(حكايات) تقتحم متاهة الاتحاديين

2

الحلقة الأولى
أحجار على رقعة الشطرنج ..

هكذا ستبدو الصورة للقارئ الكريم، قيادات الاتحاديون، وهم يتناثرونَ على الرقعة الاتحادية. ستجد داخل هذا الحقل الغميس-الحزب الاتحادي الديمقراطي- أحجاراً على رقعة شطرنج. منهم الوزير، وفيهم الرخ وبينهم الجنود .. البيادق. ولكن ما أن تتوغل داخل متاهة الاتحاديين حتى تجد نفسك في متاهة لا قرار لها. وعلى قارئ (حكايات) أن يحضر “ثيرمس” الشاي والقهوة والمناديل أيضا إن كان سيرافقنا في هذه المغامرة المثيرة.
مرّ حينُ من الدهر على الاتحاديين وقد قنع اغلبهم من إصلاح حال الحزب ممزق الأشلاء، ثم اندلعت ثورة ديسمبر وفرضت على كل القوى السياسية حدا معقولاً من الانسجام بين قياداتها المتنافرة ومن ضمن هذه القوى السياسية الاتحاديين بطبيعة الحال. نشأ “التجمع الاتحادي المعارض” في هذه الظروف، وهو تحالف عريض ضم تحت مظلته كل التيارات والأحزاب الاتحادية المعارضة لنظام الإنقاذ. خاض الاتحاديون غمار الثورة تحت راية هذا الجسم وأظهروا بسالة وقدرات تكتيكية أثناء اندلاع الثورة أدهشت المراقبين.
يمكن تصنيف القوى الاتحادية في الساحة السياسية إلى ثلاثة أحزاب/مكونات رئيسية لحظة اندلاع الثورة في 19 ديسمبر 2019م. هذه المجموعات الثلاثة هي:الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة مولانا محمد عثمان الميرغني وأبنائه الحسن وجعفر الميرغني وهذا الحزب يصنف مشاركاً في نظام الإنقاذ، ثم الحزب الاتحادي المسجّل بقيادة احمد بلال والسماني الوسيلة وهذا حزبُ ظل مع الإنقاذ منذ بداياتها وحتى سقوطها وعلى مقربة منه تقف مجموعة بقيادة صديق الهندي ومجموعة أخرى بقيادة اشراقة محمود. هاتان المجموعتان لا تشاركان في سلطة الإنقاذ ولكن صلتهم بالحزب المسجل لم تنقطع بشكل كامل.
أما ثالث المكونات الاتحادية فهو التجمع الاتحادي المعارض ويضم في داخله كل التيارات الاتحادية التي لم تشارك الإنقاذ سلطتها وظلت في موقع المعارضة حتى في وجود مشاركة الحزب الاتحادي المسجل في العام 1998م، ومشاركة الحزب الاتحادي الأصل في العام 2012م. هذه التيارات المعارضة تمسكت بالموقف المناوئ للإنقاذ ولكن سلامة موقفها السياسي المشترك لم يتطور إلى موقف تنظيمي موحّد يجمعها تحت مظلة واحدة حتى اندلعت الاحتجاجات في مدن السودان، وبدت نذر الثورة فألزمتها تلك التطورات بالعمل تحت مظلة واحدة فتشكل التجمع الاتحادي على هذا الأساس.

ولأن هذا التصنيف الثلاثي للأحزاب/المجموعات الاتحادية الكبرى لن يصمد طويلاً، سيحتاج القارئ لمعرفة مكونات التجمع الاتحادي الرئيسية كي يفهم لاحقاً لماذا أنقسم التجمع الاتحادي إلى جسمين هي التجمع الاتحادي بقيادة بابكر فيصل والتجمع الاتحادي الآخر، ففي مؤتمر صحفي بتاريخ 7 أغسطس 2019م أعلن تياران من التيارات المؤسسة للتجمع الاتحادي فرز نفسهما والعمل بمعزل عن بقية مكونات التجمع الأخرى، وتمسك المؤتمرين بالعمل باسم التجمع الاتحادي لأسباب سنعود لسردها لاحقاً. بعدها بأربعة أشهر، أي بتاريخ 30 ديسمبر 2019م، أعلنت بقية التيارات، التي تم إقصاؤها كما تقول، عن تمسكها بالتجمع الاتحادي لأسباب سنعود إلى سردها أيضاً. وهكذا أطل العام الجديد على الاتحاديين وقد أصبحوا أربعة مكونات رئيسية: اثنان تجمع اتحادي، واثنان اتحادي ديمقراطي احدهما أصل والثاني مسجل.

نعود لمكونات التجمع الاتحادي الرئيسية حسب وثيقة اتفاق سياسي وقّع عليها رؤساء الأحزاب التي تشكل هذا الحلف، بتاريخ 10 نوفمبر 2018م، وهي الحزب الاتحادي الأصل–العهد الثاني، وقع عنه مولانا احمد طيب زين العابدين، الحزب الاتحادي الموحد، وقع عنه محمد عصمت يحيي، الحزب الوطني الاتحادي،وقع عنه يوسف محمد زين، والحزب الوطني الاتحادي الموحد، وقع عنه عصام عبد الماجد أبو حسبو. بالإضافة لتيارات أخرى صغيرة ومجموعة من الشباب تمثل ما يعرف بالرصيف وهم الاتحاديون الذين لا ينضوون تحت أي من هذه الأحزاب.

لا أحد ينكر مساهمة الاتحاديين الحاسمة في مجريات ثورة ديسمبر حتى سقوط نظام الجنرال البشير في 11 ابريل 2019م، ولكن السؤال الذي أصبح يدور في ألسنة المراقبين، دار عن سر هذا المظهر الضعيف الذي ظهر به الاتحاديون في مرحلة ما بعد الثورة في إطار وجودهم كتجمع اتحادي أو كممثلين داخل تحالف قوى الحرية والتغيير. في حين كان تأثير حزب الأمة والمؤتمر السوداني والحزب الشيوعي واضحاً وفاعلاً في المشهد السياسي بعد نجاح الثورة، وكان ولا يزال تأثير هذه الأحزاب على القرار داخل تحالف الحرية والتغيير أو على مستوى نشاطها كأحزاب منفردة، كان غياب الاتحاديين عن التمثيل في غرف التفاوض وفي منصات الحرية والتغيير وفي التداول اليومي للقضايا المطروحة على الساحة السياسية مثيراً للقلق حتى بدأ بعض الكتاب والمدونين يكتبون عن غياب الاتحاديين المحيِّر.
ترى ما الذي أقعد الاتحاديين عن لعب دورهم المرتجى بعد نجاح الثورة؟ للإجابة على هذا السؤال، دعنا نلقي الضوء مرة أخرى على التجمع الاتحادي الذي مثّل الاتحاديين في الثورة وفي تحالف الحرية والتغيير، لنسير معاً في متاهة الاتحاديين المعقدة والمتشابكة.
– يتبع

التعليقات مغلقة.