بؤر الفتن القبلية البذور قبل الجذور .. الدامر نموذجاً

7


عصام الحكيم:
في خضم متلاطم من التعقيدات السياسية والأمنية الشائكة المرتبطة بسياق  زمني مرتبطة بملابسات بالغة التعقيد تضاربت على نحو متواتر ومتفرق موجات من الفتن  والنزاعات والاشتباكات القبلية التي اشتعلت واندلعت في العديد من ولايات السودان.
وغير بعيد عن هذه السيناريوهات المتداخلة في بؤر النزاعات والتوترات الأمنية غربي وشرقي  السودان انفلقت بشكل مفاجئ بذرة لفتنة قبلية في مدينة الدامر بين  قبيلتي القرعان والنوبة  في مربعي 37 و 38  ..
والمربعان السكنيان مسرح الواقعة المشار إليهما عاليه يقعان على خاصرة المدينة اليمني أي في الجبهة الشرقية وتسكنهما مجموعات مقدرة  من منسوبي القبيلتين.
وكما تواثقت الروايات على أن مستصغر شرارة الفتنة التي استعرت بين القبيلتين هي محاككة عادية بين الصغار تلقفها الكبار وتاججت إلى دائرة اشتباك واحتقان أكبر وصلت إلى حد إعلان حالة الاصطفاف والاحتراب القبلي بالأسلحة البيضاء بين الطرفين وتطورت من بعد ذاك إلى مواجهة  واشتباكات هنا وهناك قبل أن تحسم سريعا.
ما يحمد لله عز وجل ومن ثم اللجنة الأمنية بالولاية ولجنة الصلح والمساعي الحميدة أن الفتنة أخمدت في مهدها قبل أن تستعر نيرانها وينفرط معها عقد الاستباب الأمني والطمأنينة العامة بمجزرة دموية كادت أن تحدث لولا لطف الله ومشيئة الرحمن ولعنة الشيطان  ..
حيث تجاوزت المدينة بحكمة العقلاء في الدامر والقبيلتين معا  محك فتنة قبلية كان العاصم من اشتعال نيران شرارتها هو سرعة ردة فعل حكومة الولاية في احتوائها أمنياً بفرض هيبة الدولة وسلطان القانون لاسيما أنها تزامنت مع فرض حالة الطوارئ واتخاذ، مايلزمها من التدابير الاحترازية الصحية وثيقة الصلة بالتصدي لجائحة كورونا وهو ما كان مصدر إشادة السلطات المركزية والسيادية العليا بالدولة …
ويبدو أن ميزة الهدوء والأمان والسلم الاجتماعي الذي صبغ طبيعة الحياة بمدينة الدامر منذ خمسة قرون سيظل هو العاصم الحقيقي من  وقوع مثل هذه الفتن، وبالتالي هو ما مهد عمليا وبكل سلاسة لطي ملف المشكلة والتوصل لتسوية عاجلة وشاملة حسب منطوق وثيقة الصلح الممهورة بتوقيع أطراف النزاع وأهل المبادرة بمباركة ورعاية حكومة الولاية.
ولكن مع طي ملف الفتنة فإنه لابد من إمعان النظر كرتين في منبت بذورها حتى لايرتد البصر للناظر إليها  في كرات أخريات خاسئا وحسيرا .
ولذلك بعيدا عن ميزان العاطفة وبمعيار العقل والمنطق والإنسانية فقط كان لابد أن تخاطب مثل هذه الظواهر في منبت جذورها لعلاجها باعتبارها أنه يمكن توصيفها كمقدمة لازمات من غير المستبعد أن تبقى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة ..
فهان مثل هذه الفتنة ومثيلاتها وماقد يتلوها – من باب مظان تقدير البلاء قبل وقوعه _ مردها لخطأ سياسي تنفيذي موروث و مركب مرتبط بالرؤية والمعالجة السطحية العقيمة في امتصاص إفرازات السكن الاضطراري والعشوائي للمجموعات القبلية الوافدة لمدن الشمال لاسباب ديمغرافية وأخرى مدفوعة بنوازل الحرب والتوترات الأمنية والكوارث البيئية وعدم الاستقرار ..
حيث تبلورت معالجة مشكلة تشوهات السكن العشوائي لدى مؤسسات الحكومة و سلطات الأراضي في تخطيط مربعات سكنية تستوعب المتاثرين من قرارات الإزالة دون أن تتم المعالجة وفق معايير وضوابط الخطط السكنية العامة ..
بل لجأت لمنحهم مخططات لمربعات سكنية على أساس، قبلي إن لم نقل عرفيا.. ولذلك نشأت  هذه الأحياء والمربعات وهي تحمل وصمة اجتماعية سلبية.. وبإسقاط ذلك على الواقع الماثل نستطيع استقراء الأبعاد الحقيقية لتمركز  مجموعات مثل قبائل القرعان والنوبة في مربعات 37 و  38  والدرجة..
في حين كان الأوفق معالجة القضية بمنظور كلي وليس جزئيا باستيعابهم ضمن الخطط الإسكانية العامة أو فتح المربعات للتقديم للجميع دون تخطيطها وتخصيصها على نحو ما حدث..
بل إن سلطات الأراضي بهذا المسلك الخاطئ بعلمها او بجهلها سوقت مع سبق الإصرار للقرار السياسي أن يعبث بهذه الثغرة ويستغلها كاحدي كروت الموازنات الراجحة لإغراء الناخبين من تلك المجموعات واستمالتهم في صفقات سرية ومعلنة ومستبطنة تضمن حصد أصواتهم في الصناديق  مقابل التخطيط لهم في مواقع سكنهم الاضطراري أو العشوائي بالصدق أحيانا وبالزور والكذب والتدليس والخداع في أحايين أخرى وما حي صابرين بالدامر إلا دليل وصورة شاخصة وناطقة تدين وتجرم العقلية التي صنعت القنطرة السياسية التي تحول بموجبها  السكن الاضطراري إلى سكن ابتزازي وحلبة للمناورات والمزايدات الانتخابية.
كان يمكن لمربعات شرق المدينة وحي صابرين في جنوبها أن تختزل في بيوتها ومساجدها ومدارسها صورة زاهية لسودان مصغر تتماذج فيه الثقافات وتتلاقح فيه العادات والتقاليد والخصال الحميدة  في حاضنة اجتماعية تعلي من القيم والسجايا الموسومة بالسماحة التي تميزت بها الشخصية السودانية عن غيرها.
المواطنة وليس غيرها ينبغي هي هي ماتحكم بالمساواة والعدل لحفظ حقوق الجميع بغض النظر عن تبايناتهم القبلية والإثنية ومعتقداتهم الدينية والسياسية..
وإن جرت عملية التخطيط والإسكان وفق هذا المعيار دون تمييز سلبي أو إيجابي فإننا سنعيش في أحياء ومدن تماثل في شكلها وتنوعها فصيلة الجيش السوداني بتراتيبها العسكرية وهي تجسد سحنات السودان ..
ما علينا إلا أن نأخذ الأنموذج المشرق الجميل البديع في تاريخ حياتنا السودانية من أحياء السكة الحديد المتناثرة في أقاليم السودان المختلفة القشلاقات العسكرية للجيش والبوليس المنتشرة في ولاياته المترامية ..
نقبوا وابحثوا فيها عن طبيعة الحياة وكيف أنها ذوبت في منظومة بوتقتها الاجتماعية المنصهرة وجدانيا كل تباينات الألوان والقبائل والأعراق والأطياف السياسية بروح الوطنية الحقة وتحت سقف القومية النبيلة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!