بابور جاز

113

قرأنا وسمعنا ونعلم علم اليقين أن (الدنيا دوارة) والأيام دول، وغير ذلك من الأدلة ما يؤكد المعنى مثل (ظروف بتعدي ماتهتمو للأيام طبيعة الدنيا زي الموج تجيب وتودي).
ولكن لم أكن أدري أن الدنيا ستدور بهذه السرعة لتعيدنا إلى عصر (بابور الجاز) في زمن لم يسمع شبابه حتى بأغنية (بابور جاز خلو اليشتغل الشغل بالجاز).
عدنا والحمد لله لعهد البابور في التوقيت الخاطئ، حيث لا جاز للبابور ولا الفانوس.

وبابور الجاز هنا ليس (البابور اللستر) المستخدم في الري والزراعة، وإنما هو كائن اخترعه أجدادنا القدماء لإشعال النار وطهي الطعام، وهو باختصار آلة تقوم مقام البوتاجاز وما كنت أظن أن في بيتنا قطعاً أثرية بخلاف (طقم العشاء) و(البراد) الذي لم تستخدمه أمي إلا لحفظ (قروش الصندوق) وأكاد أجزم أن في أي (فضية) في بيتنا وبيوتكم بعض قطع العدة التي تكبرنا عمراً ولا تزال بكراً لم يطمسها إنس، ولست على يقين إن كان قد مسها جان، وأشك في أن الجان هو الذي يحرسها منا. أعلم أن (الفضية) خلفتها (الحافلة) في رعاية العدة ولا أدري ما هو آخر انتاج لحفظ العدة، وسمعت أن شيئاً يقال له (الركنية) قد حل في أركان المنزل تعرض فيه السيدات ما يردن إظهاره من أوانٍ.
البابور التي سأرفق صورتها هنا لتجنبني عناء الشرح، عادت للأضواء مرة أخرى في الدامر وتحديداً في بيتنا في الشاعديناب، وبيوت المحظوظين الذين يهتمون بالتراث.

آخر مرة رأيت فيها البابور كانت في بدايات عهد الإنقاذ قبل أن ينقذ خالي فتح بشيري، أمي من استخدامها ويهديها بوتاجاز من دولة قطر، وأذكر أننا انتظرنا طويلاً حتى تتوفر الأنابيب، وكنا ننظر لهذا الاكتشاف المذهل بشيء من الدهشة ونمني أنفسنا باليوم الذي نراه فيه مشتعلاً، وقد كان، ولكن لم نكن نتصور يوما أن ناره ستموت مرة أخرى لانعدام الغاز وفي عهد حكومة اكتوى وزراءها معنا بنار البابور أو هكذا يجب أن يكونوا.
انعدم الغاز في الدامر لدرجة أن سعر الأسطوانة وصل الألفين نعم ألفا جنيه وحتى بهذا السعر لم يعد متوفرا، وبلغ الغضب بأهلنا مبلغاً وأكثر ما أغضبهم غياب العدالة في توزيع الموجود، وينطبق ذلك على الدقيق والوقود ومن يهن يسهل الهوان عليه، وها هم يتظاهرون ليلاً غير آبهين بقرارات حظر التجوال الليلي والتحذيرات من التجمعات والازدحام، وكل ذلك لانعدام الغاز والوقود والدقيق وعدم المساواة في الظلم.
عاد بابور الجاز إلى الواجهة في وقت عز فيه الحصول على (قزازة) جاز قبل أن يتحول المصطلح إلى (كرستالة)، حينما كنا نستخدم البابور لم يكن يكلف الجاز سوى مشوار إلى (الدكان) ولست متأكداً إذا ما كنت من المبتعثين إلى دكان الجاز أو أنني لم أبلغ السن القانونية لمرسال الجاز وقتها، لكنه كان يباع على حسب سمعي بدكان عمنا السيد قسم الله، ودكان عمنا الشاذلي محمد علي، عليه رحمة الله، دكان بلة لاحقاً.
والبابور ذاته كان اكتشافاً شبه ذري حيث كان بديلاً للحطب والفحم، وللحطب (الواقود) قصص وحكايات أخرى وأنواع كذلك أسهلها (حطب الحنة)، وهي الحناء ثم الطرفة ثم أنواع الحطب الأخرى، وهي الأقسى من حيث الحصول عليها مثل حطب (السلم او السيال والطلح).
وأرجو ألا نعود إلى أيام الحطب فلم يعد هناك مايكفي من الأشجار.
يبدو أننا نتراجع بصورة مخيفة بالرغم من زعمنا أننا نتطور ونتقدم.
سرحت في الماضي كثيراً خوفاً من مستقبلنا المظلم مع الغاز الذي إن لم تُحل أزمته فإنها لا شك ستؤدي لانفجار الأوضاع مرة أخرى، فأهلنا في الخرطوم وكثير من الولايات ليس لديهم بابور جاز.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!