حاتم السر …اعتذار اشعل النار

2


نبعت فكرة هذا العنوان مقتبسة من هتافات المريخاب التي أعقبت فوزهم علي الهلال في مباراة جرت في السبعينات أحرز أهدافها الكابتن عمار خالد واشتعلت المدرجات والشوارع تردد (اشعلت النار يا عمار) فكما أشعل النيران عمار خالد بالأمس فقد اشعلها اليوم حاتم السر بحواره الشامل الأخير مع صحيفة (اليوم التالي) الغراء .
حاتم السر اسم معروف لا يحتاج لتعريف أو توصيف فهو سياسي سوداني استثنائي قوي مثير للجدل…عاد ليطل علينا مؤخرا إطلالة مختلفة وجديدة عبر حوار صحفي أجرته معه مراسلة صحيفة (اليوم التالي) بالقاهرة الصحافية النبيهة صباح موسي نشر في عدد الصحيفة رقم (٢٥٣٠) الصادر بتاريخ الأربعاء ١٤ شعبان ١٤٤١هـ الموافق ٧ أبريل ٢٠٢٠م صفحة (٦) تحت عنوان رئيسي(مانشيت) حاتم السر يعتذر للشعب السوداني.
يمكننا ان نطلق على عام ٢٠٢٠ عام الاعتذارات اذ سبق حاتم السر في هذا المضمار كل من الدكتور إبراهيم البدوي وزير المالية صاحب الاعتذار المشهور للشعب السوداني عن عدم قدرته على كبح جماح التضخم وفشله في استقرار سعر الصرف. ثم لحقه اعتذار وزير الصناعة والتجارة مدني عباس مدني الذي اعتذر بدوره للشعب السوداني من خلال مؤتمر صحفي أعلن فيه فشله في حل ازمة الخبز خلال فترة الثلاثة أسابيع التي التزم ان يعالج خلالها ازمة الخبز. وقد سبق هؤلاء الركض في مضمار الاعتذارات اللواء عبد الرحمن الصادق المهدي معتذرا للشعب السوداني ومقرا بخطأ مشاركته للإنقاذ. وسار على ذات الدرب المهندس إبراهيم محمود نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني المندحر معتذرا للشعب السوداني عن تقصير حزبه خلال حكمه للسودان ٣٠ عاما. ثم جاء أخيرا اعتذار الأستاذ حاتم السر محل تناولنا في هذه المداخلة.
الملاحظ ان ثقافة النقد الذاتي والاعتذار عند الساسة السودانيين كانت هي الفضيلة الغائبة وطالما حضرت فمن باب أولي أن نرحب بها ونشجعها ولكن بكل أسف رصدت من خلال متابعتي لردود الأفعال على حوار الأستاذ حاتم السر في المواقع الإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية ان السوشيال ميديا قد طفحت بالتعليقات المسمومة والسلبية استنكارا للاعتذار من أشخاص يتكلمون باسم الشعب السوداني وكأنهم وكلاء عنه ومفضون للحديث باسمه.
حوار حاتم السر كان بمثابة مراجعة قيمة ونقدا ذاتيا مطلوبا ومرغوبا فالرجل اعتذر لمن يستحق الاعتذار اعتذر للشعب السوداني العظيم الشعب المعلم وتأسف وتحسر لعدم رقي الأحزاب السياسية كافة بما فيها الحزب الذي ينتمي له وقصورها عن الرقي لطموحات الشعب السوداني. ولن تختلف عنزتان في ذلك؛ ولعمري فانه اعتذار واجب على القوي السياسية والساسة ومستحق للشعب الابي. وحاتم بلغة أدبية وطرح فكري غاية في الابداع دعا لسد باب المزايدات والمتاجرة بالمواقف وقال للجميع خلوها مستورة لأنه لا يوجد بينكم من هو بلا خطيئة بما فيها نحن. حاتم خاطب منتقديه بأدب وتهذيب هو طبع فيه وفطرة وليس تكلف او تطبع وقال لهم: انتقدتم عملي مع البشير بالأمس وأنتم اليوم تعملون مع البرهان واللجنة الأمنية للبشير وهكذا تقتضي مصلحة الاوطان. وبالطبع ليس من مهام هذه المداخلة تلخيص مضمون الحوار فهو متاح في كل الوسائط لمن يرغب في الاطلاع عليه. ولكن قصدت بحكم معرفتي بالرجل وهو يتعرض لهجوم قاسي وظالم ان أدلي بشهادتي امام الراي العام لوجه الله والتاريخ مستشهدا بقوله تعالي: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.

بدأ للبعض ومن خلال الضجة التي حاولوا اثارتها وكأن القطب الاتحادي الديمقراطي حاتم السر قد ارتكب منكرا باعتذاره وتجاوز كل الحدود حتي خرق السقف وفات عليهم ان هناك فرق كبير بين القائد السياسي وقائد العصابة وحاتم كان قائدا سياسيا ورجل دولة تدرج في كل المواقع القيادية بحزبه وشغلها عن جدارة وقدم لحزبه ووطنه وما ابقي شيئا وضحي بما فيه الكفاية وخاض معارك وحروب سياسية دفاعا عن ما يؤمن به من قيم ومبادئ وطنية وحزبية وقدم روحه فداء للوطن وكان في الصفوف الامامية للنضال ضد النظام البائد من بداية انقلابه المشؤوم في يونيو ٨٩ وزلزل اركانه وفضح سياساته وكشف ارهابه وتطرفه للعالم وساهم في عزله إقليميا ودوليا ونشهد له انه لم يهادن ولم يساوم في قضية المعارضة الي ان عاد حزبه وعادت كل القوي السياسية للسودان لتبدأ مرحلة جديدة ومختلفة من الأداء السياسي كان قدحه فيها عاليا اذا رشحه حزبه لمنصب رئيس الجمهورية في انتخابات ٢٠١٠م منافسا للمخلوع البشير وقام بدوره علي اكمل وانضر وجه وأذكر حينها كنا في حملته الانتخابية مع ثلة من الذين تخصصوا في الهجوم عليه اليوم وينفثون سمومهم السوداء للنيل منه واتعجب كيف سمحوا لأياديهم القذرة ان تمتد بسكاكينها الصدئة لصدر الشريف حاتم السر ناسين او متناسين اننا جبنا وطفنا معه كل انحاء السودان ووقفنا بأنفسنا علي حجم الأثر الذي احدثه وسط الجماهير بمختلف انتماءاتها الحزبية حيث كان تركيزه منصبا في خطابه وطرحه علي رفع الوعي الوطني لدي المواطن السوداني وكسر حاجز الخوف من الإنقاذ لدي المواطنين وتحطيم تابوه الأجهزة الأمنية وتشجيع الجماهير للتخلص من الخوف الذي كان يمنع حركتهم للأمام ودونكم تسجيلات الخطب والكلمات التي قيلت في كل ربوع السودان لتستمعوا اليها قبل ان تصدروا احكامكم الجائرة وغير العادلة يا دعاة الحرية والعدالة .وكما للرجل إنجازاته له أيضا إخفاقاته فهو بشر يصيب ويخطئ ولكن يبقي الأهم والمهم انه وطني من طراز فريد ومخلص وزعيم سياسي استثنائي وهرم عصي النيل منه.
لاحظت ان غالبية المنتقدين والمهاجمين لحاتم السر لم يقفوا على مضامين الحوار ولكنهم اكتفوا بالعناوين فقط وبسبب هذا التسرع أطلقوا نيرانهم وشنوا حملتهم ضده وفي الحقيقة كان حري بهم ان يقوموا بقراءة نص الحوار بتمعن فقد تميز هذا الحوار بان المحاورة (الصحفية) قد استطاعت ببراعة ان تفتح ملفات مشتعلة وفي غاية الأهمية مع الضيف كما استطاع المحاور (الضيف) ان يجيب بجدارة على الأسئلة وباسلوب متميز وبلغة أنيقة وبمعلومات جديدة تقال لأول مرة مما جعله حوارا استثنائيا وشهد بذلك العدو قبل الصديق مما يؤهل ذلك الحوار للمنافسة لنيل جائزة أفضل وأحسن حوار صحفي في عام ٢٠٢٠م.
لو التمني يفيد فقد تمنيت لو كان الشقيق حاتم السر بعيدا عن فوضي مشاركة الإنقاذ التي وغلت فيها كل القوي السياسية السودانية بلا استثناء.وكنا ندخره لهذا اليوم الذي تسيد فيه المشهد من هم دونه بكثير خبرة وحنكة وتاهيلا ونضالا ولكنها اقدار السماء التي لا راد لها وخيرا فعل بكشفه من خلال حوار (اليوم التالي) لكل الملابسات التي صاحبت دخوله وزارة النظام البائد ونحن نعلم انها لم تكن رغبته الشخصية لا بحثا عن مال فهو بتركيبته لمن يعرفه لا يهتم بذلك كثيرا ولا جريا وراء جاه فقد كان وزيرا في العهد الديمقراطي قبل الإنقاذ ووقتها كان اصغر دستوري في الحكم الديمقراطي ولا منصب فهو من كبار المحامين والمستشارين القانونين ولكنه نفذ أوامر حزبه وهو رجل معروف بالتزامه وانضباطه الحزبي نعم دخل حاتم السر الوزارة ولكنه لم يخرج منها سارقا ولا ناهبا ولا فاسدا ولا منتهكا لحق ولا مسيئا لفرد لانه كبيرا ويظل الكبير كبيرا قبل من قبل وابي من ابي.
اعتذار حاتم السر مقبول ويمثل اعظم حدث الان في الساحة السياسية السودانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل وامتلات بصراعات القوي السياسية وبالذات الحاكمة والناس محبطة بتصريحات بعض الوزراء غير الموفقة والقرارات المتضاربة والمتناقضة للحكومة في معالجات الازمات والازمة المكتومة بين المجلسين السيادي والوزراء التي باتت محل بيانات الحزب الشيوعي في الآونة الأخيرة في ظل هذا الوضع الضبابي والمشهد الملتبس بالبلاد جاء اعتذار حاتم السر كخطوة شجاعة ونبيلة لا تاتي الا من قائد وطني مناضل ونقول له تفضل فالبلاد تحتاج لاسهامك الفكري والسياسي والوطني عموما.

aboelshareef@gmail.com

التعليقات مغلقة.