بين أبوعشرة والنقيب حامد ومحمد صديق

1


تقرير- فتحية عبدالله:
أعادت الذكرى الأولى لاعتصام القيادة العامة، الذي أسقط الرئيس المخلوع عمر البشير، وأزاح الإسلاميين بعد مدة حكم استمر لثلاثين عاماً، مواقف الشرفاء من أبناء القوات المسلحة الذين دعموا الثورة والثوار في حصة الوطن الكبير التي انتهت فيما بعد إما باستقالات فردية، وإما بإحالات إلى الصالح العام.
فانحياز القوات المسلحة بكلياتها إلى مطالب الثورة والثوار بعد أشهر من اندلاع الاحتجاجات بالمدن والولايات، ما فتح الباب لتنفيذ اعتصام من أمام مباني قيادتها العامة بالخرطوم لأشهر معدودة، فتمكن الثوار بموجبه من إزاحة الرئيس عمر البشير أولاً، ومن ثم الفريق أول ركن عوض بن عوف الذي خلف المخلوع البشير ، وليس هذا فحسب، بل ضغطوا بموجب ذلك الاعتصام على المجلس العسكري الانتقالي حتى تم تسليم السلطة الانتقالية المدنية.

لكن على الصعيد الشخصي، فإن ثمة ضباطاً بصفوف القوات المسلحة سجلوا أرقاماً قياسية في المواقف البطولية، وكان لهم القدح المعلى في مسيرة الثورة، فمنهم من نال احترامه نتيجة لتصديه لهجوم من القوات النظامية الأخرى كان مقصده فض الاعتصام في يومه الأول، ونال ما نال من رصاص على كتفه، ومنهم من احتضن الثوار وعمل مع “ثوار الليل” الذين سهروا على إيقاع الملاحم الوطنية وأشعار حميد ومحجوب شريف، وذلك ليس لشيء سوى لحماية الثوار النيام بداخل ميدان الاعتصام، وما بين هذا وذاك فإن ثمة ضباط آخرين كشفوا عن مواقفهم الثورية فور اندلاع الثورة، وتصدوا لمواجهات الإنقاذ آنذاك قبيل اعتصام القيادة العامة دونما التفكير في عواقب الخطوة التي اتخذونها.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد رصدت كاميرات الثوار إبان اندلاع الثورة في أيامها الأولى توسط ضابط صفوف الثوار بولاية القضارف شرقي البلاد في مشهد وطني لم يجرؤ أحد على فعله، في وقت كانت تحمل فيه الثورة احتمالات الخسارة قبل الربح، لجهة أن المعالم لم تتضح بعد، وفي مدينة عطبرة خرجت المدفعية عطبرة بمعداتها العسكرية لحماية الثوار من القوات النظامية الأخرى وغير النظامية التي أوكلت لها مهام التصدي للتظاهرات والمتظاهرين، وفي الخرطوم تصدى أحد الضباط الشرفاء بمنطقة الشجرة جنوبي الخرطوم لحكومة الإنقاذ وقياداتها دون التفكير في مآلات ما سيحدث له فيما بعد
ولأن تجمع المهنيين السودانيين اختار أن تكون وجهته في السادس من أبريل مباني القيادة العامة كأنبوبة اختبار للقوات المسلحة، فقد تصدى النقيب حامد عثمان حامد لأول هجوم على الثوار وسجل موقفاً بطولياً بمعزل عن قيادته العليا التي أمرت بوقف رد الهجوم للقوات التي استهدفت اعتصام الثوار في يومه الأول، حيث استشهد الطفل محمد عيسى كوكو وأصيب النقيب حامد برصاصة في كتفه بعد تراجع كتيبته العسرية المكونة من الضباط وضباط الصف والجنود عن رد الهجوم بموجب الأوامر العليا.
ولم يكن النقيب يوسف الجيلي ببعيد عن المواقف البطولية لشرفاء القوات المسلحة، إذ أنه انضم لموقف النقيب حامد الذي رفض الانصياع للأوامر العسكرية في ظل الهجوم المسلح الذي نفذ في مواجهة الثوار في صبيحة أول يوم اعتصام من أمام مباني القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، وعلى الرغم من أنهما خسرا وظيفتيهما بصفوف القوات المسلحة إلا أنهما كسبا حباً كبيراً من الشارع السوداني وخلد التاريخ لموقفيهما البطوليين.
وبعد سقوط نظام الإنقاذ شهدت ساحة الاعتصام مطالبات بتنصيب الفريق أول ركن ﻣﺼﻄﻔﻰ ﻋﺒﻴﺪ الشهير بـ (أبوعشرة) ليكون رئيساً للمجلس الانتقالي العسكري بديلاً للفريق أول ركن عوض ابن عوف، وذلك لشراسته في التصدي للفساد والمفسدين وإخرج الثوار الذين احتلوا الجانب الشمالي للقيادة العامة نقود فئة “عشرة جنيهات” تعبيراً لرمزية أبو عشرة الذي أحال الفريق أول ركن عبدالرحيم محمد حسين للمحاسبة بسبب مستشفى ومجموعة صيدليات علياء.
وليس من الغرابة أن يحظى ضباط الجيش وضباط صفه وجنوده باحترام فائق في كل مكان في السودان، فمواقف الجيش والمواطن سيان، لا الأخير يستطيع نيل الأمن دون الأول، ولا الجيش يستطيع فرض هيبته دون تأييد الشعب، ولأن معادلة إكمال المهام تستوجب الحس الوطني، فقد رصدت كاميرا الثوار ضابطا بالقوات المسلحة لم يتخلف يوماً عن الإفطار مع الثوار إبان شهر رمضان المعظم، وبالمقابل ثمة ثوار كانوا يتقاسمون جرعات المياه مع ضباط الصف وجنود القوات المسلحة.
وللملازم أول محمد صديق حكاية عكسها التجاوب الكبير للشارع السوداني الذي رفض قرار إحالته برفقة آخرين إلى الصالح العام تعسفياً بعد اعتماد إدارته تقارير أثناء وقبل الثورة. فالشاب الذي اشتهر بلقب “الرهيفة التنقد” وسط الثوار سجل له التاريخ موقفاً بطولياً لم يكن بأقل من مواقف النقيب حامد ورفاقه الذين خالفوا الأوامر العسكرية عندما تعلق الأمر بالثوار وحصة الوطن الكبير .

التعليقات مغلقة.