تخدير كامل!!

5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


من عيوب ومحاسن مهنة الصحافة انك تدخل في حالة تخدير كامل ، لدرجة انك تنسى كل هموم الحياة في البيت والشارع ، وتشتغل بهموم هذه المهنة طوال ساعات العمل والتي قد تتجاوز العشر ساعات في أغلب الأحيان خاصة إذا كنت تنتمي للجانب الاخباري، فإنك تنقطع عن كل شئ لا يصدر في عدد الغد أو الذي يليه، والغريب ان هذه الحالة تلازمك كل سنين الخدمة فتنسيك غلاء المعيشة وظلم الحكام و(جفا الحبان) و(محقة المرتب) وتأخره عن مواعيده وتصبح في حالة تحسد عليها من الانسجام والتناغم في عالمك الخاص بالصحافة بفعل ذلك المخدر العجيب، وهو مخدر دائم التأثير ما دمت صحفياً بالسودان، ولا تفيق منه إلا لحظة خروجك مثقلاً بهموم باكر الصحفية ولعلك تنبه فجأة ان الليل قد انتصف وان هنالك سلسلة من المطلوبات البيتية فتدخل في حالة عتاب لنفسك وتلومها على إهمال الواجبات المنزلية والاجتماعية ، وتلعن العزلة الغريبة التي فرضها عليك هذا الانفتاح حقاً إنها (عزلة خبيثة) تفصلك عن نفسك و محيطك الخاص على مستوى الأسرة والحلة والمدينة ولا تتفاعل مع احداث هذا العالم الا بمقدار مايمكن نشره من تهاني وتعازي ومظالم، وهي عزلة خبيثة لأنها تربطك بعالم أوسع تنقل أخباره وتتابع قضاياه بشغف بينما لا يهتم هذا العالم بما تكتب عنه ولا يتعاطى مع لهثك وراءه. وهذه الغفلة القصيرة عن عالم الصحافة التي تشرد للخوض قليلا في شؤونك الخاصة لا تطول، وتنتهي ببداية أزمة التفكير في الوصول للبيت راجلا أو راكبا على كل ضامر، فتندم في لحظة الفواق المؤقت من المخدر إياه على اليوم الذي قرأت فيه صحيفة أو عرفت فيه صحفياً وعلى لحظة دخولك هذا العالم الذي لن تنال من جهاده إحدى الحسنيين وكذلك يحرمك من العودة للجهاد الأكبر تجاه مسؤولياتك المباشرة في دنياك الصغيرة.
وأجمل مافي كل هذا العناء … آسف لا أستطيع تسطيره الآن حتة لا أكشف سر القبول بهذا الوضع، على كل كفى حتى حين.

نشر بصحيفة القرار 2013م

التعليقات مغلقة.