تأملات في رمضان (١٦)

2

أحمد يوسف حمد

“بالله يا أحمد لما ترجع من مصر جيب لي معاك شريط الست اللي بتقول فيه:
كفاية بأه تعذيب وشقى
ودموع في فراق
ودموع في لقى
تعتب عليا ليه
انا ب إيديا ايه”
قالها لي الزعيم الطيب عبدالله بدندنة ورِقة، فأتممتها له:
فات الميعاد.. فات الميعاد..
كان يمتلك رهافة حس وأذناً مستمعة بدرجة امتياز، تمتلئ مكتبته الصوتية والمرئية بأرقي وأرق وأعذب الأغاني الخالدة، من بينها حلقات أبوالعزائم مع عبد العزيز محمد داود وحسن عطية، فكان يحبهم ودائم الاستماع لهم، يحتفظ بالأشرطة” الريل”” والكارتريدج” و”الكاسيت” التي سجلها في جلسات فنية بمنزله مع عبدالكريم الكابلي، عثمان الشفيع، وأبراهيم عوض، وآخرين، تجمعه صداقة شخصية مع معظم الوسط الفني من فنانين كبار أو شباب، موسيقيين، محترفين أو هواة، يبادلهم حباً وعشقاً ويبادلونه محبة وإحترام، تعددت الرحلات الأسرية وجلسات الطرب في مزرعته ببتري، التي كانت تجمع أهل الكفر والوتر، يستمتعون بالغناء والطرب الأصيل، يتغنى عبد الكريم الكابلي، أحمد الجابري، عوض الكريم عبدالله، أبوعركي، عمر إحساس، سيف الجامعة، خالد الصحافة، فهم كثر لايمكنني حصرهم، لا يمر شهر إلا ويطلب مننا أن ندعي من نشاء لقضاء يوم جمعة يحتفي فيها بمن حضر، بِكرمٍ فيه مالذ وطاب من أنواع اللحوم والطير والمشاوي والمطبوخ أو مفروك، كل ما يخطر علي البال من أطعمة حتي “الويكاب” كان حضور ، وما أطعمه، يقف على ضيافة الحضور بنفسه، يناولك قطعة اللحمة في إيدك أو يؤشر اليك بأن تجرب هذه أو تلك، يظل متجولاً بين الموائد ليتأكد أن كل شيء مكتملاً، وأن كل الموجودين اكتفوا، من كثرة مروره على الحضور علق لي مرة البروف كمال شداد قائلاً ” أنا نفسي يوم أشوف الطيب دة قاعد في تربيزة بياكل مع الناس”.
الجود والكرم أصبحا نعتاً ملازماً له كلما ذُكر الطيب ذكرتا، لو كان “حاتم” موجوداً بيننا لتنازل له عن اللقب.
أصبح هاظرن
نقنق ناقرن
غاظوا نعّل
عم عبدالرحيم
مابِخبر زعل
كل الناس هناك
ماتخِبر زعل
كان معجباً جداً بهذا المقطع، وكان يردده مع مصطفى في مسجل عربته الذي لايخلو من شريط الملحمة “عم عبدالرحيم”، تلك الملحمة جعلته يرتبط وجدانياً بمصطفى وحميد، أحبّ فيهم الأصالة والارتباط بالأرض وشعبها البسيط، مع وصول شريط الحزن النبيل لمصطفى عقدنا جلسة استماع للشريط بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم فكان الطيب عبد الله حضوراً بمعية د. محمد إبراهيم التف حوله الصحفيون مستغربين اهتمامه بهذا الجانب.
لو تمعنت شخصية الطيب لو جدت “عم عبدالرحيم” أمامك.
الطيب كان يبدأ يومه باكراً يتحرك من “بتري” بعد صلاة الفجر بعربته المرسيدس الزرقاء..
فتاح ياعليم
رزاق ياكريم
صلى على عجل
همهم همهما
يبدأ جولته الصباحية بعد الاطلاع على الصحف اليومية ثم يسعى في قضاء حوائج الناس، كل من كان له مشكله يلجأ له، يسعد حين يتوفق في تسهيل أمر أو شأن لشخص ما، غالبا أينما ذهب كان لا يُرد له طلب إحتراماً لهيبته ومكانته. له منهج خاص به في التعامل مع البشر، سحر الجاذبية مع المقدرة العالية في قراءة الناس وتحليل تركيبتهم الشخصية.
مرّ عليّ ذات صباح وأخبرني بوفاة عبداللطيف زروق عليه الرحمة فذهبنا سويا إلى دار العزاء ببحري، صادف أن في ذات اليوم شنّ صحفي ملء صفحتين كاملتين كلها هجوماً عنيفاً علي الطيب عبد الله، لما وصلنا دار العزاء هبّ كل الحضور لعزائه في الفقيد ماعدا الصحفي كاتب المقال، الذي كان موجوداً لحظتها والتفت جانباً حتى لا يراه الطيب ولكنه لمحه ومشى وجلس بقربه، وكان قد قرأ الصحف الصبح كعادته، حياه بابتسام وسأله عن أحواله وأموره وباغته بسؤال أذهله “طولنا ما قرينا ليك حاجة وينك مختفي من الكتابة” طبعاً تلعثم وهمهم همهمة لم نفهم منها شيئاً، مدرسة فريدة في إيصال الرسائل التربوية. تحول بعدها من أكبر مناصريه.
الطيب مليان حنية ومحنة، قد تكون ظروف تربيته خلقت فيه هذا التدفق من الحنان، تربى وسط أمه السارة وخالاته عائشة وحرم، والحديث عنهن لا ينتهي، تتجسد الأصالة والعراقة والعزة فيهن، رضع منهن تلك الفصائل وردّ لهن مقدار هذا الجميل بعشرة أمثاله، كرس حياته للاهتمام بهن، وأخواته الدر ونعيمة وآمال، لم يفارقهن طول عمرهن، وبنفس هذا الحنان الدافق شمل أخاه علي عبدالله، كان يعامل بناتي وأولادي بكل الحنية والمودة ، كنا نذهب في الصيف للاسكندرية ونستمتع بالشاطئ الجميل بينما هو كان يهتم بشراء الايسكريم والشيبس والبسكويت والألعاب ليستمتع بمشاهدة أبنائي وهم فرحين ويتقاسمون ما حملته أياديه البيضاء، تلك الحنية شملت تعامله مع اللاعبين في الهلال، رغم صرامته وتصلبه في المواقف الإدارية والتربوية في النادي كان عطوفاً حنوناً بهم ، يسعي إلى توظيفهم في البنوك والمصالح وفتح أبواب رزق لهم، يسعى معهم لتحسين ظروفهم الأسرية، عمّر منازل ورمم بيوت واشترى أراضي لكثير منهم، يلجأون إليه كلما انسدت المنافذ ويجدون عنده الهواء العليل. بينما كان قاسي العقوبة حينما يتعلق الأمر بخطأ أو سلوك غير مقبول في حق النادي.
تتجسد في شخصه الأمانة ونكران الذات وحسن الإدارة، لي معه رواية، كان الهلال داخلاً على موسم تسجيلات فكان يتبرع بعض رجال الأعمال الأهلة للتسجيلات، تبرع الأخ خالد قنجاري بمبلغ خمسين مليون بشيك، سلم الشيك لأحد أعضاء لجنة التسجيلات وطلب منه بصرفه والاحتفاظ به بالخزينة وكان بينه وبين هذا الشخص بعض المعاملات المالية الخاصة بينهم، في يوم ما طلب منه الطيب تسديد مبلغ خاص به حسب وعده له، فابتدأ يتلعثم ويعتذر بأن ظروفه لا تسمح بالسداد ولكن أشار إليه بأن هناك مبلغ التسجيلات الخمسين مليون ومرّ شهر ولم يستخدم ولا يعلم عنه أحد، فيمكنه إعطاؤه مبلغ منه. لم يرد عليه وذهب منه غاضباً. أتذكر يومها دخلت المنزل ووجدته جالسا تحت الشجرة الظليلة في الحوش وملامح وجهه كالحة ويبدو الغضب ظاهراً في عينيه، طلب مني الجلوس بجواره وكأنه كان ينتظر أن يفضفض، حكي لي الرواية بغضب وختمها بجملة “اتهد جبل الزجاج بطلقة”، استعجب كيف لهذا الشخص أن يجرؤ ويحدثه بتلك الصلافة، وسألني “هل يعتقد إنني من الممكن أن أتعدى على مال بعد عمري هذا، وكمان مال الهلال وأنا الذي نذرت حياتي للهلال،” أصرّ أن يعاد المبلغ إلى قنجاري في نفس اليوم طالما لم يستخدم في التسجيلات.
أو ليس هو القائل:
“ما قمنا به وزملائي من عمل في تجرد تام وأمانة فائقة وصبر وبذل وجهد متصل ومثمر من أجل رفعة الهلال العتيد. لا ابتغاء مرضاة أحد ولا سعياً وراء جاه ولا سلطان ولا نريد عليه جزاءً ولا شكورا.”
قمة المسؤولية والتضحية والرضا..
كان الطيب عبدالله يتميز بنكران الذات، حينما سئل عن شعوره لما يسمع الجماهير تهتف (هلالك هلّ يا ود عبدالله)، قال:
“إنني والله أبغض أن يذكر إسمي منفرداً بأنه ارتبط بأي عمل جيد للهلال، ولكن الفخر يملأ جوانحي عندما يذكر إسمي كواحد ممن وهبهم الله عزّ وجل الحظ السعيد بأن يكون ضمن ثلة من أبناء الهلال أو أحفاده الذي استطاعوا في يوم من أيام أن يؤدوا ما مكنتهم قدراتهم من تأدية واجب تجاه هذا الكيان الهيكل العظيم الزائد عظمة.”
يا للتواضع والسمو..
حينما يتاح لك أن تحتك وتعيش فترة من عمرك جوار الشريف حسين والطيب عبد الله _ رحمهم الله في عليين_ يرتفع لديك سقف القيم والتمسك بالمبادئ والنزاهة والأمانة، الفهم والإدراك، والإنسانية وبقدر ما معاشرتهم هي ميزة عليا لكنها قد تكون مشكلة، فإذا ظللت تقارن سلوك وتصرف الآخرين من أهل السياسة أو الرياضة بهذين الرجلين ستجد من الصعب التعامل مع الآخرين.

وتلك رواية رمضانية أخرى

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!