تمنى العودة إلى ودمدني من جديد

10


صديق الحلو

كان بدري عليك وأنت تتابع غابة أم بارونا في تلك الأزمنة المحفوفة بالتوق والعشق المستبطن الذي يغوص في الوجدان. ود مدني السني عطرها يضوع في الأرجاء جئتها….محطة السكة الحديد مودعون ومغادرون في نضارة العسل وبهاء الحليب.. القبة الشامخ هلالها وجزيرة الفيل. نادي الجزيرة حيث استوطن الجمال هناك وملك الطيور نشوان. طيف ودمدني السري والغامض يستهويك والمدن الغريبة كالنساء تماما لاتفك مغاليقها بسرعة. تختزن اللئالي والجواهر وأشياء أخرى. تندفع نحوها تقابلك أرضها الآمنة وسمائها المطيرة وأنت هناك تحس بسعادة لاتضاهي تمتلئ بالنشوة والارتواء. ود أزرق. دردق.

حنتوب.. مايو.. الشكابة.. ونادي الخريجين ياللبهاء حيث التاريخ هنا له صولات وجولات. ود مدني الحلم القديم المتقد المزهر بملايين الألوان. الله لي مدني وشباب مدني الآسر.. تفرح وأنت تزور نادي الجزيرة ونادي الاتحاد. مقهى ود العود بالسوق الكبير ومقهى الاستقلال ومكتبة مضوي.. كيف امتزجت ذاكرتك في مدني بالعشق وذاك الوله؟ كيف؟

مدني مشروع الجزيرة مطوقة بالمدن والاخضرار وضوء الشمس الجارح.. طابت.. الطلحة.. فداسي.. الكاملين.. حلة حسن.. أم سنط..مهلة.. الحوش.. وادي شعير.. الرميتاب.. وبركات. تلتقيك رشيقة وضاحكة تعانق الأزرق المهيب في وله وفي غمرة فتوتها الإفريقية لديها طقوس التداخل مع الناس كموج الشاطئ يهمس لقوقعة مصمته مغلفة ببكارتها. تتواطأ معها في السر وكلاكما عطش. تبدو معلقا في سقفها يمتلكك التوق والحنين وذاك النزق. وهي تعرف مواسم التدلل.. كطفلة مراهقة لاتعطيك قيادتها بسهولة. وعندما تعرفها يتمخض الود الراعف إلى شغف.. تزحف نحوها تتوتر أعصابك وتصاب بحمى الرغبة وآلام حامد.. تبحث عن رقية تقيك ضد تقلبات الألم وتاكلات النسيان.. تزور قبة الشيخ ود كنان تطلب المدد وتذهب للشيخ أبودواية في أم سويقو عل تصيبك نفحات اليقين. يسعفك الشيخ شاطوط. تتنزل عليك البركات.. تستريح عند الشيخ سعدابي تطير بجناحين وتواصل المسير. تشفي.. ترتقي…تتمدد كديناصور. تهبط على روحك المسكونة بالحب السكينة.. تسمع هاتفا من السماء: مالو أعياه النضال بدني. وروحي ليه مشتهية ودمدني. مدني بنسائها الجميلات وبشواطئها الدافئة احتضنها الود.رسوت هناك وهي محملة بالتاريخ والنضال والثورة. التقيت الشاعر حميدة أبوعشر وهو يبارح ودمدني: وداعا روضتي الغناء وداعا معبدي القدسي….طويت الماضي في قلبي وعشت على صدى الذكرى. وهذا الدمع قد ينبئ بظلم المقلة الحيرى…

أترى سوف يأتي يوم تغادر فيه ود مدني وماذا عساك قائل بعد حميدة الذي خلد وداعه في قصيدة تتناقلها الأجيال. وتحترق شوقا للذهاب لمنزل بهجة القبطية.. قبل أن تصله تسمع صوت محاسن الرشيد تغني: زمانك والهوى أعانك
.احكمي فينا هذا أوانك…بهواك كيف اطيق سلوانك.. ياالبهجة عدتي وعاد وهل هلالك. يبشر عبدالرحمن أبوحس.. وعبدالرحيم ويعرض قرشي وتزغرد نجوى والعافية.. أنهكك المشي.. المنازل البيضاء.. الساحات والشوارع.. الضنى والتعب.. استرحت تحت ظل شجرة الحراز الضخمة على شاطئ النيل الأزرق الوهاج. تمددت في هواء الحلم. حكايات ودمدني الأسطورية العامرة بالحنين القديم والشجن. تستعيد الألق الماضي. أهلها متدفقون بالحيوية والنشاط. المقاهي على الأرصفة والمقاعد. يجلس عليها شباب كالورد بضحكاتهم البريئة يشربون القهوة بالجنزبيل ويتناولون الآيس كريم بعد أن أنجزوا ثورتهم. تعلو الهمسات تنطلق الغيرة.. والغريب من سمته واضح
طائر يغرد قتله الحب. محمد عوض الكريم القرشي في ود مدني يقول شعرا:

في الشاطئ ياحبان ساهرتو بينا
.. عند النهر والنور ساهرتو بينا

.والساقية بينا تدور القمري يحكي الحور وبراي أنا الفنان.. الموج يداعبنا ساهرتو بينا.. والحب يقربنا ساهرتو بينا.. الشادي يفرحنا.. والعود معاه كمان.. ودمدني تنسي كل الإهانات القديمة والأسى وهي تنظر إلى الأمام بثقة. والسودان على أيام الحكم الإنجليزي المصري. والناس يتحملون الحكم مرغمين لاشيء يبقى على حاله والدنيا جميلة رغم الشقاء. نضالات أحمد خير المحامي..

أحمد إبراهيم أبوسن. إبراهيم القرشي. الحسين الزهراء.. محمد طه الشقدي.. عبدالرحمن نقد الله. حامد الجبلابي.. وبابكر بدري.. هؤلاء اهلي ااتني بمثلهم.. بالتصميم والإرادة الحرة تركوا بصماتهم إلى الأبد في سجل الخالدين العاملين للوطن. وتطور الوطن بإمكانيات بنية إيمانه بالمستقبل. تشرب الشاي في مقهى الاستقلال تستغرق في الزمن البعيد. ود مدني يكسوها شفق ذهبي عند الاصهيل منارة بأضواء طفولتها.. هبوب ناعم للريح.. ومن فضاءات ودمدني والجزيرة خرج غناء المطرب أبوعركي البخيت.. والموسيقار محمد الأمين.. الأسطورة الفنان مصطفى سيد أحمد.. ود سلفاب.. محمد مسكين.. إبراهيم الكاشف.. وعبدالعزيز المبارك اكتسحوا وجدانيات شعب السودان وساعدوا في تشكيلها أبهجوهم وقلبوا ليلهم إلى عشق وسرور.. في جلسات الروح والراح.. ونشوة هابطة كموجة من موجات الأزرق الوهاج في ضحى الأصياف القائظة.. الحدائق الخضراء المواجهه للنيل تتلألأ بنجوم الزهر الأبيض والأصفر والبنفسجي. أسراب القمري والعصافير مفتوحة من وراء الأفق هنا يحلو الغناء وقول الشعر الجزل. الناس هنا يسري فيهم حب الجمال. وكأطفال يتراشقون بالماء مستمتعين بغابة أم بارونا.

ومدني في ملامح وجهها المندي برطوبة المساء ترعاهم.. تهتاج الذكرى عل شكل موجة عابرة ما لبثت أن حلقت في فضاءات المساء الوردي المنعش. طارت أسراب الطيور. ودمدني مضيئة ونائية كنجمة المساء في ذلك الليل الهادئ.. أشجارها الباسقة قرب النهر العظيم.. أشجار اللبخ والنيم. ينبثق شهاب لامع في ظلمة الليل من القبة المعانقة السماء.. عندما كانت المدن السودانية يكتنفها التناثر والضجر كانت ودمدني والجزيرة تقف معها دون من أو سلوى. أيام ازدهارها المتوهج تنطلق طيور الحنين منهل تغمر بكرمها الناس وتنشر السلام العابر الذي يخترق العاصفة.

وفي الليل العابق بالشجن والنسيان والظلال..يحدثك إدريس أحمد النور ويعقوب جفون عن لاعب المريخ حموري.. وعن اللاعب سامي عزالدين.. وعن عوض حلاوة وشيخ العرب وشيخ الغامين. مجذوب عيدروس. أحمد الفضل.. مبارك الصادق وعن تلفزيون الجزيرة ورابطة الجزيرة للآداب والفنون.. تغفو تحس بأنفاس مدني الحارة. العطرة واللدنة. في الغداة بعد الضحى تنوي المغادرة. تركب الباص الضخم كسمك القرش ينحدر في شارع الإسفلت المتجه للخرطوم. المزارع والمراعي الخضراء على مد البصر. تلوح لودمدني مودعة. شاطئها الساحر وحدائقها التي هبط فيها القمر سرا في ليلة صيفية رائعة.. وانت مغمض العينين تحس طيفها المزجي.. طيورها وأزهارها.. فراشاتها وغزلانها. مدني مدينة الحب والحرية.. تتوهج خلاياها فتنطلق الطيور ترمح خيولها في الغابات والحقول.

مع دفقات الهواء البارد ينتعش الجسد.. طيور سئمت الظلام تفرد أجنحتها وتنطلق أسرابا في السماوات الرحبة.. تروح الكآبه يهاجمك الحنين من جديد في ذلك العالم المنسي من الكون.. أوقات الاضطرابات تموت الأحلام القديمة.. لايجدي البكاء ولا الهذيان بخفوت.. ولا انشقاقات الوهم المتوهج الذي يفقدك صوابك.. تعود وقد تركت روحك هناك.. فتبعثرت حناياك في كل اتجاه.. بروح فتيه تعدو تشتم روائح عشب الجسد الغض وتتداخل الأسئلة تلج الممكن والمستحيل. تسمع عزيف الريح واصطفاق النوافذ تدخل كل الثقوب.. في تلك الأيام البهيجة والخريف اتي كزخات الدعاش.. وصلت وأقبل العالم كصدفة.. ورحت تستعيد الصور والأحلام والرغبات.

السياسة تصيب الناس باللعنات.. والوفاء العائلي الذي تشتهي.. يبدد حلكة الأيام المنحطة.. لاتضيع الوقت بالأحاديث التافهة مع الناس المطاميس. وإلا سيأتي الجنون على شاشة هذا الليل. الموت أغنية حزينة يعزفها الزمن الخائب.. الحياة المجيدة تولد من موت لائق. الصفاء والإشراق.. والحلم بالمستقبل الوضاء وامواج التحولات. وقد تتساءل الآن ماذا تبقى من الجمال والتوق بعد هذا الغياب الطويل. يطوقك الحنان الضاغط تتوهج روحك وتتقد. وتتمنى أن تعود إلى ود مدني من جديد.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!