُّودان كانت لاحقةً لذلك التاريخ، ومن الناحية الجغرافية أنَّ قرية الدُفَّار لم تُوصف بكثافة عشب الدفرة، كما وصفها الشيخ العجيمي، بل وُصفت بأنها أُنشئت على هضبة صخرية، تُشبه قلاع ومقار الحُكَّام التي أُسست على ضفاف النيل آنذاك. ولذلك وصفها الرحالة الفرنسي فردريك كايو الذي زار المنطقة عام 1821م بأنَّها:
“قرية مُهدمة، تقع على بعد خمسين خطوة من النيل، وتقوم على صخرةٍ مرتفعةٍ. وهذه القرية بُنيت معظم بيوتها من الحجارة الصلبة، المقطوعة من الجبل. وكانت قرية حصينة، يوجد جزء من سور يحيط بها، وبعض من بقايا الأبراج الدائرية المثبتة على فتحات في ذلك السور من كل جانب. وجدتُ بين هذه الأنقاض عموداً صغيراً من الجرانيت، يرقد على الأرض، وطوله ثلاثة أمتار، وتاجه لم يكتمل بعد، ومزخرف بالصليب الإغريقي. توجد داخل هذه القلعة بئر نصفها داخل الحجر الرملي، والنصف الآخر، مبني طوله متران، وعرضه أربعة أمتار، وعمقها ثمانية عشر متراً، وهي من أعمال القدماء، الذين شيدوها على هذه الصخرة قبل مجيء المسلمين.”
أما الدكتور أمين شعيب الحاج فقد أرجع اشتقاق الاسم إلى الدور الوظيفي لعلماء مملكة الدُفَّار؛ بأنهم “كانوا يدفرون الجهل بالعلم”، لكن هذا الزعم يبدو أنه اسقاط لاحق؛ لأن الدُفَّار لم تُعرف بأنها كانت مركز علم قبل مجيء الشيخ عبد الرحمن بن جابر الركابي إليها في القرن السادس عشر الميلادي، أي بمعنى أن الحدس التاريخي السليم يُرجِّح أنَّ إطلاق الاسم كان سابقاً لدور علماء الدُفَّار الوظيفي. ويؤكد ذلك قول نعوم شقير: “بأنها تقع على الضفة اليمنى للنيل، […] ويزعم أهل دنقلا أنها بلدة نمرود ابن كنعان، وأنَّ الملك موسى سكنها بعد الإسلام، وأسس فيها مملكة دامت قبل الفتح المصري، فخربها الشايقية. […] وهي الآن بها قلعة خربة، قائمة على صخرة كبيرة. وبقربها جزيرة عامرة، تُسمى قانتي [أي قنتي]، يسكنها ذرية ملوك الدُفَّار مع الشايقية، وفيها آثار قديمة، جامعان ومسجدان.”


وعبارة “ملوك الدُفَّار”، و”ضنقلة الدُفَّار”، و”جعل الدُفَّار” من العبارات الشائعة الاستخدام في طبقات ود ضيف الله، وكذلك في مخطوط خلاصة الاقتباس لمؤلفه أحمد بن إسماعيل الأزهري؛ إلا أن عبارة “جعل الدُفَّار” تحدث تشويشاً في ذهن القارئ؛ لأنها تحمل بعض المضامين “السيادية” التي تميز جعل الدُفَّار عن بقية البديرية، بدليل أن الأزهري يفترض أن “مَنْ يدعي أنه من جعل الدُفَّار، إذا كان عدَّه لم يتصل بصلاح، فإن نسبته غير صحيحة؛ لأن صلاحاً هو جد جعل الدُفَّار، أولاده سبعة، وأبوه هو موسى الكبير، الشهير بمسوا.”(4) وبموجب ذلك، يحاول الأزهري أن يعطي إشارة إلى أن نشأة مملكة الدُفَّار تبدأ بالملك صلاح بن موسى الكبير؛ لكن هذا الافتراض محل جدل؛ لأن معظم المصادر التاريخية تميل إلى إرجاع نشأة مملكة الدُفَّار إلى أسلاف البديرية الأُول، ويعنى هذا الميل أو الترجيح إن مملكة الدُفَّار كانت بمثابة المملكة الجامعة لكل البديرية، وبعد نشأتها، نشأت ممالك أقل حجماً منها في أبكر، وتنقسي، والخندق. والرأي الراجح أنَّ هذه الممالك الصغيرة كانت تابعة لمملكة الدُفَّار، ولكن في المرحلة الأخيرة من عمر السلطنة السنارية حصلت على استقلال نسبي، وتحديداً مملكة الخندق التي كانت تبعد قليلاً عن غارات الشايقية العسكرية في المنطقة. ويثير اشتراط الأزهري مشكلة أخرى؛ لأنه يضيِّق الدائرة النسبية والجغرافية للمملكة الدُفَّار؛ وبذلك ينفي نسبة علماء بارزين في المنطقة إلى جعل الدُفَّار، أمثال الشيخ محمد بن عيسى بن صالح البديري، الملقب بسوار الذهب، الذي تفصح شجرة نسبه بأنه “الشيخ محمد سوار الدهب بن الشيخ عيسى بن صالح بن حسن حلالي بن دهمش بن علوان بن عبد الدافع بن عبد الخالق بن عبد الباقي بن موسى بن إدريس بن محمد البديري.”
تقودنا هذه الملحوظات إلى افتراض جوهري، مفاده أنَّ حدود مملكة الدُفَّار والممالك التابعة لها كانت تتطابق مع حدود دار البديرية التي تمتدّ من حلَّتي التيتي والصحابة شمالاً إلى جبل الضيقة (داقر) جنوباً في الفترة الأخيرة من العهد السناري، وأن مملكة الخندق قد حظيت باستقلال نسبي، وخرجت عن دائرة نفوذ الدُفَّار المباشر، علماً بأنها من الممالك التي كانت تُحكم بوساطة البديرية. وفي إطار هذه الفرضية تركز هذه المقاربة على الكسب المعرفي الذي حققه العلماء والصالحون في دار البديرية (أو مملكة الدُفَّار) التي أشرنا إلى حدودها الجغرافية أعلاه، وعلى إسهامهم في خلق بيئة تعليمية حاضنة للدارسين الذين نهلوا العلم في ربوعها، أو هاجروا منها إلى بقاع أخرى من السُّودان؛ ليشتركوا في بث الوعي الديني الذي انتظم فضاءات السلطنة السنارية. ولمعالجة هذه المشكلة، نسترشد بحزمة من الأسئلة التي ربما تفيد الباحث في جمع المعلومات التاريخيَّة المكونة لمفردات البحث، وتصنيفها، وتحليلها، ثم إعادة تركيبها حسب سياقاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية؛ لتعطينا سردية تاريخية متماسكة، يمكن أن توضِّح معالم الحاضنة الاجتماعية التي شكلت منطلقات الكسب الثقافي-الديني في المنطقة، وتجليات العطاء الناتج منه في فضاءات سنارية أخرى:
– ما التركيبة الديمغرافية لسكان مملكة الدُفَّار (أو دار البديرية) في إطار الحدود الجغرافية المقترحة أعلاه؟
– ما طبيعة الحاضنة الاجتماعيَّة-الثقافيَّة التي أسهمت في ظهور نخبة من العلماء والصالحين في دار البديرية؟
– كيف أثر أولئك العلماء والصالحون في بنية العقل المحلي؟
– ما الأثر الخارجي الذي حققه علماء دار البديرية، أو الطلبة الذين درسوا في ربوعها، ثم هاجروا إلى أوطانهم حملة للواء العلم والمعرفة؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة، نحاول أن نلقي ضوءاً على مصادر تاريخ دار البديرية؛ لأنها شحيحة وتتسم بالاضطراب والغموض، الأمر الذي يجعل عملية جمع المعلومات الواردة فيها وإعادة تركيبها في غاية الصعوبة، وكذلك عملية تقييم المرويات الشفوية المتعلقة بالأنساب، ودور الأعلام في الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي، وذلك نسبةً لغياب النص المرجعي المكتوب والضابط لحركة التاريخ في دار البديرية.
***
هوامش الحلقة الأولى:
(1) الراجح أن أصل الاسم نوبي، وذلك علماً بأن معظم أسماء القرى والجزر المجاورة، كانت نوبية، مثل جقرناري، وحسينارتي، ومنصوركتي، وفقيرنكتي، والعفاض، وأرتموقة، كما أن الدراسات الآثارية اثبتت أن قرية الدُفَّار كانت موجودة في المنطقة قبل مجيء العرب والإسلام إليها. لكن الشيء المثير للجدل أنه لا يوجد تفسير جامع مانع لمعنى الدُفَّار في اللغة العربية أو النوبية، بخلاف التخمينات الشفوية المتداولة بين الناس، والتي لا تقوم على أساس بحث لغوي أو علمي جاد.
(2) هو الشيخ محمد بن علي بن محمد بن أحمد العجيمي، ولُد بالبرصة عام 1881م، وحفظ القرآن على الشيخ عبد الرحيم محمد كرار بقرية المقل، ودرس العلوم الدينية على الفقيه محمد حاج نصر، ثم انتقل إلى خلوة الشيخ أحمد وديدي بقرية البكري، ومنها إلى مجلس الشيخ محمد البدوي بأمدرمان، وحسب رواية محمد عبد الرحيم التقى برجل صالح يدعى زين العابدين المغربي الفاسي، فأخذ منه الاسم المفرد”. ثم عاد إلى مسقط رأسه بالبرصة، حيث شيد مسجداً وخلوةً لتدريس القرآن والعلوم الدينية، واستجلب لها العلماء، فشدَّ طلبة العلم رحالهم إليها، ثم بعد ذلك أصبح له مريدون وحيران، وطريقة صوفية تُعرف بالعجيمية. توفي الشيخ محمد علي العجيمي عام 1952م، وخلفه على سجادة الطريقة ابنه نور الدائم. وللشيخ محمد علي العجيمي ثلة من المؤلفات النفيسة، ونذكر منها: “طريقة كل مسلم وسالك”، و”كامل الأنوار في سيرة النبي المختار”، و”جواهر الأصول في ذكر أهل بيت الرسول” في الأنساب. ويقال إنَّه اهتمَّ بتعليم المرأة؛ لأنه كان يرى في تعليمها أساساً لقيام الأسرة الصالحة. وانتشر نفوذه وتعاليمه في المنطقة على حساب الطريقة الختمية؛ لذلك كان يشاع في أوساط الختمية بعض الأقوال السالبة عن الشيخ محمد علي العجيمي، وطريقته العجيمية. وفي هذا يقول محمد عبد الرحيم، الذي زار الشيخ العجيمي قبل وفاته: “وصارت له نفقات عظيمة، زانها بالانكسار، والتواضع، فطار صيته، واشتهر بكرم عجيب، وهناك انبرى لمحاربته جماعة من السذج، مدفوعين بعوامل الحسد؛ فأخذوا يخلقون له المثالب، ويرمونه بالكبائر، مثال ذلك يقولون عنه زوراً وبهتاناً أنه يجمع بين الرجال والنساء، ثم يقول: “أطفؤوا النور، وضموا الصدور، والذنب مغفور”؛ وأنه يريد تحويل القبلة إلى داره بكلام مسجع هو: “عليكم بكعبة التداني بدلاً عن كعبة المباني”، وغير ذلك من الترهات، وغرائب الخزعبلات، وصارت لاتباعه مشاكل ومضاربات مع أولئك المناوئين له والمنفرين عنه.” لمزيد من التفصيل انظر، محمد عبد الرحيم مخطوط أبطال السُّودان، مجموعة محمد عبد الرحيم، دار الوثائق القومية بالخرطوم؛ عون الشريف قاسم، موسوعة القبائل والأنساب في السُّودان، ج 4، الخرطوم: شركة آفروقراف للطباعة والتغليف، 1996م، 1530-1531.
(3) فردريك كايو، رحلة إلى مروي والنيل الأبيض وما وراء فازوغلي وسط مملكة سنار وإلى سيوه وفي خمس واحات أخرى في السنوات: 1819م، 1820م، 1821م، 1822م (ترجمه من الفرنسية فضل الله إسماعيل علي)، الخرطوم: جامعة السُّودان المفتوحة، 2012م، 22.
(4) أحمد بن إسماعيل الولي (الأزهري)، خلاصة الاقتباس في اتصال نسبنا بالعباس، (مخطوط)، 1853م، دار الوثائق القومية بالخرطوم، منوعات، 1/15/175، ص: 11-12. وأحمد بن إسماعيل الأزهري (1810-1882م)، هو الابن الثاني للسيد إسماعيل الولي، ولد بالأبيض وأكمل دراسات الإسلامية في الأزهر، حيث قضى به نحو اثني عشر عاماً (1861-1873م)، طالباً أولاً ثم مدرساً ممتازاً. وبعدها عاد إلى السُّودان عن طريق الفاشر، وحاول السلطان إبراهيم قرض بقاءه في القاشر للتدريس، لكنه آثر العودة إلى الأبيض، وواصل التدريس في خلوة والده. وبعد اندلاع الثورة المهدية سافر إلى الخرطوم، وفي أثناء إقامته في الخرطوم ألف رسالة في التشكيك في مهدية محمد أحمد بن عبد الله عنوانها: “النصيحة العامَّة لأهل السُّودان عن مخالفة الحكام والخروج عن طاعة الإمام”. وبعد الترويج لهذه الرسالة، عينه الحكمدار محمد رءوف قاضياً لمديرتي غرب السُّودان (كردفان ودارفور)، ولكن قبل أن يصل مقر عمله بالأبيض قتله أنصار المهدي ضمن مجموعة عسكرية مناصرة للحكومة التركية عام 1882م.

لمزيد من التفصيل انظر، محمد إبراهيم أبوسليم، الخصومة في المهدية: كتاب في تاريخ فكرة المهدية إسلامياً وسودانياً،
الخرطوم: مركز أبوسليم للدراسات، 2004م، 272-273.

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!