تجارب ما بعد الحداثة في المسرح .. أسئلة كبيرة وبعض اجابات

0 6

قراءة وعرض- خالد سعد عثمان:

يُثير كتاب صادر حديثا للناقدة والباحثة ميسون عبد الحميد عن ” تجارب ما بعد الحداثة في المسرح السوداني”، أسئلة فرعية عديدة كبيرة حول السؤال الرئيسي لعقل المفكر السوداني عن التعددية الثقافية في السياقات الوطنية والعالمية، وينقل النقاش إلى فضاء أكثر اتساعا من خشبة المسرح حول جدوى الأفكار المستحدثة إذا كانت لا تلقى القبول في المجتمعات الحريصة على بنيتها الروحية العقدية والفكرية والثقافية، عندما يؤكد الكتاب على ضعف علاقة مسرح “ما بعد الحداثة” بالجمهور باعتبارها مشكلة جوهرية للنشاط المسرحي في السودان.
الكتاب الذي يقع في 120 صفحة، ويدرس حالة المسرح السوداني في (1980-2018) من زاوية “الفرق المسرحية المستقلة”، هو أيضا البحث الفائز بالجائزة الثانية في الدورة الثانية (2018م) لجائزة الدكتور يوسف عيدابي للبحث المسرحي.
ويرصد الكتاب عدد كبير من الفرق المسرحية المستقلة في هذه الفترة، ما يسهم في توثيق مهم لتاريخ المسرح السوداني، وظروف نشأة الفرق والجماعات المسرحية، والمشكلات الفنية والهيكلية التي واجهت استمراريتها وكيفية معالجتها، كما يتناول الكتاب الموقف الرسمي الذي تمثله الحكومة بآلياتها المتعددة في هذه الفترة من هذه التكوينات المسرحية، ودور هذا الموقف في دعم أو افشال تجاربها، ولا يغفل الكتاب المسؤولية الذاتية لهذه التكوينات.
الكتاب يضم دراسة بمواصفات أكاديمية رغم ما أظهرته الكاتبة من محاولات عدم التقيد بالصرامة العلمية، في محاولتها تطبيق مفهوم ما بعد الحداثة في تفكيك المناهج الكلاسيكية في دراسة العلوم الانسانية، حيث أختارت المقابلة كأداة لجمع المعلومات وأستخدام ذات الأداة في التحليل والتوصيات، وهو أسلوب جديد في التفكير النقدي يطلق عليه أحيانا بـ”المحاجاة” أو “التفكير النقدي اللاصوري” كفرع جديد من علم المنطق يسعى إلى تمليك دارسه أدوات تعينه على التفكير نقديا في الحوارات العامة بما يساعد في تحليلها وتقييمها ومعالجتها.
يعتمد الكتاب كما يظهر من العنوان مفهوم “ما بعد الحداثة” فهو من حيث الشكل يسعى إلى تفكيك سلطة التقليد الأرسطي وفتح المسرح على أشكال تعبيرية متغيرة ولا نهائية.
ومن حيث المحتوى يركز على أهمية الاختلاف والتنوع ورفض الأحادية. لهذا، اختارت الدراسة مدخلاً ما بعد حداثي لمعالجة موضوع التعددية الثقافية في المسرح، لأنه يتيح تكوين نظرة شاملة للموضوع في بلد مثل السودان، تشكل بالنسبة له التعددية الثقافية سؤالاً محورياً.
وفي ذات الوقت يفتح الممارسة والخبرة المسرحية في السودان على آفاق الثقافة العالمية بالدراسة النقدية لمحاولات الخروج عن السائد عبر المسرحة والدراماتوجيا وحتى الكولاج المسرحي، والاستفادة من البيئة والموروث الثقافي المحلي لخلق أشكال مسرحية جديدة، مطوراً في الأشكال السابقة، ومستفيداً منها بغرض إعادة قراءة الواقع والتاريخ السوداني.
وتوصل الكتاب عبر الدراسة، إلى أن تجربة جماعة شوف المسرحية، التي تناولها الكتاب كمثال للجماعات المسرحية المستقلة في السودان، تندرج ضمن الاطار العام لتجارب مسرح ما بعد الحداثة، وذلك من حيث الطرق التي اتبعتها في إعداد الأعمال واخراجها، وتنوع لغات النصوص إلتى اشتغلت عليها، وعدم تقيدها بالنصوص الدرامية الأدبية، فتداخلت فيها الأجناس الفنية المختلفة.
ورأى الكتاب أن هذا النوع من الأعمال، الذي يتوجه إلى مساءلة الأطر المسرحية التقليدية، والذي لا يعتمد على مسرح القصة أو الحكاية، غالباً ما يواجه بصعوبة في تكوين جمهور واسع له حضور منتظم في مختلف عروض الجماعة، فإن قلة الجمهور ونخبويته لا تعني أن العروض لم تجد قبولا أو لم تحدث تأثيراً على الذائقة المسرحية، فالتعبير بأشكال متعددة يعني المغامرة في كل مرة بخسارة الجمهور الذي تم تكوينه في المرات الماضية من أجل استقطاب جمهور جديد.
ولما كان التعدد يرتبط بتشجيع الاختلاف، فإن جمهور الأعمال المسرحية القائمة على العمل الشعري ليس هو بالضرورة جمهور الأعمال القائمة على العمل الموسيقي، أو على الرقص، أو الحركة الجسدية… إلخ، فلكل منها جمهوره.
وينتهي الكتاب إلى أن هذه النتيجة النهائية تتوافق مع فرضية الدراسة، وهي:إن تجارب الجماعات المسرحية المستقلة، في فترة ما بعد ثمانينيات القرن العشرين، نتجت عن حاجة ماسة للتعبير عن التعدد الذي يتصف به الواقع الثقافي في السودان، والذي برزت مظاهره في تحول السياقات المختلفة آنذاك، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
يعتمد الكتاب مفهوم “ما بعد الحداثة” في المقدمة قبل الوصول إلى هذه النتائج المهمة للمشكلة المتعلقة بالمسرح، ويرى أن استمرار التجريب قد يؤدي إلى حل الاشكال المتعلق بجدوى الاعتماد على الأفكار الغربية في نهضة مسرحية تعكس الواقع الوطني وتلبي طموحات مجتمعاته المتعددة ثقافيا.
وهنا يتخطى الكتاب عقبات كبيرة تواجه استخدام مفهوم “ما بعد الحداثة” في التحليل العلمي، أبرزها عدم الاتفاق على مفهوم واحد لـ “ما بعد الحداثة” ولا يطرح حلا لهذا المأزق، ويكتفي بأن يختار ما يناسب الدراسة من المفاهيم المتعددة.
كما لا يقدم للمثقفين السودانيين والمشتغلين على المسرح بشكل خاص، نصائح كافية حول كيفية نقل تجارب ما بعد الحداثة في العالم الغربي إلى البيئة المحلية بتدبر ومراعاة للبنى الروحية والفكرية والثقافية المهيمنة على الواقع، وهنا فوت الكتاب نقطة جوهرية حول إن كانت ذات تجارب ما بعد الحداثة بالنسبة للمسرح هي ذات فكرة استنساخ تجارب مفهوم الحداثة الغربي الارسطي الذي يفترض أن ما بعد الحداثة جاءت من أجل تفكيكه!
لكن للكتاب الفضل في أن تثار أسئلة عديدة لا تتعلق بالمسرح المتخصص فقط، وإنما وعلى مستوى المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام إن كان مهيأ لقبول مثل هذه التوجهات (ما بعد الحداثية) أم هي اصلا غير ملائمة لمجتمعاتنا؟، وعلى نخبه المتعلمة العمل على استنباط أفكاره الخاصة من بيئته المحلية ومعتقده الروحي الديني وتعدد ثقافاته لما بعد الحداثة قبل سعيها للتعامل مع المفاهيم العالمية.
في هذا الصدد تشير الدراسات النقدية إلى أن الدول الغربية نفسها لم تتبنى أفكار “ما بعد الحداثة” إلا بعد صراع شديد وحركة تنوير كبيرة، ورغم ذلك ما يزال فكر الحداثة الأرسطي مسيطرا على المسرح وعلى الحياة العامة هناك، بل حتى المجتمعات الأقل نموا، عجزت عن استيعاب مفهوم “الحداثة” الذي بات تقليديا حسب رؤية الكتاب، ما يدل على شبه استحالة قبولها بمفهوم “ما بعد الحداثة” بشكله المتداول، في ظل عدم أي أنجاز اجتماعي يمثل نقطة تحول جوهرية، إذ ما تزال مشكلات الفقر هي التي تسيطر على هذه المجتمعات، رغم وجود مؤشرات مثل الثورات الشبابية الحامية التي لم تتضح توجهاتها بشكل كامل.
من مميزات الكتاب أيضا، أنه يفتح الباب أمام نقاشات جديدة في المسائل الفكرية والمتعلقة بالنهضة الثقافية والمسرحية بشكل خاص، لأن مادة الكتاب – على الرغم من اعتمادها كثيرا على مستويات نقدية تقليدية- تقدم أفكار مهمة وأساسية متعلقة بالفكر الحديث، لكنها حتى الآن لا تشعر القارئ غير المتخصص بأن امتلاكها مفيد في المقاربة المنطقية للحوارات العامة التي نخوضها في المجتمع، ما يدعو إلى مزيد من الدراسات حول هذا النوع من الكتب في مجالات أخرى لبلورة أطر معرفية تمهد الطريق لعلاقة أكثر متانة بين المسرح والمتخصصين في هذا المجال وبين الجمهور العام، عبر مشروع فكري محلي يتجاوز اخطاء المشاريع الثقافية المطروحة ويستوعب الافكار المستحدثة في السياق المناسب مع وضع اعتبار لحق جميع الثقافات والجماعات الفنية داخل بلد ما، في أن تعبر عن المضامين التي تختارها بالأشكال التي ترتضيها دون أن تخضع قسريا لهيمنة ثقافة واحدة.

اترك رد

error: Content is protected !!