“ثورة ديسمبر” نبوءات.. مُقدِّمات ونتائج خيارات القدر

2


الجميل الفاضل:
وفي الأول من نوفمبر2018، ألمحت لارتباط عودة الإمام الصدق المهدي للبلاد بحكمة يعلمها الله قائلاً:
إنّ عودة “السندباد” رئيسُ أكبرِ حزبٍ في ميزانِ آخر الديمقراطيات، ورئيس آخر الحكومات الشرعية المُنتحبة دُون شك، إلى وطنهِ ليست حدثاً عابراً تعدو به الريح كيفما اتفق.. خاصة وأنها عودة تأتي في يوم شَهدَ قبل ستين عاماً ونيف، مولدَ بلد كان اسمهُ السودان بلا زيادةٍ ودون نقصان، خرج كالمُعجزةِ الحيّةِ من تحت قبة برلمان صغير بشارع الجمهورية، توحّدت بين جنباته على نحوٍ مفاجيء حينها إرادةُ وكلمةُ أهل هذه البلاد.. جنوبها وشمالها على خياري الوحدة والاستقلال.
المهم يبدو أنّ القدر قد اختار لحكمة يعلمها الله.. ألا يأتي الإمام الصادق في ذكرى أول ثورةٍ شعبيةٍ ناجحةٍ في تاريخ هذه المنطقة التي هّبت عليها رياحُ ربيعٍ كاذبة.. حسبتها شُعُوبها حديثة العهد بالثورات ربيعاً، هي ذكرى ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر المجيدة.
ليُخبِّئ ذات القدر ربما شيئاً من رمزياته ذات الدلالات الموّحية، طيَّ تاريخٍ آخر اختاره المهدي وأجهزة حزبه عنواناً لعودته المرتقبة، هو التاسعُ عشر من ديسمبر.. يوم إعلان الاستقلال الذي تّم عبر إجماع مدهش خرج من داخل البرلمان كالصاعقة، رغم أنف من أرادوا كذلك قطع طريقِ تلك القافلة.
جيل الموجة الجديدة
وفي الثاني والعشرين من يناير لخّصت في سبع كلمات تقول:
إنّ جيلاً يختلفُ يجتاح الآن هذا الأفق
وفي الثالث والعشرين من يناير أوردت أبياتاً نظّمتها على هذا المنوال:
هذه الموجة تعلو تلو الموجة تلك
ولا تغفو أبداً
هذا زمن المد أتى
في الرابع من فبراير، انتقيت من الآثار هذا القول:
في العاشر من فبراير، اكتفيت باختزال موقفي في الآتي:
بين الضحية والجلاد لا حياد.
مُلكٌ مُرقعٌ بالدين
وفي الرابع عشر من فبراير، حرّرت للنظام شهادة وفاة بتوقيع وخاتم إبراهيم بن أدهم قائلاً:
انطبق بيت شعر لإبراهيم بن أدهم على مآلات حكام السودان اليوم، بل كأن بن أدهم قد أراد به صورة ما يجري في بلادنا الآن.. من واقع موافقة حال النظام القائم لقاعدة تضمنها النص ترشح ذهاب ملك الدنيا المرقع بالدين، مع ذهاب دين من مزق دينه لكي يرقع دنياه بما مزق من دين، ليخرج وفق قاعدة المعادلة الأدهمية صفر اليدين في النهاية بلا دنيا عمل لها بالفعل، ولا دين فرط فيه بالضرورة، إذ يقول ابن ادهم: (نرقع دنيانا بتمزيق ديننا.. فلا ديننا يبقي ولا ما نرقع).
على أي دولة يتباكون؟
لكن في الرابع من مارس نشرت مقالاً في حسابي على “فيسبوك” جاء كالآتي:
• الحكومات تنوبُ عن الشعوب لكن لا تلغي وجودها بالمرة .. فلو أن شعباً أضحى في وادٍ وحُكومته التي يفترض نظرياً أنّها تمثله وترعى مَصالحه في وادٍ آخر، فإنّ السيادة ينبغي أن تكون للشعبِ صاحب الحق الأصيل، لا أن تظلّ بيد وكيل فَقَدَ ثقة شعبه، أو أصبح غير مُؤتمن لديه.
• فإن من يعبر عن وكالة الشعب بلا تفويض سابق يبرر وجوده الطارئ على سلطة انتزعها بالقوة الجبرية، وفرض نفسه على سدتها، فتعامل الناس معه كأمرٍ واقعٍ، أو كشرٍّ لابد من التعاطي معه، جلباً لمنافع لا تستقيم الحياة بدونها، أو درءاً لفتنٍ وويلاتٍ وشرورٍ يخشونها.. فوكيل مجازي كهذا أدعى به نظرياً على الأقل أن يرد الأمانة الى أهلها متى استشعر رغبة كهذه التي تضج بها البلاد من أقصاها إلى أدناها في إصرار وإجماع نادر، خاصة أن من يناجيه الصغير قبل الكبير بـ(تسقط بس) قد تطاول به الأمد فحكم ما يقارب نصف فترة كل السودانيين الذين تعاقبوا على حكم البلاد من عسكر ومدنيين.
• لكن الأدهى وأمر في الحقيقة هو أن هذا الحكم الذي امتد لثلاثة عقود، جرى على سُنةِ الأنظمة المؤدلجة ذات الطابع الآحادي الشمولي التي لا تستطيع التعايش بطبعها مع فكرة الدولة الوطنية التي تسمح بتعدد المعتقدات والمذاهب والأفكار، فالتجارب تقول إن مثل هذه الأنظمة المنغلقة تذهب عندما تستولي على السلطة بأيِّ وسيلة كانت، ومنذ يوم صُعودها الأول بشتى الحيلِ للاستيلاءِ كذلك على أصل هذه السلطة الذي هو “الدولة”.
• لأنها لا تعترف في الواقع بدولة توصيفها الأساسي أنها أرض، وشعب، وسلطة.. سلطة تُمارسُ إنابة عن هذا الشعب على أرضٍ هي أرض هذا الشعب نفسه بالضرورة.
• هذا الوضع يجعل المهمة المقدسة الأولى لمثل هذه الأنظمة هي مهمة تفكيك قواعد وأركان تلك الدولة التي تصادم الفكرة المركزية التي تم من أجلها الاستيلاء على السلطة، لكي تبني على أنقاضها دولة اخرى تختلف تماماً، يكون أساسها ومعيارها الوحيد الانتماء الأيديولوجي لا المواطنة.
• ومن هنا ينشأ تنافض جذري قابل للانفجار بين مكونات دولة المواطنة القائمة بالفعل على الأرض، ودولة الأيديولوجيا التي تحاول بالتدليس والمخاتلة أن تحل محلها.
• فدولة الأيديولوجيا لا يعنيها بالطبع من مثلث الدولة الذي قاعدته الشعب، سوي ضلع واحد هو ضلع (السلطة) – سلاحها للإحلال والإبدال والتغيير- إذ لا يهم سدنة الدولة العقائدية حراسة الأرض كقيمة مادية ومعنوية بحد ذاتها، ولا خدمة الشعب كواجب مباشر تمليه الدساتير والأعراف على كل حكومات الدنيا.
• ولعلّ التضحية بجنوب السودان الذي يمثل ثلث أرض الدولة لتسهيل مشروع الأدلجة يعتبر خير مثال لطريقة تفكير سدنة هذا المشروع الهلامي الذين نحروا الذبائح احتفاءً بانفصال الجنوب المسيحي عن الشمال المسلم للخروج من شريعة أقروا أنها كانت (مدغمسة) إلى فضاء أيديولوجي خصيب يقبل مشروع دولتهم دون حاجة (لدغمسة).
• أما عن حال الشعب قاعدة مثلث الدولة فحدث ولا حرج.
• لكن لا أحد يدري على أي دولة يتباكى أهل الإنقاذ الآن.. هل على دولتهم المُفترضة.. دولة الحاءات الثلاثة والكل المركب، أم أنهم يذرفون الدموع على دولة الجميع، دولة المواطنة التي أزهقوا هم بأيديهم روحها، ودمّروا بنياتها، وبدّدوا ثرواتها، بل وفكّكوا أوصالها إلى أفشل دولتين في التاريخ؟.
قراءةٌ في نبوءةٍ ليست بعيدة
وفي السادس من مارس، عقدت مقاربة لنبوءة للأستاذ محمود محمد طه مع مجريات أحوال وتطورات الأوضاع الراهنة آنذاك:
تُنسب لحلاج العصر الأستاذ محمود محمد طه نبوءة شائعة.. يعتقد على نطاق واسع أنها قد وافقت خطى نظام الإنقاذ، وطابقت سيرته في الحكم مذ جاء وإلى يومنا هذا.
إنها نبوءةٌ غريبة حقاً ما كان لعقلٍ أن يصدقها، لولا أن من تنكبوا دربها قد ساروا بسيرها حافراً بحافرٍ، ولم يغادروا منها شاردة ولا واردة.
تنزلت بهم أوعليهم كأنها رأي عين (من الفم إلى الدم) كما يقول أصحاب محلات (المرطبات) المُتباهين بجودة عصائرهم.
تصوّر أنّ الأستاذ محمود الذي رحل عن دنيانا قبل انقلاب الإنقاذ بنحو أربع سنوات تقريباً قطع قبل ذلك بسنين عددا، أن هذه الجماعة سوف تُسيطر على السودان سياسياً واقتصادياً حتى لو بالوسائل العسكرية، وانها سوف تذيق الشعب السوداني الأمرين.
بالطبع هذا الوجه من النبوءة أضحى مفرغاً منه، شاخصاً على الأرض، لا تخفى منه خافية، ولا يختلف عليه اثنان كما أظن.
فقد توسلت (الجماعة) للحكم بالانقلاب العسكري كوسيلة في العام 1989، وسيطرت من بعد وعلى مدى ثلاثين عاماً كاملة سياسياً واقتصادياً على كل شيء بل ولم تستبقِ لغيرها من الذي يلي بالطبع شيئاً، في إطار فقه وسياسة التمكين المقدسة التي كرّست لأهل الولاء على حساب أهل الكفاءة، لتجني البلاد حصاد الهشيم الماثل الذي باتت تتهدده أدنى رياح سياسية أو اقتصادية .
تلك هي الصورة إلى الآن على الأقل، لكن المُخيّف حقاً.. هو أن النبوءة ترى أن هذه الجماعة سوف تُدخل البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل.
أيِّ فتنة هذه التي ستحيل نهار بلاد مدارية مُشرقة لا تغيب عنها الشمس، إلى ظلامٍ دامسٍ وليلٍ بهيم.
ثم هل من دواعي هذه الفتنة وأسبابها ما المح له نائب الرئيس عثمان كبر وهو يقول إبان انعقاد شورى المؤتمر الوطني الأخير بأن اختيار البشير كمرشح للحزب جاء درءاً لفتنة ما؟.
وتتناسل أسئلة وأسئلة حول أطراف هذه الفتنة؟.. هل هي مراكز القوى التي أزاح الرئيس رموزها من واجهة الحكم في العام 2013، والتي يصنفها نائب رئيس الوزراء السابق مبارك الفاضل إلى ثلاثة تيارات.. الأول: يتبع لعلي عثمان الذي يريد إعادة إنتاج النظام ويسعى لتكريس السلطة بيد البشير في مقابل عودته هو للواجهة من جديد، والثاني: وفق مبارك – تيار نافع الذي يسيطر على الحزب ويملك مقدرات مالية، وهو التيار الذي يُريد للرئيس أن ينهي فترته الرئاسية الحالية لكي يخلفه قائد هذا التيار نفسه، وتيار ثالث: يري – مبارك – أنه ملتف حول الرئيس حفاظاً على مصالح مادية ومواقع في السلطة.
كل ذلك على أي حال يعزز احتمالات انفجار النظام من داخله ولا يضعفها، لكن ما هي في الحقيقة مآلات هذه الفتنة لو أنّها انفجرت بغتةً تحت وطأة ضغط هذا الشارع الملتهب بوتيرة مُتصاعدة؟ فالنبوءة تجزم بأن الفتنة التي تُمهِّد لاقتلاع هذه الجماعة من أرض السودان اقتلاعاً، سوف تنتهي بهم فيما بينهم فقط لا غير.
رغم أني لست أدري كيف يمكن للحشائش الصغير أن تنجو لو أنّ صراعاً للأفيال الكبيرة عربد في أيِّ مدينة؟.
بل يدهشني أيضاً في ذات السياق أنّ صاحب النبوءة يضع تعرُّض شعب السودان لتجربة حكم هذه الجماعة.. التي يصطلح على تسميتها بجماعة “الهوس الديني” في خانة المفضل عنده لمصلحة الشعب نفسه، بل يذهب إلى أكثر فيصف تجربة حكمهم بأنّها ستكون مفيدة للغاية، مشيراً إلى أنها سوف تكشف بلا شك مدى زيف شعاراتهم.
المهم رغم إيماني العميق بأن الغيب في إطلاقه لا يعلمه إلا الله، وأن البشر لا يحيطون بشيءٍ من علمه سبحانه وتعالى إلا بما شاء.. فإني لم أجد ضيراً في البحث عن مقاربة ما بين سيناريوهات هذا النص المدهش، ومجريات ذلك الواقع المرير.
وفي الرابع والعشرين من مارس، لخّصت موقفي مما يجري بهذه الكلمات:
بين الحق والباطل لا توجد منطقة وسطي، إذ لا خيار أمامك على الإطلاق سوي أن تكون نصيراً للحق منحازاً لأهله، أو أن تسقط فريسة تتخبّط بين أباطيل الباطل، وفخاخ أحابيله وحيله المنصوبة بدقة وعناية.
الطغاة كالأرقام القياسية
أما في الخامس والعشرين من مارس الذي شاركت فيه بأول موكب غير مُعلن باغتت به شبكة الصحفيين السودانيين وبنجاح أطراف المعادلة كافّة.. نشرت بعده مُباشرةً: إن الطغاة كالأرقام القياسية لابد من أن تتحطم في يوم الأيام.
كوابيس الخرطوم
وفي الثامن والعشرين من مارس، نشرت على حسابي بعد تصاعد وتيرة العنف ضد المتظاهرين السلميين مقالاً آخر بعنوان:
“لو أن هذا النظام لم يبد من سوء فعال تنم عن سوء تقدير وتدبير، بل وسُوء طوية، سوى هذا الذي اغترفت يداه، وسطّره بيمينه في سفر التاريخ، في مائة يوم ليس ثمة مثلها في تاريخنا القريب على الإطلاق، مائة يوم استباحت فيها آلة القمع حُرُمات الأُسر والبيوت والمساجد والجامعات، مائة يوم سعى خلالها هذا النظام المترنح لزعزعة أمن الآمنين ولترويعهم بشتى حيل التنكيل المروعة، وأساليب البطش الأعمى، لهدف واحد في تقديري هو هدف اعادة زرع اسباب الخوف من جديد في هذه النفوس الأبِيّة التي باتت عصية على الانكسار”.
إنها نفوس كسرت حاجز الخوف بالفعل على قارعة طرق المدن البعيدة التي التقطت قفاز التحدي منذ الثالث عشر من ديسمبر الماضي، بل حتى قبل أن يستقوي قلب العاصمة الخرطوم التي طردت هي كذلك شبح الخوف الذي جثم على صدرها بعد أحداث سبتمبر ٢٠١٣ التي راح ضحيتها نحو مائتي شهيد على طرقات هذه المدينة الوديعة المسالمة بدم بارد لم يحرك ساكن الضمير الوطني والإنساني في الداخل والخارج كما ينبغي.
إن الكوابيس التي ظلت تحاصر الخرطوم لمائة يوم، يُحرِّكها جنون (التاتشرات) المعربدة، ويغذيها على نحو غريب وجود أشباح مُلثمين لا تدري من أيِّ كوكب جاءوا.. يمارسون بطشاً مقززاً بحرائر النساء على غير عادة وأعراف وتقاليد أهل السودان.
إنها مائة يوم في ظني.. لو لم يفعل هذا النظام سوي ما فعل فيها فحسب، فإنها تكفي وتزيد مدعاة.. لأن يذهب هو اليوم قبل الغد غير مأسوف عليه بالضرورة، بل ومكللاً بالعار، مُشيعاً باللعنات لا محالة.
طلائع الصحفيين بالقيادة
أما في السادس من أبريل، فقد كنت بنقطة الانطلاق نحو القيادة العامة للجيش المُقرّرة من شبكة الصحفيين بالقرب من المركز البريطاني، إلا أنّ مُداهمة قوات الكجر للمكان عند ساعة صفر التحرُّك بالضبط، قد اضطر قيادة الصحفيين الميدانية للجوء إلى خُطة بديلة نجحت في وضع طلائع الصحفيين أمام بَوّابات القيادة شهوداً، بل ومُشاركين في صناعة الحدث لحظة بلحظة.
العالم بحاجة للنموذج السوداني
25 سبتمبر 2019
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يشيد بالشعب السوداني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة :
(شجاعة بناء السلام تحتاج مثل الذي رأيناه من السودانيين بشكل لم يكن متوقعاً.. إحلال السلام في العالم يحتاج لشجاعة مثل شجاعة السودانيين.. وقدرة مثل قدرة الشعب السوداني والجيش السوداني على التحاوُر).

التعليقات مغلقة.