حديث المدينة: عثمان ميرغني: (هل نحن في حاجة إلى دستور؟)

9

مساء أمس الأول –الأحد- شاركت في تدشين كتاب الأستاذ نبيل أديب بعنوان ( معارك الثورة الدستورية)، ودار نقاش حول صناعة الدستور السوداني، تلك “الحجوة” التي شابت على ألسنة الساسة منذ الاستقلال وحتى اليوم.. حكاية “الدستور الدائم”.. لدولة عمرها الآن يحبو نحو السبعين.

يساورني سؤال لم أجد له اجابة حتى اليوم، هل نحن في حاجة إلى دستور؟

منبع السؤال، أن الدستور عموما هو مرحلة ابتداء، توصيف الدولة وترسيم المعالم التي تسمح لها باستنباط القوانين المفصلة.. فدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية كتبت دستورها في العام 1789، من سبعة مواد فقط، وظلت طوال تاريخها تطور دستورها بناء على التجربة لا على أهواء الساسة، فحتى عام 1922 كان الدستور يحرم مشاركة المرأة في الانتخابات، ولم يفكر أحد في الغاء الدستور بل أدخلوا عليه 27 تعديلا حتى اليوم وفق التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة.

هل نحتاج الآن بعد 65 سنة من الاستقلال العودة إلى مرحلة “كتابة!” الدستور، أم ننظر في المتغيرات التي تشكل العالم المعاصر اليوم مثلا:

أولا: توسع مفهوم العولمة للدرجة التي تطورت فيها منظومة القوانين و تخطت الحدود القطرية للدول، فصار مألوفا في المحاكم الاستعانة بالسوابق العالمية دون اعتبار للحدود الوطنية.

ثانيا: العولمة جعلت المبادئ فوق الدستورية فرض عين على كل دولة، خاصة التي تتعلق بحقوق الانسان ومواثيق الأمم المتحدة، ولم يعد مهما ادراجها في دستور الدولة.

ثالثا: الدور الذي تلعبه المحكمة الدستورية قد يتطور ليصبح بديلا للدستور المكتوب، بل يمنح مرونة أكثر من تطوير الاطار الدستوري للدولة دون التقيد بنصوص دستورية وطنية قد يتطلب تعديلها لمواكبة العصر كثيرا من الجهد والوقت.

الواقع في السودان الآن، أن قانون الشركات على سبيل المثال عمره قرابة المائة عام إذ ينسب للعام 1925، فأيهما أكثر ثباتا الدساتير المتقلبة التي اصدرتها الأنظمة السياسية المتعاقبة وذهبت مع ذهابها أم قانون الشركات مثلا.

من الواضح أن البنية القانونية السودانية اكتسبت ثباتا مقدرا خلال عمر السودان المعاصر، وأصبحت منصة قانونية تعوض غياب الدستور خلال الحقب الماضية.

ثم مشكلة أخرى، التجربة أثبتت ضعف الاحساس بالدستور لدى الدولة ممثلة في الحكومة والمجتمع، فالذي يكتب شيكا بلا رصيد قد يزج به في السجن لكن الذي يخرق الدستور ويمزقه اربا اربا لا يطاله ولا حتى صوت لوم، بل أحيانا يبدو خرق الدستور من مظاهر اثبات القوة والمنزلة “فوق الدستورية”، و دون الحاجة للابحار في الماضي لإثبات ذلك، فلننظر للوثيقة الدستورية الحالية، التي شبعت خرقا ودهسا بالأحذية من الحكومة نفسها.. ولا تبدو نصوصها ملزمة لأحد.

من الحكمة أن يتركز التفكير في بناء “دولة القانون” دون التقيد بحكاية “دستور”، فتعلية الاحساس بالقانون والالتزام به في أي مستوى أهم كثيرا من شكليات النصوص الدستورية التي تبدو مجرد تذويق وتفخيم Prestige لا أكثر.

الأهم؛ أن نرسخ دور المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية ليرتقيا ويمثلا المنصة الدستورية التي ينهض عليها القوام القانوني والتشريعي في السودان.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!