حزب الأشقاء رؤية جديدة أم زيادة للصراع

6

قال مؤسس حزب الأشقاء الجديد عادل إبراهيم حمد في لقاء أجراه معه بكري المدني لقناة ” أمدرمان” قال “أن حزب الأشقاء هو إضافة جديدة يتكيء علي قاعدة اجتماعية عريضة هي ” الطبقة الوسطى” و هي الطبقة المناط بها عملية الاستنارة في المجتمع” و قال أيضا “أنهم ليس باتحاديين بل يمثلون كل تيار الاستنارة في المجتمع إذا كانوا اتحاديين أو غير اتحاديين” الأمر الذي يؤكد أن حزب الأشقاء يتصيد القوى الحديث في المجتمع التي تقف علي الرصيف، و يحاول أن يقدم طرح جديد يتلاءم مع هذا التيار الاجتماعي الذي حقق أنتصارا سياسيا علي النظام البائد و إقتلاعه.
أن تاريخ العمل السياسي في السودان و خاصة تأسيس الأحزاب، أعتمد علي مبادرات من عناصر من الطبقة الوسطى، و حتى الحزبان التاريخيان اللذان تتربع علي عرشيهما قوى طائفية، كانت مبادرة تأسيسيهما من عناصر من الطبقة الوسطى. و هي الطبقة التي نشأت من جراء التعليم الحديث في البلاد، إذا كانوا من آهل الآعمال اليدوية، أو من عناصر اليقات البيضاء، و هي الطبقة التي قادت النضال ضد الاستعمار، و استطاعات أن تؤسس الآدوات التي تعبر بها عن توجهاتها السياسية و الثقافية، و كانت قد بدأت مشوراها الثقافي السياسي بالروابط الثقافية في الأحياء، و تطور إلي تأسيس نادي الخريجين، ثم أنشاء هؤلاء الصحف و المجلات التي كانت ساحة لنشر إنتاجهم الثقافي و المعرفي، لكي يشكل جوانب الاستنارة الاجتماعية في البلاد. و تفتح الأذهان لقضايا جديدة تتمحور حول الاستقلال و الهوية.
يقول حمد إن حزبهم ليس جزءا من الحراك الاتحادي، بل هو شخصية عتبارية قائمة بذاتها، لها رؤية فكرية ترجع لعهد الزعيم أسماعيل الأزهري، أحد مؤسسي حزب الأشقاء، و الذي أيضا كان قد أعتمد علي الطبقة الوسطى. لكن الطبقة الوسطى بعد أنتشار التعليم ما عادت حكرا علي حزب سياسي بعينه، بل توزعت علي مرجعيات فكرية مختلفة، رغم أن الطبقة الوسطى في السودان تعاني من ضعف بسبب الآزمة الاقتصادية المستمرة منذ عقد سبعينات القرن السابق، حيث فقدت جزءا كبيرا من مكونها، حيث انحدروا إلي الطبقة الدنيا، الأمر الذي عطل دورها الاستناري في المجتمع، و قد ظهر ذلك بشكل واضح في الأحزاب الأيديولوجية. أن الإسلاميين الذين اسقطت تجربتهم من قبل الشعب، هم في أمس الحاجة لمرجعات فكرية، خاصة في قضية الحريات و الديمقراطية، و أيضا اليسار بكل أنواعه ماركسيا و قوميا الذين سقطت كل تجاربهم في العالم، و لم تسجل تجربة واحدة إنها كانت تحترم الحريات، أو أسست نظاما يمقراطيا. أن الواقع قد هزمهم. و هؤلاء ما يزالون يرفعون شعارات الديمقراطية، و هي لا تتكيء علي أسس فكرية يستطيعون الاستقطاب بها، داعما لهذه الشعارات. و يرجع ذلك لضعف الطبقة الوسطى و قصورها في عملية الاستنارة. فإذا كانت الطبقة الوسطى بعافيتها، كانت قد كشفت عورات هذه القوى السياسية، و تناقضاتها مع الشعارات التي ترفعها.
يبقي السؤال هل العضوية الجديدة لحزب الأشقاء قادرة علي تجاوز محنة الطبقة الوسطى في البلاد و خاصة محنة الاتحاديين في الجانب الفكري؟
أن الرهان علي الطبقة الوسطى علي البناء الحزبي لوحدها سوف تجعل الحزب يصطدم بقضايا عديدة، خاصة في المجتمع السوداني الذي مايزال محلك سر، عجز عن اجابة الأسئلة التي كانت قد طرحت قبل الاستقال من قبل النخبة المثقفة علي مجلتي النهضة و الفجر. و كان قد حاولت ذات الطبقة الإجابة عليها من خلال النخبة المثقفة في عقدي الستينات و السبعينات، من خلال المدارس الأدبية التي كانت قد أسستها لذلك بعيدا عن الحواضن السياسية، لأنها كانت تعتقد أن الأحزاب في ذلك الوقت فشلت أن ترفد الساحة السياسية بألادب السياسي، و فشلت في تأسيس الدولة الديمقراطية، و فشلت أيضا في خلق مجتمع مستقر أمن. لذلك حاولت النخبة المثقفة من خلال منابر الفنون و الآداب أن تثير جدلا حول الهوية، باعتبارها مدخلا يقود لجدلا فكريا، ربما يساعد هذا الجدل خلق وعي الجديد في المجتمع، لكن حتى هذه المنابر الجديدة للفنون هزمتها الآزمة الاقتصادية و إنتهازية السياسيين، و الغريب في الأمر رغم عقود قد مرت منذ الاستقلال ما تزال المشكلة تراوح في مكانها، و ظلت النخبة السياسية يتراجع دورها باستمرار، و الأحزاب التي كان يعول عليها تسيدتها العناصر التنفيذية التي لا تملك غير أن تصبح قوى محافظة يعكر صفوها دائما شعارات التجديد و الحداثة.
كانت التصور العام أن يحصل أندماج للأحزاب ذات التيارات الفكرية المتقاربة، لأنها تستطيع من خلال تجميعها أن تقدم إضافات فكرية، و هي الشيء الناقص تماما في العمل السياسي السوداني، لكن إشكالية الاندماج هي القيادات التاريخية القابضة علي مفاصل هذه الأحزاب، و التي تشكل كتلة صماء تمنع ألنور من اخترق هذه المؤسسات، و أيضا كان المتوقع أن ثورة الشباب سوف تبقي ثورة لإصلاح كل الإبنية السياسية، و تحدث تغيير فيها، لكن قد تم حصارها و توظيفها من قبل هؤلاء المحافظين، و هناك ما تزال أصوات تنادي بإندماج كل اليسار في حزب واحد، و أندماج القوى الليبرالية في حزب عريض، و أيضا أن تندمج القوى الإسلامية في حزب واحد. و جميعها في حاجة أن تقدم أطروحاتها الفكرية في قضيتي الحرية و الديمقراطية.
القضية الأخرى التي تحدث عنها عادل إبراهيم حمد، و هي تحتاج إلي حوار حقيقي العلاقة مع جمهورية مصر العربية، حيث قال ” أن العلاقة بين السودان و مصر يجب أن لا تكون مجال مساومة سياسية، بل يجب النظر إليها باعتبارها علاقة أستراتيجية تحتاج إلي حوار عميق يسهم في حل كل المشاكل بين البلدين التي تؤثر سلبا علي توطيد العلاقة” لكن نوجه السؤال لحمد كيف يكون التصور لبناء علاقة ندية مع مصر دون حساسية من الجانبين، و كيف حل القضايا المختلف عليها؟ و كيف تأخذ العلاقة مع مصر بعدها الشعبي؟ و ما هو تصور حزب الأشقاء للحوار و علي أي مستوى؟ هل يظهر الحوار فقط وقت الأزمات أم أنه حوار مستمر لكي يرتقي بالعلاقة و يوسع دائرتها؟ معرف لدي الاتحاديين و كل اتباع هذه المدرسة و روافدها أن مصر لها علاقة وطيدة مع الجانب الطائفي، و لها موقف سالب من الأجسام التي كونت الحزب الوطني الاتحادي ثم من بعد الاتحادي الديمقراطي. و بشكل واضح أن علاقتها فيها شيء من التحفظ علي الجانب الاتحادي، و معلوم أن عادل إبراهيم حمد جاءته فكرة إعادة تأسيس حزب الأشقاء و هو يتنسم أجواء القاهرة، و هل وجوده هناك قد درس المأخذ علي هذه العلاقة و وصل لتصور جديد يعيد بناء هذه العلاقة، أم أنه يتحدث من خلال الدفق العاطفي فقط. و كيف يستطيع حمد أن يقنع القاهرة أن تنسي التاريخ، و تؤسس لعلاقة جديدة مع الاجيال الجديدة في السودان، و هي علاقة لابد أن تتجاوز سلبيات الماضي و تؤسس علي المصالح المشتركة؟
يقول حمد إن الحزب مفتوح لكل التيارات الجديدة في المجتمع، باعتبار أن أغلبية القوى الجديدة في المجتمع غير منتمية، لكن الأنتماء نفسه يؤسس علي قاعدة من المصالح كل يجد نفسه فيها، و إنها سوف تحقق لهم الأحلام. و الحزب ليس هو تيار وسط فقط، أيضا استقطاب للقوى الرأسمالية الوطنية التي تسهم في دعم الحزب ماليا لكي يستطيع الحركة و النشاط السياسي وسط الجماهير، و إذا غابت الرأسمالية يعني البحث عن مصادر آخرى للتمويل، و هي سوف تفرض شروطها علي الحزب. كما أن تأسيس حزب دون إيجاد أرضية فكرية تحكم الحزب و يحاسب علي ضوئها، تكون إضافة لعشرات الأحزاب التي في الساحة دون تقديم أي إضافة جديدة غير زيادة الآزمات، لكن من خلال طرح حمد في ” قناة أمدرمان” يؤكد أن لديهم رؤية جديدة تحاول أن تستفيد من التجارب السابقة لكي تقدم حزبا يشارك في تأسيسه القوى الحديثة في المجتمع، و هؤلاء هم الذي يحددون مرجعيته الفكرية. في الختام نتمنى أن يكون حزب الأشقاء إضافة جديدة للساحة. و نسأل الله حسن البصيرة.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!