بكري خليل: انفصال الجنوب عامل إضافي لتصحيح أفهامنا وسياساتنا ومعالجاتنا لقضية التنوع

0 1

حوار – ميسون عبدالحميد:

* سؤال الهوية هو سؤال وجود أم مرحلة؟
هو سؤال إشكالي بمعنى أن هذه المسأله تطرح على صعيد نظري خلافي، وبالتالي فإن هذه الإشكالية لها منظورات مختلفة ينظر إليها من زوايا مختلفة، وبالتالي ليست لها أجوبة نهائية لأن هناك جانباً وجودياً واقعياً للهوية على أساس أنها تمثل مقومات جوهرية لا يمكن الأخذ بها والاستدلال عليها من زاوية منطقية أو رياضية مجردة، ومن ثم فإن التعامل مع هذه الإشكالية على أنها قضية تعريفية سوف يطرحها بصورة لا تؤدي إلى الإحاطة بطبيعة جوانبها المتعددة واللانهائية، وبالتالي فإن هذا المدخل التعريفي لا يساعد في كثير من الأحيان على الاهتداء لاستيعاب الطابع الوجودي للهوية بما لها من خصائص ديناميكية متغيرة واستعداد للتطور في دلالاتها.
أما الجانب الآخر الذي يمكن النظر إليه فهو البعد الأديولوجي والتاريخي الذي يجعل من الهوية قابلة للتكيف والاستجابة لمشكلات الوجود الإنساني والجماعات والإثنيات استجابةً إيجابيةً بشكل يبرز مقوماتها ويدفعها للوضوح، بينما تتراجع تلك المعالم أحيانا أو تتوازن لتعود إلى طبيعتها وحجمها الحقيقي. ومن هذه الزوايا يمكن أن نتساءل عن المنفتح والمنغلق في قضية الهوية على أساس تقاطع موضوع الذات والآخر والمتماهي والمختلف والتعددي. لذا فإن هذه المسألة عرضة دوما للحالة التاريخية والسوسيولوجية المتحركة. ولذا فإن هناك نوعاً من تبادل التأثير والتأثر المستمر بين الهوية والهويات الأخرى.
كما يمكن معالجة مسألة الهوية كمسألة منبعثة من واقع يتقلب في بيئة ذات إيقاع سريع وغير متروكة لذاتها ولها مكونات عديدة في المجتمعات التي تتصف بالتنوع الثقافي والتي تمر في نفس الوقت بمتغيرات وتحولات تاريخية ومراحل انتقالية تؤدي إلى هزات وأوضاع تفتقد إلى الاستقرار والثبات النسبي.

وتترك هذه العناصر آثارها الكبيرة في إطار التصورات المزدوجة لموضوع الهوية بين جدلية الأنا والأنت ومحاولات تبرير الذات ومنطقه. ففي عالم الشعوب الحديثة الاستقلال حيث تمثل مشكلة وعي الذات والتقدم المحورين اللذين يقرران مستوى العلاقة بالعصر، فإنه من الضروري التمييز بين قضية الوعي الذاتي في ظل الاستعمار الأجنبي وبين ذلك الوعي المتصل بتجربة التطور الوطني المستقل، ففي الحالة الأولى يدور وعي الذات على محور الانفكاك من الآخر، بينما في الحالة الثانية يدور وعي الذات على محور كيفية الالتحام والتعايش الوطني، ومجابهة تحديات القدرة في الاعتماد على الذات. ومن هنا برزت إشكالية الهوية بمدى أكثر وضوحا في مجال المكونات الوطنية وفاعليتها في التجربة الذاتية بكل ما تطرحها مشكلة بناء الدولة الوطنية وصلتها بالبنية الداخلية وعلاقتها المتبادلة بالمجتمع ووسائل تقدمه.
وعلى هذا الأساس يطل علينا واقع فشل تلك التجربة أو مراوحتها بخصائص مختلفة عن حالة الانطلاق والنهضة، فكأن حيويتها في الحالة الثانية قادرة على إيجاد شروط لا تتوفر في الحالة الأولى التي تضع تلك التكوينات ليس أمام نفسها فقط وإنما أمام الآخر ضمن المحيط الوطني كجزء من القضايا الداخلية التي تزداد صعوبة في ظل الإخفاقات. ومن هذه الرؤية فإن إشكالية الهوية تحمل شحنات ثقافية وسياسية واجتماعية ودينية وجهوية الخ… وتتضاعف مشكلات التطور بدخول عوامل الاختلاف مع عوامل التوحد الأمر الذي لابد من إبعاده عن التصور السكوني لما يسمى بمشكلة الهوية والنظر إليها بعيداً عن أبعادها الحقيقية وغير المموهة التي قد تتقصمها روح التهويل سواءً باتجاه تضخيم الفوارق بين الهويات أو إنكار هذه الفوارق والتمايزات إن كان على المستوى الثقافي أو الاقتصادي، وكلها أمور تتصل بما يسمى في العادة بمشكلة الوحدة الوطنية أو مشكلة التطور الوطني.
وعلى هذا الأساس تصبح جدلية الوحدة الوطنية سؤال عن كيفية فهم الوحدة والتنوع بشفافية ودون افتعال أو انفعال.
* يرتبط سؤال الهوية بلا شك بسؤال الاستقلال، كيف يتم ذلك في ظل الثقافات المندمجة؟
ربما تقصدين بسؤالك موقع الهوية من المسار الحضاري الحالي وتطور المسألة الثقافية للقرية العالمية، فمن الطبيعي ونحن في صدد الإجابة أن نسأل: هل تميل ثقافة اليوم إلى التماثل والواحدية أم إلى التعدد والتشعب؟ أي هل هي تفضي إلى انبثاق تمركز ثقافي يوجه مستقبل الثقافة إلى بعد واحد أم أن العكس هو الصحيح؟
وبتقديري، إن الثقافة المعولمة تتميز بظاهرتين، الظاهرة الأولى التنميط الكلي وكأننا على طريق النمذجة الشاملة، ويقابل هذه الظاهرة نمو تكاثري لتعبيرات مضادة تتمثل في الحركات الإحيائية وانبعاث ما يسمى بالهويات الصغرى. و على هذا الأساس فإن هناك اتجاهاً حضارياً عاماً يتوازى مع خصوصية الثقافات واستقلالها وليس اندماجها، فثمة بصمات تعددية التعبير عن مختلف المجتمعات وعن ثقافاتها وتقاليدها في عالم اليوم فإن تصورنا للقرية العالمية لابد من أن يرتبط بإدراكنا لها بأنها تشمل أزقة وممرات فتقتسمها أحياؤها ومرابيعها.
* كيف تقرأ مفهوم التعدد والتنوع في الثقافات المختلفة في البيئة السودانية؟
من حيث هو فإن التنوع أمر قائم وهو ليس بالجديد ، لذلك فإنما ما يتصل به هذا الواقع وإمكاناته هو المهم حتى لا نقف في مجال التوصيف دون أن نبرحه، أي الاتجاه إلى ما يطلق عليه الناس عادة إدارة التنوع، أي كيف نديم ذلك الواقع بحيث يتجدد ويتنامى في ظل علاقات وآليات تتكافأ مع تطلعات السودان الوطنية والإنسانية.
فعناصر التنوع على كثرتها تطرح علينا قضية المفاعلة، وكذلك تعميق ما يوحد بيئته. فالوطن لا يمكن تصوره محلاً جغرافياً مكانياً أو قطعاً فسيفسائية لا رابط ولا لون موحد لها، وإنما هو قوام انتمائي بكامل محتوياته وروافده وآفاقه تاريخيا واجتماعيا وثقافيا ونفسيا وروحيا، وتلك هي الحوامل الوطنية التي تشد بعضها إلى بعض، وإلا يتحول الوطن إما إلى خارطة مسطحة على الورق وإما نتصوره غرفاً متجاورة في فندق يغدو عليه الناس ويروحون ومن هنا تأتي أهمية البحث، وتأكيد ما يعزز البناء الوطني ويعمق مفاهيم وحدته.
فلابد من وضع معالم وحقائق الوحدة الوطنية الجامعة منذ البدء على القواسم التي تصنع وحدة الشعب حتى نتصور الواقع الوطني تصوراً صحيحاً. فإن التمسنا أهم مقومات الوحدة نجدها تتمثل في عنصر الثقافة وأواصر المقومات الروحية والتواصلية والأعراف والتقاليد المتصلة بالثقافة العربية الإسلامية بثقلها المعروف بما يجعلها قلب المشترك الثقافي إلى جانب ثقافات التنوع التي تعبر عن الجماعة الوطنية بشكل عام والتي تضرب أواصرها وجذورها عميقاً في أرضية التاريخ، وتنفتح على ممكنات التنامي الموحد. فواقع التنوع هو الإفصاح البليغ عن الشخصية الوطنية الممتنع عن دعاوى المزاحمة أو التنازع السلبي بين الحراك الثقافي والتاريخي وبين المقومات الرئيسة للشخصية الوطنية بملامحها المشتركة والمتنوعة في الواقع الوطني.
* ألا ترى أن الثقافة العربية والثقافات غير العربية في السودان متباينة جذرياً؟
من البديهي أن تكون لكل من الثقافة العربية الإسلامية وللثقافات المحلية الأخرى مزاياها ودلالاتها الخاصة وإلا لما جاز الحديث عنها باعتبار كل منها ذات وجود متميز. ولكن ينبغي أن نعالج قضية التمايز في إطار لا يخل بترابط المقومات والمزايا الحاضرة والشاخصة بحيث تكون فاصلا لا واصلا بين تلك الأبعاد الثقافية. فإن ما هو خاص وعام في كلا الاتجاهين يعمل تلقائيا وتتمثل جوانب التاثير والتأثر على مدى زمني طويل إن كان ذلك على المستوى المجتمعي أو الروحي أو اللغوي أو على مستوى التقاليد والتعايش بحيث أن المعالم الحضارية العربية الإسلامية قد تبيأت وتقولبت في البوتقة السودانية سواء بالانتشار المتبادل أو بالاحتكاك أو التقليد أو بالمعايشة ضمن تجربة الدولة الوطنية الحديثة. لكن يبقى التنويه إلى ما لدى الثقافة العربية والإسلامية من خصائص مهمة تعطيها قدرة تأثيرية وعمقاً مهما يتمثل في كونها وعاءً كتابياً على مدى تاريخي وعالمي بتراث كثيف وآداب حية إلى جانب أفقها الروحي وخصائصها التي تنطوي على ثقافة عالمة ذات مقومات فكرية وقدرات لغوية في التعبير المجرد وإنتاج المفاهيم في دائرة حضارية واسعة.
هذه السمة سمة إيجابية ضخمة إذا وضعت في إطارها الثقافي، فهي مصدر إثراء وتعزيز للشخصية الوطنية وإذا وضعت في موقع يتنافى مع دورها المعرفي الديمقراطي والحضاري فإنها تعطي نتائج سالبة على قضية التطور الثقافي الفكري الوطني. هكذا تصبح المسألة الثقافية محاطة دائماً بمخاطر الاستئثار والوصاية أحياناً والتعويق أحياناً أخرى لممكنات التلاقح العضوي بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات المحلية والجماعات والاثنيات التي ظلت تتفاعل معها من موقع الانفتاح الإيجابي.
* هل يعيد انفصال الجنوب سؤال الهوية على نفس الأسس؟
لايمكننا اعتبار انفصال جنوب السودان إسدالا لستار قضايا مرحلية تاريخية كاملة أو إلغاء معطيات الواقع الوطني على الطبيعة. فكما نوهت فإن إشكالية الهوية ليس مصدرها التنوع وإنما قضية بناء الدولة الوطنية الحديثة وكيفية معالجة جدلية تكوينات ما قبلها مع تطور هذه الدولة التاريخي، إذ أن الصورة والإطار الوطني في المستعمرات ليست متطابقة، الأمر الذي جعل هذه الدول في ظل إخفاق المشاريع الوطنية التنموية والثقافية والسيادية تعيد إنتاج البنى التحتية لنفسها، بل وتتآكل على نحو تراجعي بما يؤدي إلى تشوهات الوعي الوطني وارتداده عن دوره التحديثي. لكل ذلك انطلقت هذه المكونات من قمقمها وهي أشد إحباطاً وإلحاحاً لانتزاع حقوقها وتأكيد كرامتها وكبريائها الإنساني. فالآن ثمة مواجهة ليست بين الهويات المتقابلة وإنما بينها وبين سياسات وخيارات الدولة الوطنية. لذا فإن التأخر التاريخي كثيراً ما يتمظهر في تشكلات كاذبة على مدارات رفض الإثنيات واحتجاجها وكأن هناك انفجاراً ليس لتأكيد ذاتيتها أمام سياسة الدولة فحسب، بل أحياناً أمام بعض تكوينات المجتمع نفسه مما يخلق التباسات تعبيرية تتناطح فيها هذه الهويات وتتجالد بسياط العرقيه والعنصرية والتمحور حول الذات على نحو انغلاقي، الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من العمل على فحص وتحليل وتفكيك خطاب صراعات الهوية الشائع الآن على سطح مشاغل النخب ومنابرها.
إن هذه الاندفاعات تنطوي على مطالب حقيقية ومصالح اجتماعية ينبغي أن لا تحجبها تلك المظاهر، إذ لابد من تصحيح جوانب أساسية من خطابها كي لا يغيب الجوهر ويبرز المظهر، وهذه مهمة، لابد وأن تكون حاثاً وباعثاً لقضايا التقدم والمساواة على أساس المواطنة والشعور بالانتماء الفعلي للجماعة الوطنية في مختلف مواقعها ضمن وحدة البلد والتهيؤ لخدمته.
ومن هذه الاعتبارات، فإن انفصال الجنوب هو عامل إضافي لتصحيح أفهامنا، وكذلك سياساتنا ومعالجاتنا لقضية التنوع التي سوف تبقى ملازمة للوضع الوطني طالما ظل هذا الموضوع رهين المواقف غير العلمية والتوجهات التسلطية التي لا تحسن قراءة واقعنا ومشكلاته العضوية الحالية والمستقبلية.

اترك رد

error: Content is protected !!