تأملات في رمضان (٢٦)

14

البيت المفتوح….

“عليك الله يا ود يوسف تعال شيل صينية الشاي دي وديها للضيوف في الديوان”.. صينية الشاي باللبن وصحن اللقيمات الحار، المرشوش بالسكر الناعم ، الكبابي “الشوب” وهي كبابي زجاجية كبيرة الحجم..( الشرح دة للجيل الجديد) .. لقيت الضيوف صاحين يادابهم.. فيهم الشايل إبريق وماشي علي الحمام وآخر بتسوك بالمسواك وقاعد في الوضاية.. حييتهم وختيت الصينية وقلت ليهم اتفضلوا.. واحد سألني “إنت ولد منو؟ ” أجبته “ولد يوسف”.. التاني شرح ليه بأنه دة ابوه حاج يوسف، ولد عمك حمد ابوزيد الكبير، شغال في السعودية ليه سنين هناك.. رجعت لي حبوبة “بنت طه” وسألتها “ديل منو ديل؟” قالت لي “دة كمال وأعمامه، أهلك من الشرّفّة” لم أسمع بهم ولم أراهم في حياتي.. واصلت حديثها “كمال دة قاعد هنا في الخرطوم شغال في محلات الصالون الأخضر.، دكان الاقمشة الكبير في شارع الجمهورية، وساكن مع عزابة جنب محل شغله في الخرطوم “..
تعودنا علي أن يزورنا أهلنا من المحس لكن من الجزيرة دي كانت جديدة.. الديوان ومعاه برندة كبيرة بها ستة سراير وحمامين وميدان نجيل، أصلاً معمولين للضيوف.. باب الشارع بتاع الديوان فيه سلك، للفتح من الخارج، لو لأي ظرف اتسحب السلك من الداخل ترفع إيدك وتنزل السقاط بتاع الضلفة وتفتح الباب.. تعود الضيوف علي الدخول للبيت بإنشراح ، والصفقة بأيديهم بعد الدخول إيذاناً بوصولهم مع جملة “السلام عليكم أهل البيت” .. تتم ضيافتهم وخدمتهم حتي إنتهاء مهمتهم والعودة الي ديارهم..
الشباب في الحي يدخلون العصرية مع الأعمام يلبسون ملابس الرياضة يتشاركون الأحذية الرياضية وتوابعها ويخرجون للتمرين، يعودون بعدها لجردل العصير الكارب وبعده الشاي بالخبيز.
عمتي زينب حمد زوجة الشريف حسن بيتهم مع سراي قبة الشريف الهندي، من الصعب تمييز التكية من بيتهم، في الأعياد ينتقل المصليين نساءاً ورجالاً من باحة المسجد ليتناولوا الافطار بمنزلهم.. يبدأ العيد من منزلهم حيث البشر والترحاب والبسمة الجميلة.

جدي أحمد الزبير الحلواني العتيق كان يسكن بالخرطوم، السوق العربي، قبل إنتقاله الي بري الدرايسة، جمعته علاقة بالعمدة عبدالسلام “سوبا شرق” الذي تزوج اتنين من أبنائه خالاتي.. نشأنا في البيت الكبير المقسوم علي تلاتة أجزاء، نصف البيت عبارة عن ديوان كبير وبرندة ،الديوان لا يخلو من الضيوف، بينهم الزائر علي عجالة وبينهم المقيم لفترة قصيرة.. ونصف البيت التاني مقسوم علي قسمين، رجالي ونسائي، في القسم الرجالي تربينا وبيننا عدد من أبناء سوبا شرق ، نمشي المدارس معا، نلعب الكورة، ندخل سينما، يقيمون معنا حتي تخرجهم، كانت لا توجد مدارس متوسطة أو ثانوية بسوبا، فالتحقوا بمدارس الخرطوم وأقاموا بيننا،لنا ذكريات ونوادر، إخوة أعزاء.

عاد الوالد من السعودية وأستقر بالمنزل بالمنشية، لم يخلو المنزل من زائر او مقيم، الوالدة دار السلام تجمع أخواتها وأخوانها واولادهم وبناتهم، يسهرون حتي الصبح، الوالد وعشقه للفن يجتمع عنده الفنانين، لا يمر شهر علينا إلا وهنالك حفل، لدرجة صنعنا كراسي وترابيز ثابتة للحفلات، وجهاز مايكروفون ذو السماعات الدائرية أشبه بسماعات المساجد، كشافات للاضاءة ، وطبعا جهاز التسجيل للتوثيق ، تعودنا علي تنظيم الحفلات لدرجة أنه لو قررنا ممكن نقيم الحفل في نفس اليوم .. الكل يعرف إلتزاماته، تتوزع المهام بين الأخوات الهميمات في القيام بواجبات الضيافة، ينجزن بكل الهمة والإنشراح، الوالد يعشق التسوق واصحاب المحلات في سوق الخضار يعرفونه يتسابقون اليه عندما يدخل السوق، لا يشتري بالكيلو بل بالشوال او الكرتونة او الصفيحة، يملأ عربته ويطوف علي الأهل، كل بيت له نصيب، ثم يأتي لنا بما تبقي، كانت تشتكي الوالدة بأنه لا مكان بالتلاجات للخضار..
في هذه البيوت تربيت ونشأت حتي إمتحان الشهادة الثانوية ثم سافرت للدراسة بإنجلترا.. كطالب تنقلت في المساكن.. سكنت في غرفة بداخلية بها سرير ودولاب، إشتريت مرتبة سفنج، أذا فرشتها لا مجال للحركة لأن المساحة الفاضية بالغرفة يا دوب قدر المرتبة، كان النزاع دائماً مع ضيوفي إصرارهم علي النوم بالمرتبة، كنت اتحايل عليهم بأنني أشكو من الغضروف.. إنتقلت الي سكن به غرفتين وصالون وصالة بشمال لندن بعد أن جاءت بنت عمتي “شموم” لترافق زوجها أخي صديق الهندي فسكنا معاً ، تنقلنا بعدها الي أكثر من ثلاثة شقق، كنا كل مرة نرحل بسبب شكوي الجيران من الضيوف، كانت “شموم” الجود والكرم والشهامة تمشي علي رجلين، تصر علي إستضافة الزائرين، تخرجهم من الفنادق او الشقق المؤجرة ليقيموا معها، أشهي وأطعم الوجبات تقدم من صنع يدها، تبدأ من شاي الصباح والبسكويتات والخبائز المتنوعة.. والقهوة التي يدمنها صديق الهندي، الذي نقل لي تلك العدوي فلم تفارقني حتي اليوم، ثم الفطور والغداء والعشاء وما بينهم من شاي بي لبن، بسبوسة، بطيخ وفواكه، أحياناً تتعدد موائد وجبات الغداء لتقترن مع العشاء لوصول مجموعات متعددة من الضيوف..ولاتنسي تحميلهم بالهدايا قبل السفر.
رحلت بعدها لسكن بمفردي ثم إلتحق بي “صلاح المبارك” إبن خالتي و زميل العمر وسكنا معاً، كذلك تنقلنا من شقة الي أخري لنفس السبب، شكوي الجيران من الضيوف، العاشرة مساء هي مواعيد النوم للانجليز، وبداية الهدوء والسكينة، أما نحن تحلو لنا الونسة والضحك وتشغيل الاستريو والتلفزيون والنقاش في السياسة والكورة بعد العاشرة!! ، كم من المرات طرق بابنا الشرطة لإبلاغنا بشكوي الجيران.. تعلمت الطهي وغسيل العدة بلندن، بعد أن كنت الإبن المدلل في السودان، عندما تأتي الأسرة الكبيرة الوالد والوالدة والاخوات نرحل الي مكان أوسع ثم يتحول السكن الي ملتقي، يتجمع الاهل من كل المدن، بيرمنجهام، شيفيلد،كاردف… الخ،وتبدأ البرامج من كوتشينة الي سكرابل، تتحول الي جلسات فنية عندما يزورنا بعض الفنانين مثل كابلي، محمد الامين، نجم الدين الفاضل، هاشم ميرغني..

تزوجت تيسير التي تسكن مع خالها الطيب عبد الله بالمنشية، منزلهم مسور بالزرع والاشجار ولا باب له، الزائر يدخل بلا حاجز، البيت أسموه “دار الهلال”، من الطرائف في فترة إشتهرت أغنية لي الفنان المصري “حكيم” بيردد فيها جملة “سلام عليكم”، سارة أخت تيسير من كثرة الزوار والدخول مع صفقة اليد و” السلام عليكم” ، إقترحت تسمية المنزل بي “دار حكيم”.. تقام الولائم والدعوات كل جمعة تقريبا، يتجمع الأهلة واصدقائهم بعد صلاة الجمعة ويستمر البرنامج حتى اواخر الليل، يتوالي إعداد صواني الشاي والقهوة طول الوقت، يقف علي خدمتهم وضيافتهم كل أهل البيت بي بشر وبسمة وضاءة..
إنتقلت للإقامة في القاهرة من لندن، كانت الاستاذة الدر عبدالله تعمل مساعد المستشار الثقافي بالقاهرة، فكانت الشقة كأنها بيت الطالبات، لا يخلو منهن ومن الزائرين والعابرين، عادت أستاذة الدر الي السودان وكانت تقضي كل إجازاتها معنا، ربت لنا الاولاد هي وخالاتها عائشة وحرم ، تعلقوا بها وصارت جزء من حياتهم..
بدأت مسيرة الإنتاج الفني وشركة حصاد وتوالي حضور الفنانين والفرقة الموسيقية الي القاهرة ،كنا في حملة التسجيلات الواحدة يكون معنا حوالي عشرة فنانين غير الموسيقيين موزعين علي عدة شقق، كانت تيسير تعد لهم وجبات الغداء بالبيت، وتعد وتجهز غداء وترسله للاستوديو لمن لم يحضر ، تذهب إلى التسوق للخضار والسوبر ماركت تحمل الأكياس لتعود لإعداد الوجبات..تستمر حملة التسجيل لأكثر من شهر لتبدأ بعدها الحملة التالية، نقيم لهم دعوة عشاء بالبيت بعد الانتهاء من التسجل قبل سفرهم ، نغني ونسهر حتي الصباح.
أتذكر بعد الانتهاء من أحد حملة التسجيلات أقمنا لهم دعوة عشاء، تغني فيها الجابري، عثمان مصطفى ومجذوب أونسة ومحمود عبدالعزيز وعركي والموصلي، لحظة التحرك علي المائدة لتناول وجبة العشاء ، إذا “بسيف الجامعة” يتناول العود وابتدأ في غناء أغنية لخوجلي عثمان، أجاد تقمص شخصيته في الاداء بصورة مذهلة.. ووقتها كان خوجلي قد أغتيل قبل إسبوع تقريباً، فإذا بالموصلي يحتضن عركي ويبكيان بصوت عالي، وجلس عثمان مصطفي منتحباً، ضمني وبكي بحرقة مجذوب انسة، ثم تحولت الصالة الي دار عزاء الكل يبكي، الفقد جلل ووسيلة القتل بشعة ومليئة بالغدر والقبح..
(الله يجازيك يا سيف بوظت علينا العشاء)
البيت المفتوح.. سمة من سمات الشعب السوداني، تنتقل معه أينما وحيثما ذهب و حلّ ، مجتمع تكافلي يسند بعضه بعض، يكرمون الضيف كواجب وليس تفضل، يعِزُّون أهلهم ويتواددون تواصلاً وتكافلاً..
تتفتح أبواب الرزق مع وصول الضيوف، بقدر ما أنفقت ، يعود اليك بأضعاف، الضيوف يأتون بخيرهم، صفوا النية والأمر لله، تعلمنا وتربينا على تلك القيم، وعودناها أبنائنا وبناتنا..
اللهم انا ندعوك باسمك الكريم أن ترحم وتغفر وتعفو علي من رحلوا عننا منهم وتسكنهم فسيح جناتك يارب العالمين.

حتى نلتقي في تأملات رمضانية أخرى
أحمد يوسف حمد

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!