الفصل السادس.. خطوة باتجاه السيادة أم قفزة نحو الاستعمار؟

49

عبدالباسط سبدرات

حاولت خلال الثلاثة أسابيع الماضية أن أعكف على دراسة النظام الأساسي للأمم المتحدة “ميثاق الأمم المتحدة” وعدد من الوثائق ومحاضر اجتماعات وتقارير خاصة بمجلس الامن لأتمكن من التعرف بصورة واضحة وشفافة على خبايا وأسرار الفصل السادس، وهل هي خطوة باتجاه نيل السيادة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة أم هي قفزة نحو الاستعمار والاستعباد والوصاية الدولية، وحقيقة هنا وقبل أن أزلف إلى تفاصيل هذا البحث المتواضع لا بد لي من أن أشير إلى أن هذا البحث ما هو إلا جهد بشري قابل للنقد والنقض والتقصي والمناقشة، ولكنه في ظني قد يسهم في رفع التغبيش الضار الذي يتم الترويج له هنا وهناك عن هذا الفصل بغير علم أو تحقق

أولا: ما هو ميثاق الأمم المتحدة ؟
ميثاق الأمم المتحدة هو بمثابة النظام الأساسي للأمم المتحدة والذي تم اعتماده بعد الحرب العالمية الثانية والذي يحتوي على 19 فصلا بالاضافة للديباجة التعريفية .

ثانيا: ما هو الفصل السادس ؟
الفصل السادس هو بند حل المنازعات سلميا بين الدول أو بين مكونات الدولة الواحدة، يحتوي على ست مواد من المادة 33 إلى المادة 38 تتعلق بالحالات التي تتيح للأمم المتحدة النظر في النزاع كمرحلة اولى ثم ارسال بعثات كمرحلة ثانية .
ثم إجراء تسويات كمرحلة ثالثة واذا فشلت كل هذه المراحل نصل إلى المرحلة الرابعة وهي تقديم توصيات لحل النزاع قبل أن نصل إلى المرحلة الخامسة والتي تدرج النزاع إلى محكمة العدل الدولية، كما يوجد مادتين خارج هذا الفصل وهي المادة 11 والتي تتيح للجمعية العمومية للأمم المتحدة باحالة ملفات تحت الفصل السادس وهنالك المادة 99 والتي تعطي الحق للأمين العام للأمم المتحدة أن يحيل الملفات للنظر تحت الفصل السادس حال كان هنالك تهديد للسلم والأمن .
وهنا ينبغي أن أشير إلى ورقة مهمة جدا أعدها الأمين العام للأمم المتحدة في العام 1992 تحت عنوان ” ورقة للسلام، الدوبلماسية الوقائية وصنع السلام وحفظ السلام” وقام بتقديمها لمجلس الامن وتحدث فيها بوضوح عن أن تدخلات مجلس الامن في الدول اخذت طابعا عسكريا في غالبها وان تلك الدول باتت تنظر لبعثات الأمم المتحدة على أنها مُهدِدة للسيادة الوطنية لذلك يتوجب على مجلس الامن تفعيل الفصل السادس عوضا غن الفصل السابع، لانه يدعم ايجاد حلول سلمية للنزاعات بالاضافة إلى طبيعة البعثات التي يتم ارسالها “ذات الطابع المدني من الخبراء” إلى تلك الدول بغرض تثبيت السلام ومساعدة تلك الدول في حل النزاعات وبناء وحفظ السلام داخل اراضيها. وقد نالت تلك الورقة موافقة واجماع مجلس الامن في حينها وأثرت كثيرا في مستقبل البعثات التي قام مجلس الامن بارسالها لحل النزاعات .

ثالثا: ما هو الفصل السابع ؟
الفصل السابع هو الذي يختص بوقوع اعمال تهدد السلم والامن أو وقوع عدوان بين الدول أو داخل الدولة الواحدة ويحتوي على 13 فصلا .. ابتداء من الفصل ال39 وحتى الفصل ال 51 .
الفصل السابع يتيح لمجلس الامن اتخاذ ما يلي :
عقوبات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية .
تشكيل قوة مسلحة بحرية وبرية وجوية .
الاحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية حال ادى النزاع إلى حدوث جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية أو انتهاكات صارخة لحقوق الانسان .

رابعا: ما علاقة السودان بالأمم المتحدة ولماذا ومتى تم تطبيق الفصل السابع ؟
السودان اصبح عضوا بالأمم المتحدة بتاريخ 12-11-1956.
في العام 2003 تفجر النزاع المسلح في دارفور، وطوال العام 2003 و2004 كانت منظمات حقوق الانسان ترسل تقارير خطيرة تشير إلى اطلاعهم بحدوث تجاوزات غير مسبوقة من الحكومة السودانية تشمل جرائم ضد الانسانية واستخدام اسلحة محرمة دوليا وقدروا أن عدد القتلى والنازحين تجاوز 100 الف انسان، وعلى الفور قامت الحكومة السودانية بنفي تلك التقارير، وهنا قام الأمين العام للأمم المتحدة وفق المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة باحالة ملف السودان إلى مجلس الامن، وفي العام 2004 اصدر مجلس الامن القرار بالرقم 1547 الذي قرر تحت الفصل السادس انشاء بعثة دعم وتثبيت للسلام في دارفور وطلب من حكومة السودان التعاون مع البعثة بما يلزم، ثم تلى ذلك بأشهر قليلة القرار رقم 1556 والذي أكد رصد فريق الأمم المتحدة لما يعرف بكتائب الجنجويد والتي تقوم بارتكاب انتهاكات صارخة تحت رعاية الحكومة السودانية وطالب القرار أن يتم حظر الاسلحة من دولة السودان وطالب أن يتم التعامل مع قضية دارفور تحت الفصل السابع، على خلفية هذا القرار قام الأمين العام للأمم المتحدة بانشاء بعثة تقصي حقائق باشرت عملها في دارفور حتى مطلع العام 2005 وتكونت تلك البعثة من ” انطونيو كاسييس من ايطاليا، محمد فايق من مصر، هينا جيلاني من باكستان، دوميسا نيسبيزا من جنوب افريقيا، تيريز اسكوت من غانا”
في الاول من فبراير عام 2005 قدمت هذه اللجنة المستقلة تقريرها النهائي والذي خلص إلى حقيقة ارتكاب حكومة السودان والمليشيات التابعة لها انتهاكات جسيمة وخطيرة ضد حقوق الانسان وقدروا أن عدد من قتلوا في دارفور قد بلغ عشرات الالاف وان عدد من هجروا بلغ مليون ونصف المليون انسان بسبب النزاع المسلح في الاقليم، وقاموا باتهام عدة اشخاص صراحة بالوقوف خلف هذه الانتهاكات وابرزهم ” كوشيب والذي تم وصفه بانه مؤسس قوات الجنجويد، احمد هارون، عبد الرحيم محمد حسين، عمر البشير”، وتم اعطاء حكومة السودان ثلاثة ايام للاطلاع على التقرير لتقديم الدفوعات المناسبة ولكن حكومة السودان وصفت التقرير بالكاذب ورفضت التعاون مع مجلس الامن لذلك وبتوصية من الأمين العام للأمم المتحدة تم رسميا وضع السودان تحت الفصل السابع اثر القرار الاكثر كارثية في تاريخ السودان وهو القرار 1591 .

و هنا يجب إيضاح نقطة مهمة، حيث راجت بصورة واضحة اكذوبتين .. الاولى أن السودان عندما كان تحت الفصل السابع كانت ولاية الأمم المتحدة على دارفور فقط ولكن الآن بعد المطالبة بالفصل السادس ستكون ولايتها على السودان بأكمله.
لك عزيزي القارئ أن تعلم بأن السودان ككل وبموحب القرار 1591 تعرض لثلاثة عقوبات وهي:
حظر التسليح “التضييق العسكري”
حظر المسؤولين من السفر “التضييق الدوبلماسي”
حظر وتجميد كافة اصول السودان ووقف كافة اشكال التعاون المالي والتجاري مع دولة السودان “التضييق الاقتصادي” .
فكيف يمكن القول بان الفصل السابع يعني فقط دارفور ولا يعني السودان، وان كان المقصود هو الرقعة الجغرافية التي تواجدت بها بعثة الأمم المتحدة تحت الفصل السابع .. فينبغي أن نعلم أن الأمم المتحدة أرسلت ثاني اكبر بعثة في تاريخها منذ انشائها بقوام يبلغ 25 الف جندي إلى دولة السودان وقد تواجدوا في منطقتين وهما دارفور ومنطقة أبيي، أما البعثة الدولية المزمع قدومها تحت الفصل السادس فهي بعثة خبراء قد لا يتجاوز عددهم 2500 إلى 5000 شخص حسب التصور الأولي لحكومة السودان وهو ما يعتبر تقليص كبير جدا في اعداد البعثة بالإضافة إلى أن هذه البعثة ليست ذات طبيعة عسكرية لتنتشر في كل السودان كما يروج البعض، ومن حيث الاساس ينبغي لنا أن نستذكر أن اكثر ما اضعف السودان عسكريا واقتصاديا ودوبلماسيا يرجع مرده إلى وضعه تحت الفصل السابع .
اما الاكذوبة الثانية هي أن البعثة الدولية للسودان تحت الفصل السابع كانت ستنتهي مهامها خلال هذا العام لكن حمدوك اراد أن يمدد لها تحت غطاء الفصل السادس ،
و لك أن تعلم عزيزي القارئ أن هذه البعثة المكونة من 25 الف من القوات الدولية تم انشائها بالقرار 1769 عام 2007 وحددت فترتها 13 شهر ومنذ ذلك الحين تم التجديد لها اكثر من عشر مرات تحت القرارات 1828 والقرار 1881 والقرار 1935 والقرار 2003 والقرار 2063 والقرار 2173 والقرار 2228 والقرار 2296، وكلما كاد زمن هذه البعثة ينتهي فإن مجلس الامن يقوم بتمديد امد بقاء هذه القوات وبالتأكيد فأن هذه القوات لم تكن لترحل مع نهاية فترتها الحالية لان السبب من ارسالها ما زال كما هو حتى أن تحسن الوضع في دارفور قليلا لذلك كان لا بد من اجراء مناورة الفصل السادس لانهاء تكليف هذه القوات أو تقليص حجمها ودورها تمهيدا للوصول لاتفاق سلام دائم في منطقة دارفور .
خامسا: ما معنى طلب السودان لوضعه تحت الفصل السادس وهل له علاقة بالوصاية الدولية على السودان ؟
حقيقة قرأت الكثير من الاحاديث غير الدقيقة فيما يتعلق بطلب دولة السودان وضعه تحت الفصل السادس وبعد الاطلاع على مئات الوثائق بخصوص هذا الفصل يجب توضيح ما يلي:
الفصل السادس ليس له اي بعثات ذات طبيعة عسكرية وتنحصر بعثاته في ثلاثة انواع:
بعثات حل النزاعات سلميا وفقا للمادة 33 مثل ما حدث مع كمبوديا 1990
بعثات تقصي الحقائق وفقا للمادة 34 مثل ما حدث مع يوغوسلافيا عام 1992
بعثات التسوية السياسية والمعنية بابرام اتفاقات السلام بموجب المادة 36 مثل ما حدث مع انغولا عام 1991

لك أن تعلم عزيزي القارئ بأن الدول التي تعاملت تحت الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة وارسلت لها بعثات ،قد بلغ عددها عشرات الدول اذكر امثلة عليها:

بعثة استعادة الثقة في كرواتيا 1993
بعثة الانتشار الوقائي في مقدونيا 1993
بعثة الدعم والمساندة في رواندا 1993
بعثة نزع السلاح ووقف الحرب في سيراليون 1996
فريق الأمم المتحدة للانتقال السلمي والذي ساعد ناميبيا في بناء مؤسسات الدولة بعد الاستقلال عن جنوب افريقيا 1989
بعثة دعم المصالحة الوطنية في بوروندي 2004
بعثة دعم ترتيبات السلام في ليبيريا 2003 والتي شارك بها عدد من الخبراء السودانيين كان من بينهم رئيس الوزراء الحالي عبد الله حمدوك .
و المتفحص لتجارب هذه الدول بعد ارسال هذه البعثات يلحظ الآتي:
لم تتحول اي بعثة من هذه البعثات من الفصل السادس إلى الفصل السابع .
نجحت هذه البعثات في اجراء تسويات سلمية ومصالحات وطنية واسهمت بصورة واضحة في تعزيز استقلالية تلك الدول .
تمكنت اغلب هذه الدول من بناء قوي وقويم لمؤسسات الدولة وتحقيق نمو اقتصادي كبير .
اغلب تلك البعثات لم تتجاوز فترتها 3 سنوات .

ما سبق من استعراض لبعثات الأمم المتحدة تحت الفصل السادس لتلك الدولة يجعلنا ندخل مباشرة إلى اكذوبة أخرى راجت بصورة كبيرة وتتحدث عن أن دخول البعثة الاممية المرتقبة إلى السودان يعني وضع السودان تحت الوصاية الدولية .
و لك عزيزي القارى أن تعلم أن مصطلح الوصاية الدولية هو مصطلح قانوني له مدلولاته في ميثاق الأمم المتحدة وقد خصص له فصل كامل وهو الفصل الثاني عشر، ولك أن تعلم ايضا أن نظام الوصاية الدولية هو نظام وضع في العام 1945 لكي تتحكم الدول الرابحة في الحرب العالمية الثانية بالدول الخاسرة في الحرب .. وحدد ماهية الدول التي يمارس عليها نظام الوصاية الدولية حسب الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة وهي الدول أو الاقاليم الواقعة تحت الانتداب أو تلك التي تعتبر من مناطق الاعداء في الحرب العالمية الثانية .
و مع تطور النظام العالمي ونيل معظم الدول لاستقلاليتها وضعت الأمم المتحدة حدا للوصاية الدولية بادراجها المادة 78 في الفصل الثاني عشر والذي ينص على انه لا يمكن ادراج اي دولة أو اقليم تحت الوصاية الدولية بعد أن يصبح عضوا بالأمم المتحدة .و كما نعلم فإن السودان دولة عضو بالأمم المتحدة منذ العام 1956، بل أن آخر منطقة في العالم كانت تحت الوصاية الدولية كانت احدى الاقاليم والتي كانت تدار بواسطة الولايات المتحدة ثم تحررت منها في العام 1991 اي قبل نحو ثلاثين عاما، لذلك فإن عبارة أن الفصل السادس يمهد الطريق نحو الوصاية الدولية هي كذبة بالغة في الغباء والسذاجة وليس لها اي وجه صحة بل على النقيض تماما ادرج في الفصل السادس ما يؤكد أن التعامل مع الدول تحت هذا الفصل ينبغي أن يراعي سيادة تلك الدول .

سادسا: ما هي طبيعة وادوار البعثة الاممية تحت الفصل السادس والمتوقع قدومها للسودان وما هي فائدتها على السودان ؟

هذه البعثة وحسب طلب الحكومة السودانية هي بعثة دعم ومساندة سياسية غير مقاتلة وغير عسكرية تهدف لدعم مساعي الحكومة السودانية في التوصل لاتفاق سلام وما يترتب على ذلك الاتفاق من استحقاقات، كما لها دور مساند في بناء مؤسسات الدولة ما بعد مرحلة السلام وصولا إلى وضع دستور دائم للسودان واجراء انتخابات مع نهاية الفترة الانتقالية .
و انوه هنا أن هذه البعثة ليس من ضمن ادوارها ابدا وضع الدستور السوداني ولكن ما يختص بمهامها هو مراقبة الاستفتاء الخاص بالدستور والمشاركة في التوقيع الختامي على اتفاقية التوصل لدستور دائم بالسودان .
كما ليس من مهامها التدخل في القرارات السيادية للسودان .

اما الفوائد التي سيجنيها السودان من هذه البعثة :
وقف حظر الاسلحة
وقف تجميد اصول السودان
وقف الحصار التجاري والاقتصادي على السودان
تحقيق التوازن في علاقات السودان الخارجية بوقف التدخل الصارخ من محوري الازمة الخليجية في السودان .
الانتهاء من متوالية الحكم المدني الضعيف المتبوع بانقلابات عسكرية .

ختاما فانني اود أن اقول بأنه لا شك أن الحس الوطني لدى كل انسان سوداني ينبغي الا يكون سعيدا بأي تدخل لاي جهة في الشأن الداخلي السوداني وبالطبع فأن الوضع الامثل هو أن نحل مشاكلنا بأنفسنا ولكننا كذلك يجب علينا أن نكون متصالحين مع انفسنا لنعترف باننا وطوال الفترة الماضية منذ استقلال السودان وحتى الآن لم نستطع أن نصل لتجربة منضبطة وراشدة تمكن السودان من تحقيق السلام والاستفادة من موارده الطبيعية وامكانياته الضخمة، وليس ببعيد عنا ما حدث في 2019 من تجربة الاتفاق السياسي على الوثيقة الدستورية والذي حاول السودانيون في البدء أن ينجزوه لوحدهم فأنتهى الامر بمجزرة كارثية ولم ينجحوا في انجازه الا بعد تدخل الوساطة الخارجية ممثلة في اثيوبيا والاتحاد الإفريقي لذا فإنه يسعني القول بكل ثقة أن هذه الخطوة من حكومة السودان هي خطوة مسؤولة وجريئة وتاريخية وموفقة جدا تسعى ليس فقط لبناء مؤسسات الدولة وضمان انتقال سلمي للسلطة.. بل إنها تسعى كذلك لتصحيح مسار عدائي امتد طوال الفترة الماضية بين دولة السودان وبين مؤسسات المجتمع الدولي، فهذه الخطوة بكل تأكيد هي خطوة مهمة في الطريق نحو السيادة الوطنية وليست بأي حال من الاحوال قفزة باتجاه الاستعمار .

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!