تجمع المهنيين السودانيين.. ما ذنب جِلد الطّار لو غَنُّوا بيهو شُتُّر

3

وائل عبدالخالق

شكلت التنظيمات المهنية المكونة لتجمع المهنيين السودانيين إحدى الركائز المهمة للهبة الشعبية والتغيير التديمقراطي السوداني منذ ٢٥ ديسمبر ٢٠١٨م وحتى سقوط النظام البائد في ١١ أبريل ٢٠١٩م، وبالرغم من مبادرة الحركات الشبابية وحركات المقاومة بإشعال فتيل الهبة الشعبية في مطلع ديسمبر من العام ٢٠١٨م، إلا أن ظهور تجمع المهنيين السودانيين ودخوله في معادلة الحراك الوطني آنذاك شكل نقطة مفصلية في تصاعد وتيرة الأحداث وأعطى هبة الشباب وقتها الزخم الإعلامي والسياسي المطلوب لتكثيف الضغوط على كافة الأطراف السياسية في الحكم والمعارضة وقتها. وهذا هو الدور الحقيقي والمطلوب للتنظيمات المهنية والنقابية في تمثيل المصالح عبر إستخدام أدوات الضغط السياسي، لكونها الإطار المنظِّم لمصالح فئات المهنيين بمختلف شرائحهم وإنتماءاتهم وفق غايات وبرامج وسياسات تنسجم وتتوافق مع مصالح القوى والشرائح التي تمثلها كل نقابة أو تجمع وتنظيم مهني حسب مقتضيات تلك المصالح وعلاقاتها أو تحالفاتها وشروط تلك التحالفات.

وبالرغم من التراجع النوعي الملموس لدور العمل النقابي عموماً خلال فترة حكم النظام البائد بسبب تجييره حزبيا وسياسيا لصالح الحزب الحاكم، إلا أن موضوع العمل النقابي ظل مسألة أساسية في تفكير ومحاولات قوى التغيير لإيجاد حلول لها، إذ أن التعاطي مع الواقع لطالما إستدعى ضرورة حل مشكلة التمثيل النقابي والمهني كشرط أساسي لتجسيد أوثق وأوسع للعلاقات بين فئات وشرائح المهنيين من جهة، وجماهير الشعب من جهة أخرى بهدف الإنجاز الناجع والفعال لمهماتها وأهدافها الوطنية والديمقراطية في السودان.

لقد تطلبت مرحلة إسقاط النظام البائد تعبئة وتأطير أوسع قطاعات ممكنة من الشعب بمختلف فئاته وشرائحه الاجتماعية والمهنية صاحبة المصلحة في التغيير الوطني الديمقراطي، مما جعل هدف إسقاط النظام والتغيير عنصرا للتماسك داخل مكوناتنا المدنية والمهنية وحتى السياسية ومن ضمنها بالطبع تجمع المهنيين السودانيين الذي بدأ كمشروع هادف وأمل بمستقبل واعد لممارسة نقابية تمثل مصالح مختلف المهنيين بالبلاد وتساهم بشكل إيجابي في مستقبل بناء الدولة الوطنية الحديثة.
لكن ومنذ سقوط النظام البائد وحتى هذه اللحظة يبدو أن المشكلة تكمن في العامل الذاتي لجميع المكونات الاجتماعية والمهنية والسياسية التي لم تتحرك كما يجب في الإستجابة للعوامل والظروف الموضوعية المهيأة للتفاعل مع ما تطرحه وتمثله من قضايا سياسية واجتماعية ومطلبية، نفس هذه المكونات التي إستجاب لها الشعب ودعمها في دعواتها للمواكب المليونية والإعتصام وتقديم أرواح شبابه وفلذات أكباده مهرا للتغيير، هي نفس المكونات التي عجزت عن تمثيل مصالحه وتلبية مطالبه حتى الآن في إيجاد حلول لقضايا كثيرة مثل إرتفاع الأسعار وندرة المواد التموينية والاستهلاكية والبطاقة وغيرها، ورغم أن دور الأجسام النقابية والمهنية ليس إيجاد الحلول وصنع السياسات العامة فهذا هو دور الأحزاب السياسية إلا أن دور هذه الأجسام المهنية هي ممارسة الضغط السياسي بشتى الوسائل المتاحة لتحقيق مطالب من تمثلهم أو تتطلع لتمثيلهم وهو ما عجز عنه تجمع المهنيين السودانيين منذ سقوط النظام وحتى الآن. هذا الشاهد وغيره يؤكد ضعف قدرة تجمع المهنيين السودانيين على المشاركة في عملية البناء المدني، وهذا مؤشر علي ضعف قدرته في التأثير إيجاباً لصالح قضايا الناس المطلبية أو حتى التأثير لصالح إيجاد حلول تستجيب لما ظل يطرحه من شعارات وبرامج علي الأوراق.

وإن كانت سكرتارية التجمع ومجلسه ومكوناته واعية لمهامها وطبيعة المصالح التي تمثلها فإنها كانت ستخضع هذا الضعف في عملها للمراجعة والنقد للخروج من هذا الوضع الذاتي المأزوم، نحو تفعيل دورها وإثبات وجودها في هذه الواقع بعيدا عن الصراعات والإنحيازات الأيديولوجية والحزبية داخلها والتي أقعدت التجمع عن القيام بدوره، مما يتطلب أولاً ضرورة التمييز –بصورة عملية ملموسة- بين التنظيمات المهنية والتنظيمات الحزبية وعدم إعتبار الأولى تابعة للثانية، مستلهمين إيجابيات وسلبيات العلاقة التاريخية بينهما في السودان وخصوصية كل منهما، بحيث ينبغي للتنظيمات المهنية أو النقابية أن تكون أولاً تمثل مصالح الفئات والشرائح المهنية، ثانياً واسعة ما أمكن، ثالثاً علنية ومفتوحة للجميع.

هناك أزمات معروفة للجميع تتعلق بالعمل النقابي والتنظيمات المهنية في السودان حيث يفتقر إلى وجود قاعدة بيانات ومعلومات إحصائية دقيقة، مما يشير إلى الفوضى في العمل والتشرذم وغياب الحس العالي بالمسؤولية، وتغييب الانتخابات داخل التنظيمات المهنية، مما يدفع إلى توجيه النقد لعملية الانتخابات الشكلية التي تتم أحيانا في ظل حالة العضوية الضيقة وانتشار الشلليات، إلى جانب عدم الوضوح في البيانات أو الأرقام أو الإحصاءات الدقيقة التي تتيح التوزيع المهني للمنتسبين داخل التنظيمات والجمعيات المهنية، وهذا هو ما لم تنتبه هيئات تجمع المهنيين السودانيين لتداركه مما تسبب في حالة الفوضى وحرب البيانات التي أعقبت تكوين مجلس وسكرتارية التجمع الجدد بين مختلف مكوناته بل وبين أطراف داخل التنظيم المهني الواحد كما في حالة تحالف المحامين الديمقراطيين.
إن التجيير الحزبي والصراعات بين مراكز القوى السياسية هي أحد أهم الأسباب التي
قادت الي إضعاف دور تجمع المهنيين السودانيين وإفراغه من محتواه، وبقدر الوعي بأهمية استقلالية العمل النقابي والمهني، إلا إن هذا الشعار يظل مجرد حبر على ورق بالنسبة القوى السياسية السودانية، فالعديد من الأحزاب تسعى وتعمل على تنفيذ سياساتها من خلال كوادرها وأعضائها وأنصارها في النقابات والتنظيمات المهنية. وللأسف قادت هذه العلاقة القائمة على السيطرة ذات الطابع الذاتي إلى إضعاف دور تجمع المهنيين، وتقليص الدعم الشعبي له، وبالتالي إفقاده تأثيره السياسي وزخمه الجماهيري في الوقت ذاته.

إن الحد الأدنى لدور تجمع المهنيين السودانيين المطلوب اليوم هو تمثيل مصالح مختلف فئات وشرائح المهنيين، وممارسة الضغط السياسي من أجل وضع الحلول الناجعة لقضايا ومعاش الناس، والقيام بأدوات واعية من أجل فرض الحريات الديمقراطية بالبلاد كاملة غير منقوصة، فلا سبيل لفرض الحق النقابي والمهني والحريات النقابية والمهنية دون حرية التفكير والتعبير والتنظيم والمعتقد والإنتصار لقضايانا الوطنية والإنسانية. كما إن الحد الأدنى للعمل النقابي والمهني يعني العمل جنبا إلى جنب مع مكونات المجتمع المدني الديمقراطي والأحزاب السياسية الديمقراطية من أجل فرض سيادة حكم القانون ودولة المؤسسات المدنية، وهي مجالات وواجهات مازالت بعض الأطراف مترددة في الاقتناع بها أو تتجنبها وتغض الطرف عنها خشية تهديد مصالحها والتأثير على رأسمالها الرمزي.

إن التحرك المنفرد لكل مكون من مكونات تجمع المهنيين السودانيين مثلما يحدث الآن بعد إنتخاب السكرتارية والمجلس الجديدين لن يساهم إلا في مزيد من التشتيت والإضعاف ولن يحقق المكاسب المرجوة لا لأصحابها ولا لعموم المهنيين، ومن أجل إرساء وتعميق العمل المشترك يجب على كل مكون من مكونات التجمع أن يعمل على إحداث نقلة نوعية في تصوره للتجمع تستوعب الواقع والرهانات وتحد من التدخلات والتأثيرات الحزبية عليه.
ومن أجل أن يستعيد التجمع قوته الجماهيرية ويحسب له ألف حساب ويعاد الاعتبار لدوره النشيط في الساحة الوطنية ينبغي عليه أن يصوغ جماعيا برنامجه النقاب والمهني البديل ويحدد جماعيا أهدافه الاستراتيجية والمرحلية بدقة وسبل الوصول إليها ويحدد كذلك الأطراف المهنية القابلة لإنجاز ذلك البرنامج، والإسراع في العمل على تأسيس وبناء نقابات حقيقية بشكل قانوني وديمقراطي بعد سلسلة من المشاورات واللقاء التي قد تستغرق وقتا طويلا يجب أن يحدد بسقف زمني معقول تمهيدا لقيام تجمع نقابي ومهني حقيقي وشرعي.

مؤكد أن هناك الكثيرين من الأفراد والجهات ليس من مصلحتهم إرساء هذا البناء وبالتالي سوف يعرقلون هذا التوجه تحت هذه الذرائع أو تلك وسوف يشوهون هذا الطرف الساعي إلى وحدة العمل النقابي أو ذاك بأسماء وتوصيفات مختلفة سواء باسم التقزيم والاستخفاف أو بالرجوع والنبش في ماضي الخلافات والصراعات القديمة أو بالتخوين.

إن تجمع المهنيين السودانيين يعيش اليوم أوضاعا غير مريحة سواء في علاقته بهياكل الحكم الإنتقالي التي تسعى لإبتزازه وتحييده من أجل استحقاقاتها المستقبلية أو في علاقته بجمهور المهنيين الذين يظهر عليهم الغضب والاحتجاج على غلاء المعيشة وتدهور الأوضاع المادية والمعنوية أو في علاقته بقوى الحرية والتغيير المنقسمة داخليا والتي ظهرت جليا نتائج صراعها حول السيطرة على التجمع في تكوين المجلس وسكرتارية التجمع مؤخرا.

إن سقوط النظام البائد وما تبعها من أحداث قد راكمت آثارا وسلبيات عديدة على أداء قوى الحرية والتغيير وباتت مصداقيتها لدى القواعد ضعيفة جدا بل ومحل تندر وإحتقار وبالتالي فالظروف الموضوعية والذاتية سانحة للأعضاء المهنيين بالتجمع من غير الحزبيين كي يتقدموا أشواطا نوعية في اتجاه تحقيق إستقلاليته وفك السيطرة الحزبية عليه كمدخل لإستعادة دوره وريادته التي أحوج ما يكون الواقع إليها.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!