جدودنا زمان

6

د. ناهد قرناص

عطفا على مقالي السابق عن العنصرية والذي حكيت فيه عن جدتي رحمها الله.. تلقيت رسائل كثيرة عن الجدود والحبوبات.. كل يحكي عن جدته وذكرياته معها.. الرحمة لمن توفي والصحة والعافية لمن مد الله في أجله.. لكني انتبهت إلى أن الحبوبة كشخصية محورية للاسرة في طريقها للاندثار.. أغلب الظن أن الجيل القادم لن يجد الحبوبة التي كان لها موقع مميز في كل بيت.. (عنقريب ومصلاية وحجر التيمم )…لابد لكل زائر ان يذهب لتحيتها ونيل بركتها.. قريبا جدا ستكون الحبوبة التقليدية من الموروثات…سنحكي عنها كما نحكي الآن عن الرتينة وقطار البخار ولن يمر وقت طويل حتى ندرك حجم خسارتنا.. فالجد أو الجدة.. منبع الحكمة وملجأ الجميع في الملمات.

من منا لا يحتفظ في ذاكرته لمواقف مع جدته؟ حين خباته تحت ثوبها ومنعت عنه عصا العقاب؟ حين أعطته الحلوى من وراء ظهر أهله؟ حين ساندته في المواقف الصعبة والقرارت المفصلية التي وقف لها الأهل معارضين؟ كانت للحبوبة حصانة دستورية في الأسرة.. من حقها الحديث في أي وقت.. والادلاء برأيها في أي موضوع.. موجهة حديثها لأي شخص مهما كانت مكانته.. قل لي أين نجد هذه العظمة في هذا الزمن؟

حديث الجدة الذي تذمرنا منه قديما.. وكنا نعده تدخلا في شؤوننا.. صار الآن حكمة نستعيدها ونسترجعها كل حين.. أذكر أننا عندما كنا نستبقي صديقاتنا للبقاء معنا لما بعد المغرب (والمغرب كان وقتا متاخرا في عطبرة.. تكن فيه الطيور إلى أعشاشها وتعود الفتيات إلى بيوتهن ).. كنا نبذل الوعود لتلك الصديقة اننا (حنقدمها).. (اقعدي عليك الله واتونسي..الوقت لسه بدري).. فتستجيب بعد لأي وتمكث قليلا.. بعدها بقليل يعلو صوت جدتي بالنوبية (هوي برو.. ار كوماري ؟ الم اقي).. وتعاجلها بالترجمة حسب الظروف (هوي يا بت ..انت فين اهلك؟ ليه انت يتيق؟).. ويتيق الأخيرة تعني (قاعدة) بالنوبية التي لم تجد لها مقابلا حينها.. كان الإحراج هو سيد الموقف ..وكانت امي تسارع لتطييب خاطر الفتاة بأن الجدة تخاف عليها من التأخير .. وكنا ندخل في جدال طويل معها.. محاولين شرح صدى كلماتها على صديقتنا.. لكنها كانت تعاود الكرة في كل مرة تتأخر فيها احدى الصديقات..

روح يا زمان وتعال يا زمان.. تزوجت وصار أبنائي يستقبلون أصدقائهم في المنزل.. وتمضي الساعات وهم يلعبون.. فتجدني تقمصت دور جدتي ..فاسال الضيف (يا ولدي معليش ..امك عارفة انت معانا هنا ؟ الساعة بقت 9).. ألاحظ أن أولادي تغيرت وجوههم …وما إن يغادر صديقهم حتى يلقوا باللوم على شخصي الضعيف ..ولكني لا ألقي لهم بالا ..وكثيرا ما أخذت رقم والدة صديقهم لاتصل عليها وأطمئنها بان ابنها موجود معنا.. فينزل حديثي عليها بردا وسلاما لأنها كانت قد بحثت عنه كثيرا ولم تجده.. فأترحم على جدتي التي تجلت حكمتها لي بعد عقود من الزمان .

صديقتي قالت إن جدتها كانت تصر على سؤال واحد لاي متقدم للزواج من فتيات الاسرة ..فتقول (أسألوه.. بتعشى ولا ما بتعشى)..وكانوا يضحكون من سؤالها ذلك ويحسبونها قد (زهمرت).. لكن صديقتي قالت إنها كل ليلة وهي تعد العشاء (عين مفتحة وعين مغمضة ).. تجدها تردد (الله يرحمك يا حبوبة.. كان سمعت كلامك وسالته من الأول ما كان دا حالي).

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!