حميد : “ده كلام فارغ”

1

عثمان عوض ضرار

حالة الحب والتزاوج التي تحدث بين الأسئلة وأجوبتها عند بعض المبدعين تأخذ وقتا طويلا عكسها عند بعض السياسيين أصحاب من أول نظرة الذين ما ان تهاتفهم بأنك تود محاورتهم الا ويستعجلونك وقد يلاحقونك إن تباطأت!! فالمبدع الحقيقي يحتاج إلى أن يقطع شوطا بعيدا حتى يقنع نفسه بالجلوس إلى الأسئلة أو بالجلوس إلى السائل. وهذا الشوط يبدأ بالنفور ثم بالتقارب إلى أن ينتهي بالإلفة والمحبة. وما بين البداية والنهاية لزوجة ثم انسياب بفضل تهيئة المبدع لذاته وترويضه لتمردها الذي يرفض أن يثقل بسؤال وأن يحمل على إجابة. وحميد حينما نقلت له رغبتي النبش بيده في مشروعه الشعري والنظر إليه بعينه كان رده (أدّها صنة التفج). وهذه الصنة امتدت من أبريل إلى ديسمبر أي من الصيف إلى الشتاء. وقريش تذهب بتجارتها مرتين وتعود مرتين وأنا أذهب بهاتفي إلى حيث أجد ولا أجد وأعود بوعد غير مضروب. حتى ظننت أن لا فائدة!! ولا أدري إن هي (فجت) من حميد أم لم تفج ولا أخالها فجت لأن حميد ليس من المترفين كما أنه ليس من المتحالفين مع المصلحة، كما أنه ليس من الذاتيين ذوي الأيدي الممدودة والأبواب المغلقة. فالطاحونة التي يحملها المبدع السوداني في رأسه تشغله حتى عن الوقوف للحظة والنظر إلى صورته في مرآة الإعلام أو حتى في مرآة منزله. لذا فإن هذا الحوار بصبر حميد عليه وبصبري على حميد حوار للتاريخ.

{ اهتمامك بالشعر.. متى بدأت وهل تتذكر شيئا من قصائدك الأولى؟
الشعر في مكنونه هو معضلة شاقة. إلا أنه يأتي في مقدمة الأعمال الصالحة عبادة إذا سخِّر لذلك. ومن الطبيعي أن يهتم الاإسان بعمله متى ما أدرك قيمة هذا العمل المادية والمعنوية بالنسبة له كإنسان ومردود ذلك في وعلى مجتمعه صحيح إنه عمل مضنٍ ويتطلب طاقات ذهنية عالية، لكنه ممتع في نهاية الأمر مما ينسيك كل ذلك النزيف. الاهتمام بالعمل أي عمل لا يتأتى إلا عن وعي أنك المسؤول الأول عن هذا العمل الحيوي. طبعا هذا الوعي لا يولد مع الشاعر إنما يكتسبه من خلال تجربته في هذا المجال ومن خلال تطوره الفكري. والشعر شأنه شأن الفنون الأخرى بما فيه من الخصوصية، فهو العمل الوحيد الذي لا يمكن لغيرك أن ينوبك فيه.
المدون من قصائدي الباكرة ضاع في قطار كريمة منتصف السبعينيات في عملية تداول بين الركاب عند نزولي محطة كريمة، وجدتني هكذا كمن فقد متاع عقله هرولت هنا وهناك انتظرت وبحثت طويلا ولم يبن له أثر حتى اليوم ربما قذف به أحد الركاب من النافذة في الخلاء الواسع صارخا في حنق (ده كلام فارغ). عموما لم ينج من ذلك الدفتر الكبير إلا ما تناوله المغنون (طعم الدروس وأخواتها) ومن ثم بدأت اهتم بتشتيت قصائدي بين الناس لأجمعها من جديد.
{ هل بدأت كتابة الشعر غاضبا حد الاستهزاء على الأنظمة الحاكمة كما عهدناك، أم أنك بدأت كما يبدأ معظم الشعراء حينما يتفتح العشق في قلوبهم وتزدهر أمسياتهم بطيف الحبيبة؟
كلنا نبدأ تلك البدايات المتوارثة. إلا أن والحق يقال وجدتني خجلا للغاية من بداياتي، فهي تفشل في أن تحاكي قصائد شعراء منطقتي الكبار. أظن أنني بدأت غير راضٍ عن حالي وحالنا جميعا وساخطا عليه منذ طعم الدروس. أما ما تعنيه من غضب فلا أحد يغضب من غير سبب. فهذا الغضب أنتجه الوعي لكونك تنحدر من بين المسهوكين في الأرض من (الغبش ) الفلاحين في الشمال إلى المدعوكين في أتون الورش الحديدية من العمال في « اتبرا» إلى معايشتك لواقع أكاديمي أليم بحساب تلك الأيام وبالمقابل أناس خاملون يتمتعون بالسلطة والثروة. سلطة وثروة تلك الأيام ويتلذذون بسحل الشرفاء !! فتلك الفترة كانت فترة تشفي المايويين في أبناء عمومتهم وأصدقاء الأمس بعد ذلك الزخم من الأناشيد والخطب الثورية التي سوقوها فينا وراجت بين وجداننا لما تحمله من طرح محكم وبديع ولما صادفته تاريخيا من انتعاش في حركات التحرر الوطني التي كانت تنتظم العالم الفقير في إفريقيا وغيرها والتي كان الهواء ينقل لنا تطورات أحداثها، بدرجة أعلى من الآن رغم الفارق التقني، وكان معظم الناس على صلة بما يجري بين ميادينها في ارتباط عجيب مما ترك أثره الكبير على معظم الناشئة من الشعراء، ضف إلى ذلك وجود مخزون هائل من الكتابات السودانية والعربية والعالمية ذات القيمة الفكرية العالية في شتى ضروب المعرفة الأدبية والعلمية التي وفرتها لنا مكتبة دبورة، وكنا نلتهمها بنهم مثلما كنا نلتهم فول اليمانية كما كان الحال كذلك في مكتبة كريمة التي كان يديرها والدنا الشيخ ميرغني البدوي والتي ابتلعت كل ما كنا نجنيه من بيع الحبال والبرسيم والمنقة والصفوري (الرطب) مقابل نفحات ونفحات من الكتاب القيم.
السلطة السياسية وحدها هي التي تفجر في الناس براكين الغضب عندما تذهب بعيدا عن قضاياهم وهمومهم اليومية الملحّة. وبالطبع لا يمكن للشاعر أن يقف متفرجاً.
{ الشعر قد يكون له تأثير واضح على حياتك. ألم تندم يوما على أنك شاعر؟ أو ليست الشاعرية بالأمر المقلق؟
نعم.. فكان من الممكن أن يكون حوارنا في غير هذا إن كان وربما وجدتني من بين الذين لا يمكن الوصول اليهم حالياً..!!
أعترف أنني خرقت قانونا واتجهت إلى ما أنا فيه الآن من حبس أبدي (دايري تأكلني البيوت)، فالشعر أفقدني وأفقدني وكلفني الكثير جدا لأن الإحساس بمسؤولية الشاعر باكراً لخبط عليّ نموي الطبيعي كبشر من لحم ودم وأنا يافع أجد الكبار من الشعراء والمطربين يطرقون بابي للتواصل معي وهم يأتون من مسافات قصية ليجدونني مكندكاً بالتراب من لعب الكرة أو من صعود أشجار النخيل العاليات كنت أهوى صعود تلك النخلات التي يتركها أهلها للقصور والسروي ولا يلحقها سوى الريح، إلى أن ( حوّطني) جدي من هذا النزق. هذا غير واجب أن أكتب لمغني الحي ومحبي الأغنيات كل أغنية جديدة وما أصعب هذه المهمة لان أولئك النفر من الشعراء والمطربين كان كمن يكتب (يومي على الله) قصيدة جديدة ويلحنها أيضا وأنا المنوط به الحفظ من أفواه المغنين الذين كانوا يغيظونني بعدم تكرارهم للمقاطع (مترحمنين ) بغزارة ما في حصيلتهم من إنتاج غنائي.
المهم أن الشعراء هم أنبياء زمانهم والأنبياء لا يندمون طبعا. أما إن لم تكن قلقا على واقع ما فلن تكدح لتغييره. أعني بالقلق ذلك الذي يجتاحك يوميا ليحضك على فعل الجميل من التعب.
{ كيف بدأت قصائدك الخروج إلى الناس، وكيف كان شعورك وأنت تعتقل لأول مرة؟
السؤال ده مالو قاتل كدي!!
قصائدي خرجت مثلما يخرج الماء إلى اليابسة والأطفال الغبش إلى لعب الشوارع. خرجت من أفواه بعض المغنين الصابرين على التعب ومن على المنابر المتاحة، ومن أشرطة الكاسيت البالية والمشروخة والمجروحة بنباح كلاب الحلة وصياح ديوكها وحفيف الأشجار بفعل هبوب السحر ومن الناسخين المبتلين بها وقطعا لا يعدم الناس الحيلة لإيصال أغراضهم أو للحصول عليها بيد أن خصومها بمحاربتهم لها جعلوها وللأسف الشديد مثلها مثل المحرمات من الحشيش والخمور البلدية تماماً!! كما أنهم بهذا الهيجان قد أصبغوا عليها ألقا لاتستحقه وروجوا لها من حيث لا يدرون. وأنا ممتن لهم في هذا الأخير باختصار كما دخلتني هذه القصائد من الناس العاديين فقد أخرجوها مني بطرقهم الخاصة هذا عن شعري. أما عن شعوري وأنا أُعتقل لأول مرة أقول إن المعتقلات حتى في العالم الأول لا توزع الحلوى والمشروبات المطعمة على روادها ولا تقابلهم بالحبور والترحيب والتصفيق الحار!! صراحة كنت أتوقع ألا أعود ثانية لحكم ما كان يجري آنذاك وأعددت العدة لهذا الذهاب بحيث أفرغت كل ما في جوفي وكل ما في متن كراساتي البالية في أشرطة كاسيت بمجهودي الخاص مع مشاركة بعض الطيبين من الناس ومن ثم أيقينت من هذه الرحلة أنه فعلا كان هناك من الناس من أوصد باب بيته أمام الشهيد الرائع عبد الخالق محجوب فبكيته ثانية !!
في هذه (المجارطة) لم أكتب وصاياي الأخيرة لأنها بين القصائد لكن المطاردين خذلوني بإقامة طيبة لولا أنني في معتقل موصد ربما لبعد بورتسودان عن المركز فإن الهيجان لم يصل بعد أو لحداثه التجربة، أو لحسن حظي أن رماني بين أمينين أوجبوا عليّ أن اعترف أنهم كانوا في غاية اللطف ولولا انهم في ذلك المكان لحسبتهم بشرا عاديين المهم حشروني بين أفارقة من مالي وغيرها هاربين من أوطانهم وقد جيء بهم من وسط البحر الأحمر أنقذهم خفر السواحل السودانية بعد أن قذف بهم قبطان السفينة إلى الأمواج، وكان رجال الأمن مشغولين في كيف يعيدونهم إلى بلدانهم كما أن واحدا منهم كان مكلفا بحراسة رجل من أهلنا بالشرق يحمل جواز سفر عربي بتهمة التهريب بعد أيام (فرّ زولي) في غرفة حبس منفصلة لأصحو ذات صباح واحد بجانبي المكلف بحراسة المهرب ف
جابوك تحرسني
– احرس لك شنو!! انا بقيت زيك واحد ، المهرب هرب!
– هرب وللاّ هربتو ..؟
لا والله زاغ مني في قهوة !
نسيت أن أقول إننا اكتشفنا وجود البلي بيننا من جاء بهذا البلي، وهل له استعمالات أخرى لم نهتم بهذا السؤال وانطلقنا نلعب به في غياب الضابط
بعد تخرجي منهم وجدتني أردد لنفسي (ربك قدر ولطف يا حمدي بعد ده البلد طوالي)، وما كانت البلد كان الصراع بيني وبين رؤسائي في العمل إلى أن تم رفتي بعد محاكمة صورية كان قرارها جاهزاً وحجتها قوية (الغياب عن العمل) !! لم أهتم بشيء سوى ( يا حمدي البلد طوالي) .. كانت البلد فكان أدب القصائد ينتظري هناك.
{ قصدت بسؤالي السابق حكومة مايو يقال إنها وضعتك قيد الإقامة الجبرية واعتقلتك مرارا؟
لا .. لا .. مايو براء.. حكومة الانقاذ هي التي وضعتني قيد الإقامة الجبرية في نوري وحرّموا عليّ صعود المنابر والمشاركة في الحفلات والليالي الشعرية بخطاب رسمي. وبما أنها (نوري) فهم لم يأتوا بكفر أو بإمان فلا أحد يشتهي مغادرة أهله إلا طلبا للرزق أو العلم أو العلاج أو أي ضرورة حياتية أخرى كما أن الكلام في القرى لا يحتاج إلى منابر. فالناس هناك يحادثون بعضهم البعض ويقضون أغراضهم عن طريق الحيطان !! كما أنهم يقابلون بعضهم البعض أكثر من خمس مرات في اليوم الواحد..
أما مايو فلم تعتقلني إلا لساعات قلائل تم استدعائي واستجوابي فيها بخصوص بعض القصائد التي سرقها أحد طلابهم من درجي وسلمها لهم، ولأنها كانت بخط يدي، لذا لم يكن من سبيل لإنكارها والتملص منها بعدها طلبوا مني أن أحضر لهم ولي أمري في اليوم التالي جئتهم بصديق من أبناء حلتي فيه بسطة في الجسم ويكبرني قليلاً وقت أن بحقلوا في شعره الذي يتدلى على كتفيه صرفهم بملاطفتهم وأفادهم بأنه خالي ويعمل بالتجارة، وقبل أن يسمع كلامهم إلى آخره التفت نحوي وقام بتوبيخي امامهم في غلظة أهل القرى وبعبارات جافة وقاسية مثل جبناك عشان تقرأ ولاّ تباري الكلام الفارغ (طعم الدروس) وعرفناها كما جابت لها نعل حيكومة !! بعد ما تمرق من هني حا أوريك ياكل…) حاش الضابط يد خالي المخول في الهواء وطلب منه أن يوقِّع على تعهدهم المعهود. مضى خالي المخول ومضيت بجانبه على التعهد ومضينا لحالنا ونحن نتجاذب اطراف الحديث (القصايد وينا يا حميد؟ القصايد عندهم .. كان تقول لي كنت شلتها منهم .. الضابط ده راجل طيب داير يمشينا وبس. والا لكنا في خبر كان .
بعد ذلك بزمن طردوني من المدرسة كما اسلفت وعاكسوني في الحصول على وظيفة الا بعد لأي بعدها عملوا كل ما من شأنه أن يبقيني كاتباً وإلى الأبد ثم جاءت الإنقاذ وتمت الناقصة!!

{ هناك تقاطعات بينك وبين الشاعرين المصريين أحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي هل كان لك اتصال بهما أم أنك كنت تغمس ريشتك في دواتهما دون أن تراهما؟
هناك تقاطعات بيني وآخرين من شعراء الهامش في كل الدنيا. ومثلما أن لا عالم يعيش في عزلة عن الآخر كما توصلت الأبحاث والتجارب العلمية مؤخرا كذلك على الشاعر ان يكون على صلة بزمانه وعلى اطلاع في ما ابدعه الآخرون في ميدان الكتابة متي ادرك لذلك سبيلا وبما ان لا شاعر ينوب عن الآخر في كتابة قصيدته كما ذكرت، فعلى الحركة النقدية بحسبانها المسؤول الاول عن إثراء العملية الابداعية عليها ان تضئ للناس هذه التقاطعات والمقاربات المنتشرة هنا وهناك بين كل شعراء العالم الذين ينتجون اغنياتهم من واقع غاية في الشبه من حيث التخلف والتهميش ويرنون باجنحتهم المرهقة الى فضاءات مشرقة بالحلم والامل في عالم اقل عتمة. فكل هؤلاء الشعراء يتنفسون هواء واحدا ولكن كلاً على قدر رئتيه. انظر الى اغنيات مصطفي سيد احمد تجدها في معظمها تنتمي الى ذلك البستان الواحد. صحيح ان اشجاره وازهاره تتبارى في اللون والطعم والرائحة، إلا أنها في النهاية هي ما تشتهيه النفس السودانية والتي هي في حقيقتها وفي خاتمتها نفس انسانية. ألا ترى انك ارهقت نفسك بالذهاب الى مصر؟!! ليتك قلت محجوب شريف اوهاشم صديق او القدال او السر عثمان الطيب او المادح حاج الماحي او غيرهم. إذن لانكشفت لك اسرار ومعانٍ متقاطعات في ترادف بهي بين قصائدنا نحن بناء ذلك الهامش (المصرم والمخشم والمنخمش) والذي انتج ذلكم الزخم الرائع من التراتيل العظيمة.
{ منحت المرأة في أشعارك وعيا سياسيا واجتماعيا مبدعا وخلاقا، وأبدلتها نداوة العطر وخمول الفكر بجمر الحقيقة والتفاعل مع الاحداث بوعي تام. كيف تسنى لك الامساك بتفاصيل امرأة مثل ست الدار او السرة بت عوض الكريم والتي لخصتها في انها مرا من صميم ضهر الغلابة الماب تنكِّس راسا غير ساعة الصلاة او ترمي تيراب في التراب او تستشف وجه الأديم؟!
لا لست انا من منحها ذلك الوعي هذا الوعي جاء نتاج مكابدة ارواح وتضحيات ممن صبروا وصابروا وباصروا حتي يحل الانسان في جسد المرأة السودانية. فدعني اشد على الايدي التي صنعت لنا هذا المجد ورسخت هذا التغيير من تنظيمات المجتمع المدني ومن بيوت اهلية ومن اناس معروفين وعلى تلك الأقلام التي سكبت مدادها ودلقت حناجرها لتروي غرس هذه القيم. وبما ان هذه الثورة ينبغي ان تمضي لمبتغاها فكان لابد ان يحفها غناء من روحها ليرسخ ويبشر من جديد بقيم ومفاهيم اكثر رقيا. اما في ما يليني مما ورثته من كل هذا فإن علم الجمال عندي وعند آخرين لايقرأ المرأة من زاوية الجسد وانما يقرأها آية من وطن ويفسرها انسانا مسكونا بحلم لغدٍ اقل قبحا منذ ان انتبهت الى فتيات بلدي الجميلات والقويات معا وتمعنت فيهن مليا اكتشفت ان من يوصفوهن يستلفون صور الشعر القديمة ويلصقونها بعناية او يركبونها بخيال جامح على اجساد بناتي واللاتي ليس فيهن تلك التي (الساق مليان لي نعاله) ولا توجد ثمة علاقة جمالية بين عيون الصيد الغبية وعيونهن الذكية والبالغة المقاومة الذاتية لزحف جيوش التراكوما والرمد الربيعي والعشا الليلي وخلافه تحت غطاء جوي كثيف من طائرات (النِّمتّي والناموس). هذا فوق اصابات العمل الناتجة عن صعوبة سبل كسب العيش في السودان شمالاً (تش عويش القش والواقود) والترابيات التي تكشحها رياح تلك البلاد الحارقة بشمسها التي تربض للناس أمام أبوابهم مزهوة بمناخ شبه الصحراء اللاهب صيفا والغاضب شتاء كل ذلك ما كان ليترك لهن بريقا في العيون لولا العناية الإلهية وقوة المقاومة الذاتية التي يتمتعن بها كما ذكرت، ضف الى ذلك ان طلوع النخل وتسلق الاشجار (وورود الماء من الحفائر ونشله من الآبار البعيدة ونزول القيف وصعوده والسروح خلف السعية في المراعي الشحيحة والقصية وافتراش الارض تحت لسع البعوض والقراص لا يورث الفتاة جسماً طريا ولا قواما لدنا كما يتوهمون)!!
بيد ان هذه النهود التي تهتز تخفي تحتها سرطانا قاتلا يتحين الوقت لينقض عليها. (وده المجننا).
المهم وقت ان انتبهت الى هذا وغيره من مفاهيم وصور جمالية منبتة ادركت انهم يبيعوننا غناء فاسدا ومغشوشا ولنكن منصفين فهو غناء قد عفا عليه الزمن. فتشت فيّ فوجدتني شاعرا خائباً لم يحسن وصف فتاته بالقمر فاستعاض عن ذلك بـ (نورا وامونة والطيبة وست الدار والسرة و… و…) صحيح انهن نساء فتقن الجمال ولكن ألا تراهن جنن اوجنين على انفسهن بركضهن في شبق الى وطن بلا رجال في حسنهن!!
{عم عبد الرحيم مثل ساحة للعراك الذي ينشب في اذهان الغلابة بين المطلوب في حده الادنى وبين المتاح في حده القاتل. اريد ان اسأل عن رمزية الموت الذي اخترته كاسدال لستار القصيدة. هل يعني ذلك ان لا امل وان الاحباط سيد الموقف؟

انت امته !! اما انا كمتلقٍ لهذا العلم لم أر موته. فعم عبد الرحيم افهمه مثالا والمثال لا يموت هذا العمل اراه غنيا بالتحولات حتي ان الموت فيه حالة تحوُّل ليس إلا. في مشوار لا ينتهي الا بملاقاة ذلك الذي يكدح له الانسان.
عم عبد الرحيم افهمه متجددا دائما وما دعم لي هذا الفهم ان مصطفي سيداحمد نفسه قد اكتشف هذا الفهم فعاد مرة اخرى الى فتاح يا عليم .. الخ . من جديد في ديمومة لا تنتهي ليس معنى ذلك انني مصيب في ما تبادر لي وفي ما قادني النص الى فهمه ولا انك مخطئ فيما تداعى لك ولغيرك من سامعيها. اعتقد ان مثل هذا البحث في القصائد يثريها ويفتح ابوابها المغلقة امام الادراك الشعبي ويجعلها متحركة في اتجاه متصاعد ومتلونة بمعانٍ كثيرة. وهنا تكمن القيمة الفنية لأي عمل والتي تتلخص في ان تحرك ساكنا حركة فيها شيء من الايجاب ولا يكون هنالك ايجاب الا اذا اضاء النص ركنا مظلما في عقل يبحث عن الابصار واخرج شمسا من اكمام العتمة.
والكلام عن قصيدة او اغنية عم عبد الرحيم سانحة لكي اكرر هنا ان كان ثِمة فضل لهذا العمل فيعود الى الصديق الشاعر عوض فضيل في سابقته حماد ود سعيد ولمصطفي سيداحمد الذي كان له ان تكون بين الناس ولكل الذين احتفوا بهذا العم عبد الرحيم بطرقهم الخاصة.
{ قبل اعوام كتبت قصيدتك الرائعة الرجعة للبيت القديم وقد تضمنت دعوة صريحة للعودة لهدوء ومثاليات الريف ثم هانتذا تحزم حقائبك الآن في اتجاه نوري هل الحياة في المدينة مؤلمة الى حد هجرها والهروب منها؟
الحياة في الريف اكثر ايلاما وقسوة حيث لا خدمات بل لا حياة الا لمن مات!!
اعلم انه صعب وقاسٍ ولكنه ريفي وهذه ليست مدينتي انها مدينتهم هم ولا (داعي لثقل الدم) ثم انه ليس من عادتي (التلبط) باشياء الآخرين على ان ادع لهم مدينتهم وهم خيرون فيها سمه هروبا، سمه ما شئت. اما انا فقد تأخرت كثيرا عن مثواي الاخير والذي مل انتظاري ليس عيبا ان اعترف بفشلي في اتقان لغة هذه المدينة (الملولوة) بعد كل هذا المكوث كما انك تراني (زول قاعد ساكت زي الحيكومة واحد)!!
اسمح لي ان احكي لك هذه الطرفة المتعلقة بهذا العمل الرجعة للبيت القديم لقد شتمني بعض اهلي من الشوعيين في مجلتهم الداخلية بسبب هذه القصيدة التي استدلو بها على انضمامي للحزب الاتحادي الديمقراطي عن طريق وكيلي رجل الاعمال المعروف صلاح ادريس حسب ما ذكرت الصحف !! ولا ادري ماذا لواطلعوا على ما كتبت من انشودة لعودة السيد مولنا محمد عثمان الميرغني والتي لم تتم وقتها على الرغم منا ان العديد من القوى السياسية والشعبية قد (توّرت نفسها) في الاعداد لهذه العودة او بكائيتي للصديق السيد محمد اسماعيل الازهري والتي فيها غناء واضحا لاتحاديته او مدحي للرسول صلى الله عليه وسلم !! او .. او .. مما يعده بعض المرضى والخائرين والخانعين والذين ينفثون سمومهم الليلية في صغار الشعراء سقوطا مدويا بعد ان اصابهم اليأس من التغيير الاجتماعي !! عموما وقت ان قرأت ذلك تذكرت انه في ذات صباح وعند رجوعي من المعتقل في اوائل التسعينيات اذا بي اسمع نفسي من تلك الاذاعة انبح بهذه القصيدة في صورتها الاولى فما كان مني الا ان صرخت في بنت اختي اقفلي الزفت ما بخصوص المجلة فقد اصابني الدوار والغثيان من الكاتب والرثيان ود البلد الاتريان الشاعر في كبد فظيع من السياسي حتي لو كان سياسية انهم جميعا اي السياسيين عندنا وفي كل الدنيا قطفة ثمار المبدعين كما ذكرت ولا حرج في ذلك .
{ كتبت بين الموجة والخزان حلم انسان وتغنيت بالسلام وللسلام فنهض الخزان سد مروي وتحقق السلام اتفاقا هل من احلام وطنية اخرى تداعب مخيلة حميد؟
اكتب عني لا هو خزاني ولا هو سلامي. فخزاني وسلامي لا ينتجان ضررا على الوطن والناس. فهما لا يهجران السكان لاماكن لا يرغبونها ولا يصادران اراضي ولاية بحالها لصالح غرباء وآخرين تحت اي مسمى، ولا يهملان امرالتنمية في الشمال الحزين علما بأن الكهرباء اعلى واغلى بكثير عن البترول في قيمتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا يقتسمان ثروة الوطن هكذا كصيادين تصادفا في القنص أو كمن يملكانه ملكا حرا ولا يشترطان شرطة الى نصفين في استفتاء او في غيره، ولا يضرعا مدينة ابيي ولا يرسما حدودا لجسد واحد بل ولا ينميان مشاعر البغضاء بين السودانيين عوضا عن تأكيد الروح الاخوية الواحدة، ولا فيه حكومة للشمال واخرى للجنوب ولا ولا .. مما لا يليق ولا يحق لاي كان ان يتصرف في مالم يفوضه فيه احد من المواطنين الحاليين او القادمين مستقبلا كان الاصح استغلال هاتين النعمتين بدلا عن ادارتهما بهذه الطريقة والتي فيها الطويل من قصر النظر. عموما لا زلت احلم بخزاني وسلامي على طريقتي الخاصة وسلاما على اهل دارفور كان الله في عونهم.
اسمح لي ان اؤكد هنا انني لست الوحيد الذي حلم بذلك ما قمت به لا يتعدى كونه ترجمة لاحلام شعبي المستحقة !! اوليس من المخجل والمؤسف معا ان يصبح بناء خزان وارساء قيم السلام حلما في وطن هائل الثروات والقدرات واهله طيبون ومتسامحون اصلا. قلبي على أولئك الذين يحلمون بوطن خالٍ من لسع البعوض وتفشي الملاريا!! نواصل .

قصائدك يسارية وانت رجل يميني (ختمي) كيف استطعت فعل هذا التناقض بكل هذا الجمال، وما علاقتك بالحزب الشيوعي وبرموزه الذين مجدتهم ذات عاصفة وعاطفة؟
{ كيف لك ان تسقط على ما هو ثقافي مفردات ومصطلحات السياسي القح!! ومالك كمن يرمي كل اليساريين السودانيين وفيهم المسلمون والمسيحيون، ومن كل دين بالكفر والالحاد وينفيهم عما يختارون من طرق صوفية؟!
– ومن قال لك إن الختمية وهي طريقة اهلي لفهم الدين يمينية بذات المصطلح السياسي المنفر في ذلك المكان.. وطيب ما دام في تناقض. من وين يجئ الجمال نان!!
القصائد مقصدها القلب دائماً، والخالق عز وجل هو الذي اختار لقلب الانسان موضعاً في اليسار، وليس انا!! بلغة اخرى، الشاعر عندما يضع قصيدته، يضعها كما تضع عرائس الاقمار انوارها، يهتدي بها من يشاء، فهي من المشاع بين الناس وليس لاحد حق ادعائها بابوية زائفة، طبعاً الشاعر بطبيعة خلقه لا يمكنه الوقوف متفرجاً في ظل مجتمع تناحري، فلابد له ان يحدد موقفه من هذا الصراع واليساريون (مجازاً) وجدوا في شعرنا انه يختصر لهم الكثير من المسائل الفكرية المعقدة والتي تحتاج زماناً وزماناً حتى يدرك العامة من الناس ابعادها، لان الاغنية لا حابس لها، كما انها سريعة الذوبان في النفس الانسانية. وهم- اي اليساريون- يعدون انفسهم من ذات الحلم الذي فيها.
فمن الطبيعي اذن ان يكونوا على اتساق والتصاق بها، وممن يعني ويعتني بها في حفاوة بالغة اكثر من الآخرين والذين يرون الغناء رجساً من عمل الشيطان فاجتنبوه.
اما نحن معشر الشعراء ما علينا بهم جميعاً، ولاننا فقراء و(مطاليق) هكذا كالهواء، نأتي الى المنتديات على نفقتنا وبطرقنا الخاصة ولا احد يتحمل عنا مغبة الغناء لشعبنا، فكل من يوفر منبراً حراً وآذاناً صاغية لقصائدنا نشكره اولاً قبل ان ندخل (حوش) القصيد.
عليك ان تعلم ان ليس كل اليساريين من محبي الشعر، ففيهم من لا يحفظ بيتاً واحداً عدا بيته السامق!!
صحيح ان الكثيرين من الناس بحثوا عن (اليسار) وعثروا عليه عن طريق اغنيات وردي ومحمد الامين وعركي ومصطفى سيد احمد وقصائد الدوش وهاشم صديق ومحجوب شريف وغيرهم ممن تواطأوا مع الوطن ضد اي قبح والتحموا بنبض الجماهير ولكن كل هؤلاء المغنين والشعراء لم تكن تلك مهمتهم، ولا هو همهم من الغناء او الشعر، ولم يكن شرطاً من الشروط ان تجذب تلك الاغنيات والقصائد متعاطفاً مع الحزب الشيوعي، ولم يكتبها اصحابها لتكون لافتات على طريق اليسار، كما ان المغنين لم يغنوا اغنياتهم لتكون طُعماً، او شركاً ينصب لتجنيد الاعضاء للحزب الشيوعي، وليس شرطاً ان تكون شيوعياً حتى تغني مع الناس (جميلة ومستحيلة) ولا محجوب شريف نفسه يكتب بتكليف من فرع منطقته او عمله، كذلك ليس شرطاً من شروط الابداع ان تكون عضواً في الحزب الشيوعي، وان كان شرطاً ضرورياً من شروط الشيوعي ان تكون مبدعاً وخلاقاً في مجالك وعلى سلوك قويم بين مجتمعك.
فالمبدعون في كل الدنيا والسودانيون منهم لهم حلم وامل في غد لن يأتي به غير هذا الشعب النبيل وقتما يدرك بوعي نابض معنى ان يعيش لينتصر لكونه ليس اقل شأناً من الذين ظفروا بها او يكدحون لاجلها تلك الجميلة ومستحيلة.
علاقتي بالحزب الشيوعي!! مالك تسألني ذات اسئلتهم.. على كلٍ عليّ ان اقول إن (حميد) واستناداً على معرفتي اللصيقة به، وكما ذكر مراراً، لم تكن له اية علاقة بالحزب الشيوعي عندما كتب كل (نوراته) و(جوابات ست الدار بت احمد للزين ود حامد) و(هاشم الاخضر) هذه الاخيرة فيها تمجيد سافر وتبرج مجيد لشهداء حركة التصحيح في يوليو 1791م والتي بسببها اهدر الاسلاميون دمه ورموه بالالحاد حتى ان احد الشيوعيين ومن كثر ما اثاروا خاف بعد الانتفاضة على حل الحزب الشيوعي بسبب شاعر هذه المرة!!
المهم ان حميد لم يمجدهم لذواتهم ولا لكونهم رموزاً للحزب الشيوعي وانما هم الذين مجدوا تلك القصائد بما وهبوه من مهج غاليات لاجل ان يحضن العالم ربيع وان يصحو على فجر بديع ولما اضفوا عليها من وهج لتشع من جديد ثم ليسوا هم وحدهم من مجدهم حميد او مجدوا قصائده فالكثيرون من (الاماجد) يزينون قصائد الشعراء السودانيين ومن بينهم حميد.. ان نغني لشهدائنا هذا اضعف الوجدان.. انت تعلم بالمقابل ان لسع قصائد حميد لم يستثن احداً من الخائرين في كل مجتمع الساسة كما وهذا امر بديهي لا تستطيع القصيدة الخروج لمقابلة من لا تثق فيه.
اذن تحميل القصائد فوق ما تحتمل ووضع اللافتات الحزبية عليها يجعل الشاعر مستهدفاً من البعض وهدفاً لآخرين وقد يضعه ذلك في المكان الخطأ، او في مكان لم يرتاده اطلاقاً مما يصيبه بالرهق!!
دعني اقول دعوا المبدعين لما خلقهم له الله من ابداع لشعبهم، دعوهم يفسحون خيول خيالهم ما شاء لهم الجمال ولا ترهقونهم بتلك القيود الثقال، وابعدوا شباككم وشراككم وفخاخكم ونبلكم وخراطيشكم عن العصافير ولا تشغلونها عن الغناء لوطن البنفسج.
ودعني اقول ايضاً كل منظمات وتنظيمات المجتمع المدني السوداني والتي الديمقراطية شرطاً من شروطها على العين والرأس فنحن نكاد الآن نبدأ في بناء مجتمع مدني يضطلع بدوره نحو هذا البني آدم السوداني الجميل، والمهم هنا ان ننتج ذلك المجتمع القادر على تحصين هويتنا السودانية من خطر الاندثار والتلاشي امام هذا الزحف الهائل علينا والمدمر لنا من كل الاتجاهات. ليت السياسيين يؤدون وينجزون واجبهم اليوم مثلما يفعل الفنانون الشرفاء.
{ انت الشاعر الوحيد الذي يمكننا ان نقول إن قصائده متحركة وغير ثابتة بمعنى انك تعمل فيها حتى بعد خروجها للناس فالكثير من قصائدك التي قرأناها مبكراً عدنا وقرأناها باضافات جديدة، هل انت مشغول بالكمال، ام انك ترى فراغات في قصائدك لا نراها نحن تسعى لملئها دائماً؟
من اين جئت بالشاعر الوحيد هذه؟!
– فالقصيدة عندي وعند الكثيرين عمل لا ينتهي لحكم قانونها كمخلوق حي يحمل بين مسامه عوامل تجدده وتطوره انها نبتة سحرية تستجيب فقط للرذاذ المكنوز في غيمة شاعرها لتزدان باوراق وفروع وثمر نضيد، كما لا اعتقد ان هنالك شاعراً لا يعود الى قصيدته ليتفقدها من حين الى حين ولو من باب الاطمئنان على عائلته.
القصيدة فعل دائم لا ينتهي الا برحيل فاعله، لذا فكل ما تجده امامك الآن قابل للتدخل متى ما اقتضت الضرورة الفني

والجمالية وتطورات الواقع الشعري والذي هو في حركة دائمة.
ارى ان القصيدة فضاء مفتوح على مصراعيه وفيه الكثير من النجوم المخبأة والتي متى ما توفر للشاعر رؤيتها ينبغي عليه ان يوفر للمتلقي فرصة ان يراها.
قصيدتك (الضو وجهجهة التساب) تجعلني اوقن ان من كتب هذه القصيدة ساحر وليس شاعراً فهي غنية بالصور الدرامية المؤثرة ثم ان وجوه المأساة فيها متعددة ولشخوصها اصوات تمثل كل ابعاد الفجيعة، حدثنا عن فكرة القصيدة ومراحل تطورها الى ان اكتملت بهذا الشكل الدرامي المستحيل؟
عليّ ان اقول لك شكراً على هذا الاطراء الذي لا استحقه، فانا اشتغل شغلي ولا انتظر حافزاً من الآخرين.
يمكن ان نقول إن سر هذا العمل يأتي لكونه اعتمد على الالتقاط من افواه المفجوعين بفيضانات العام 1988 القومية اولئك البشر الذين تركتهم السلطات يصدون حتى الصدأ لوحدهم وبأذرعهم فيضان نهر غاضب موّار ما رأوه من قبل ولا طاقة لهم به.
فيما يليني فقد قمت بتجميع هذه الصراخات من هنا وهناك حتى صارت كما هي عليه، فان كان ثمة فضل في هذا العمل فهو اولاً واخيراً لاولئك الذين دائماً هم المحرك الاول لكل ما هو جميل وانها لبضاعتهم وارجو ان اكون قد رددتها لهم غير منقوصة.
بالمناسبة اخذت (علقتي) على هذا العمل بأثر رجعي، فقد كتبته كما تعلم ابان حكومة الاحزاب ليكون من اجندة استجوابهم، في الحقيقة معظم العلقات والزنقات كانت عن اثر رجعي لما كتب قبل العام 8891م واغلبها لتشفي شخصي للغاية ولتصفية حسابات قديمة بينهم وبين والدي (الخليفة) حسن سالم عليه رحمة الله والذي كان يهزمهم مجتمعين ويغيظهم دائماً (ايام جبهة الميثاق الاسلامي) بـ(لا تضليل باسم الدين.. وحتى.. نحنا نأيد حزب السيد.. الى ان عاش ابو هاشم حوض العاشم) والنصيحة لله لديهم الحق في كل ما فعلوا لان آباءنا لم يتركوا لسمومهم ان تندس في دسم الدين.. ليهم حق بس ما قدر ده!!
{ قصائدك الاخيرة اتت مهادنة هل لانك تعايشت مع الواقع ام ان اليأس من التغيير الذي تنشده قد تسلل الى نفسك؟
– بالله عليك تعال وانا امدك بالنصوص على حسب تسلسلها التأريخي واكون سعيداً لاختيار قصائدي حتى ازداد يقيناً انها لا تخالف الواقع الا بمقدار ما في ذلك الواقع من تعرجات لا يراها الآخرون.
فقصائدي الاخيرة كلها تتحدث عن السلام.. السلام.. السلام وليس السلام الكلام، وذلك منذ انتفاضة (ابريل) وهذا الامر بالطبع به متسع لا متناهي من الحلم، فالسلام هو ما تحتاجه هذه الارض لينعم الانسان بالطمأنينة والامن والاستقرار.
عليك ان تتخيل ارضاً خالية من اسلحة الدمار الشامل وغطرسة الحكام واطماع البعض في خيرات الآخرين اما مسألة الثورة فلا ادري مفهومك عنها عموماً ارى ان اي نص متماسك وجميل هو نص ثوري ما دام قد كتب بصدق واستوفى كل الشروط الجمالية اي ثورة تلك التي اعظم من الجمال؟! اما مسألة (الثورة) بذلك المفهوم يا سيدي نحن لسنا وحدنا المعنيين بتثوير الناس على الضالين من الحكام وانما نتوسل الناس ان يعيدوا قراءة الواقع بأفق مفتوح لصياغته وفق رؤاهم من جديد فالقصيدة لا تقترح حلاً لاحد هي تضئ وتبصر الناس تحت ضوء الجمال وهم وحدهم المعنيون بأخذ الحياة، وتغيير الواقع لا يقع تحت عبء الشاعر او الفنان لوحده والثورة لا تأتي استجابة لاماني الشعراء والا لامتلأ العالم ثورات وثورات وانما هناك ظروف موضوعية تؤدي للثورة مثلما هناك قانون معلوم يؤدي لـ(الخورة) وهذه الخورة من الخور.
{ اشعارك منحت البعض ملاذاً آمناً فماذا منحتك انت؟
– ان كان ذلك كذلك فشكراً لاشعاري فهذا يعني عليّ ان انسى انها لخبطت بعضاً من نموي الطبيعي بين اقراني منذ اخريات صباي وبدايات شبابي وهي تحملني مسؤولية الشاعر كما اسلفت عليّ ان انسى انها كانت سبباً مباشراً في طردي من المدرسة قبيل امتحانات الشهادة السودانية ومن ثم الاكتفاء بدرجة نجاح متواضعة عن مواصلة الدراسة عليّ ان انسى انها تسببت في بقائي عاطلاً عن العمل ردحاً من الزمن لسوء سلوكي ابان نظام مايو عليّ ان انسى انها عوقتني عن الترقي في العمل لهروبي الدائم الى حيث تنتظرني المنابر الطلابية في وضح النهار عليّ ان انسى انها كانت سبباً وجيهاً لاعتقالي وتشريدي ومن ثم فصلي عن العمل عليّ ان انسى كل تلك (التلاتل) التي لاقيتها منهم، عليّ ان انسى مرارات الغربة (الصح صح) وليست تلك التي في (اتبرا)، عليّ ان انسى انني نسيت كل ذلك.
نواصل

ناهضت حكومات العسكر وحكومات الاحزاب والحكومات الشمولية. ما هو شكل مومضمون الحكم الذي يُسكت غضبك ويصرف مدادك الى موضوعات اخرى؟
لقد سألوني ذات مرة في معتقل بكريمة هذا السؤال وبالنص. فأجبتهم بالحرف الواحد ذلك الذي يملأ حفائرنا وجداولنا بالمياه ويساعدنا على الحياة. فنحن اهل زراعة.
الآن يمكنني أن اقول ذلك الذي بين نبضات قصائد واغنيات وموسيقى ولوحات وكتابات العديد من المبدعين الرائعين ومن بينهم حميد وهو ذاته الذي بين جنبات الرائعين من اهل بلادي الفقراء. لاحظ انني لم اقل ذلك الذي بين برامج بعض الاحزاب السياسية او خطب الوزراء حتي لا اوصم بالمبالغة!!
{ يقال ان الانقاذيين يقرؤونك اويسمعونك سراً؟!
ليس سراً ما داموا يسمعونني فأنا اغني بصوت عالٍ للغاية ومبث في كل الاماكن وليس ثمة ما يدعوهم الى هذه السرية. فأنا لم اكتب الا ليقرأني كل محبي الشعر من كل الاجناس ثم ان اغنياتي وقصائدي حائمة بين الناس ثم ان شعري ليس مكرسا فقط لمناهضة الحكومات الشمولية والديكتاتورية لوحدها، بل ان ما انتجته من اغنيات (سادة) يسع الجميع تقاسمه قرابة الثلاثين مغنياً ومغنية هذا غير الذي ينتظر صاحب نصيبه. فالشاعر لا يكون في خصومة مع نفر من الناس الا بمقدار ما في أولئك الناس من حنق عليه وعلى موطنه وعلى قصائده.
صحيح أن نظام الانقاذ شأنه شأن كل الانظمة العسكرية والشمولية التي مرت علينا بادرنا بالعداء وعاملنا معاملة العتاة من المجرمين واقسى من المعارضين السياسيين مع انه رفع ذات الشعار الذي في قصائدنا حتي ان احد الاصدقاء صاح بي والانقاذ في شهرها الأول (ياخينا شعرك ده بعد كده موصو واشربو. الجماعة ديل تبنوهو بالنص!! طبعاً لا ادري كيف فات عليه ان السياسين خاصة المغامرين منهم كلهم قطفة ثمار والوصول الى السلطة في كل العالم يتطلب شراء شعاراتها من افئدة الفقراء والبائسين من الشعب.
قلت انهم عاملوننا تلك المعاملة ونحن معشر الشعراء المغلوبين على شعرنا لا شأن لشعرنا بالاجرام ولا بالمعارضة السياسية على تلك الشاكلة. فشعرنا يهتم بالمقاومة ، مقاومة القبح في اي ثوب كان ومن بينه قبح السلطان ستقول وما الفرق؟ اقول لك ان المعارضين يطلبون السلطة السياسية على الشعب والوطن بكل خيراته المادية والروحية بما فيها الشعراء ولهم ادواتهم ووسائلهم. الى ذلك ومن بينها البندقية كما انهم مثلما اوردت قطفة ثمار كدح المرهقين من المبدعين في كل مجال واليهم تؤول غير ان المقاومين من الشعراء يحضون الشعب الى وطن بلا متسلطة وكل وسائلهم وادواتهم في ذلك الحس والحرث الجمالي على ارض الواقع ويحثونه بطول نفس عميق. اظن ان ما من شاعر يصفق له عامة الشعب يسعى لأن يكون سلطاناً عليهم في يوم من الايام.
{ البعض يتحدث عن علاقة حميد ببعض اهل السلطة ويرى في ذلك نكوصاً غير محموداً. ماذا تقول لهم؟
يا اخي لو كانت العلاقات الانسانية تبنى على الايدلوجيات، لامتلأت الشوارع بالمطلقين والطالقات من نساء ورجال هذه البلاد!! تجدني شديد الوفاء لكل اصدقائي من كل طيف وبما فيهم المجانين من البشر. وتراني محصناً بالعاديين من الناس والذين لا ولن يسمحوا لشاعري ان ينزع جلده الذي ألفوه ولا ان ينزغ نحو علاقة لاتأتي هكذا كماء المطر بلا تكلف. بعدين انت ليه ما يكون هم العندهم علاقة بي حميد زي ما قلت لي واحد صاحبي دايما يصقعني مباري فلان وعلان من ناس البلد الذين هم على مكانة عالية من حسن المعشر احلال على السياسيين من كل جنس ان تزدهر بينهم العلاقات وحرام على اي مبدع ان تكون له علاقة انسانية باي سياسي آخر حتي لو كان من لحمه ودمه؟! فهذه العلاقة حتي وان كانت لها جذور قديمة يعده البعض سقوطاً مدوياً مثلما حدث للفرعون وردي!!
طبعاً غلبك تسألني مباشرة علاقتك شنو بمن تحتاجون انتم معشر المحاورين وعمال الصحافة الى لعثمات ومقدمات طويلة حتي تأتون الى اسمائهم اما انا فشأني شأن اهلهم اناديهم بلا ألقاب ونتجاذب اطراف الحديث في المشترك من شؤون. بالمناسبة اقول لك هسع ده تهف لي من قعدتي دي امشي توش ناس صلاح قوش (مالك طيرت عيونك كدي؟ ادرك سبب ذلك وسوف احكي لك عنه فقط عليك الا تمل).
اقيل واتونس فلان دار يعرس فلاني طلقوها علان راقد اسبتالي ونتغالط المريخ راح يغلب الهلال والعكس والولد ده غناي والعكس ونتفق في ان المواصلات صعبة واجي صاد لا شايل ورقة ولا راجع بيها ولا يا صلاح انا دايرك لحظة لكنني (خت تحتها خطين) لا اسعى اطلاقا للظفر بمقابلة السيد الفريق الركن صلاح عبد الله محمد صالح هو دحين وزير ولا مدير جهاز الاستخبارات والأمن الوطني بمفردي مش انا براي الكدي ناس كتار كدي بالمناسبة وليس دفاعا عن الرجل الكثيرون من خصومه السياسيين ظلوا يصورونه وحشا ضاريا ومصاص دماء وعلقوا عليه شخصيا كل مرتكبات نظام الانقاذ مستغلين في ذلك سمعة الاجهزة الامنية السيئة والمتخثرة في كل انحاء الدنيا التالفة وقالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمر. خارجين بذلك عن التحليل العلمي السليم وبصيرته النافذة ومن كثر ما عزفوا على هذه الوتيرة حسبتهم انهم يقصدون شخصا غير هذا الصلاح ود عمك عبد الله ود حمد صالح والذي توثقت علاقتي باسرته منذ اواخر السبعينيات في بورتسودان والتي هي ابعد من مدينة اتبرا وبالتالي هي الاشد غربة لامثالي من المرخرخين في مسألة البعد عن البلد هذا الصلاح وبحكم نشأته في ذلك البيت الكبير والمفتوح لكل القاصدين مدينة بورتسودان من طلاب العلم والباحثين عن الرزق والعابرين للاراضي المقدسة للحج او الزج بأنفسهم في اتون الاغتراب هذا فوق انحداره من نوري ونوري افلح قرية في تربية ابنائها هذا البيت بيت ناس عمك عبد الله والذي احفظه وغيري جيدا لا يقوى مجتمعا على ذبح دجاجة واحدة الا لضيف او مريض

شأنه في ذلك شأن معظم بيوت ناس السودان الذين يكشون من رائحة الدم حتي دم خروف الكرامة او الضحية او السماية وذات الخصوم لصلاح ومن بينهم انقاذيين عادوا بعد حادثة غزو ام درمان يكيلون له المدح واوشكوا ان يصبحونه بطلاً قومياً!!
اسمع هذه الطرفة المتداولة عند اهل الحركة الشعبية شكا رجل من السياسيين من ان صلاح بوش كان يشرف على تعذيبه وذلك باجلاسه على كرسي ذي ثلاث شعب (أرجل) وصلت هذه الشكاية الى الراحل العظيم د. جون قرنق فرد مازحاً ابو ثلاثة ارجل منو؟ هو ولا الكرسي؟! والغريب ان صلاح قوش جمعته بالرجل السياسي واحدة من المناسبات ولم يعرفه الرجل فما كان من قوش الا ان ضحك ملياً في صمته وعرفه بنفسه بين جمع من الناس فبهت الرجل السياسي الضليع) حتي المسؤولين في الدولة ينادونه صلاح بوش ويلتفت اليهم!! وشتان ما بين بوش وقوش والاخير عالم رياضيات هندي كما اظن!! حتي لا يذهب الشامتون بعيداً اقول ان علاقتي بكل الناس من كل طيف هي لله هي لله كما اراها وما علي بطبيعة شغلهم بعد ذلك وانا عندي كبير الجمل.
نافلة القول ان مثل هذه العلاقة لم تجعل القائمين على امر النشر المرئي والمسموع والمقروء بفتح المجال امام قصائدي او على الاقل تلك التي تمجد السلام من زاويتها الخاصة كما انها لم تشفع لي في ان لا اخذ نصيبي من تلك الفظائع اظل هكذا اجتر الكثير من مرارات تلكم الايام وهي لن تمنعني متي ما سنحت الظروف من رفع دعوى قضائية على النظام القائم بشقائقه لأنه كان سبباً مباشرا في قطع عيشي وتشريدي عن الوطن.
هل كان هنالك رد فعل مباشر من مجيئك تجاه هذه العلاقة او غيرها من العلاقات؟
طبعا.. فاحد اولاد البلد كتب قصيدة بحالها هجاني فيها هجاءً مراً بسبب هذه العلاقة العادية جدا والتي جمعتني بهم في منظمة خيرية تضم كل ألوان الطيف من اجل النهوض بالمنطقة تلك القصيدة لو وافق ناظمها على نشرها ليس لدي ما يمنع فهذه رؤيته وهذا تقديره للعلاقة مع انه ندم عليها بعد ان تكشفت له الامور وقت ان قدمت له المنظمة مجهودا رائعاً في مجال شأنها شأن خطها العام والذي لا يستثني مؤسسة او جهة او اسرة تستحق مد يد العون لها ثم انك سبق ان شتمتني في جريدة الوفاق بسبب علاقتي مع رجل الاعمال صلاح ادريس واظنك ندمت على ذلك.
{ النظر الى الوطن من الداخل هل يختلف من النظر اليه من الخارج بخاصة وانك كنت مغترباً على الشاطئ الآخر من البحر؟
ذرني ابدأ من النهاية كما اجبت ذات سؤال هي ليست غربة انما ظروف اضطرتني للنجاة بجلدي وكثيرا ما اوضحت ان السبب المباشر في هذا الخروج عن نص الوطن هو وصية الراحل مصطفي سيداحمد والسبب الآخر لأظل على قيد الحياة فقد حاصروني بصورة ممتازة ونجحوا في خنق حركة قصيدتي حد التصفية وبالرغم من انها فترة بها الكثير من المرارة ما يصيب المواطن السوداني عادة لحظة خروجه مرغماً عن الوطن الا انها جعلتني ارى الناس والوطن والتجربة الشعرية بموضوعية ارحب وعرفتني على الكثير مما يندرج تحت فوائد السفر رغم انها اصابتني بالعميق من العشق للزول السوداني مما صعب عليّ احتضانه في القصيدة دون بكاء.
بمناسبة مصطفي سيداحمد فقد الغت تجربته الغنائية مصطلح شاعر غنائي او الشعر الغنائي وتغنى بنصوص ما كان يمكن ان تغنى لولاه ومن ضمنها بعضا من نصوصك كيف كانت رحلة الآمال والآلام بينك ومصطفي، وماذا تقول عنه وفيه بعد كل هذه السنوات؟
قلت كثيرا انها علاقة حوش انساني كان خشم بابه الغناء والمجال لا يسمح بسرد كل تفاصيلها. وقلت انني اعتقد انه قد اغتيل عن قصد او بحسن نية المهم انهم اغتالوه او اننا قتلناه او قتل نفسه متعمداً بالغناء على تلك الطريقة المقصرة للآجال سيتذكر العالم ساعة فواق انه طرد فنانا خلاقا ومنع عنه الحياة لا لشيء الا لأنه قد جاءه مبكرا بعض العشق.
نواصل..

{ هنالك دائما علاقة جدلية بين حميد والانظمة السياسية على اختلاف مشاربها ومآربها والناس يختلفون حول هذه العلاقة الكثير من الحكايات نريد ان نعرف حقيقة ما جرى معك والانقاذ في ايامها الاولى من اعتقال او مساومة؟
يا الله … تاااااااني .. يا اخي الانقاذ عندما لم تجد من تعتقله من الناس انشقت الى نصفين لا لشيءالا ليعتقل نصفها. النصف الآخر كما يتهكم البعض عليها !! ثم انني لست مناضلا الا بقدر قصيدتي التي لا بطولة في بيت من بيوتها بل فيها اقل ما يمكن تقديمه من واجب عزاء لفقدي اوعربون وفاء تجاه بلدي. انا لا احبذ الحديث عن اعتقالاتهم لي لأن فيها الكثير من المرارات التي من الصعب غفرانها اونسيانها. باختصار شديد هم كانوا يتمنون لي مصير قريبي الشاعر ابو ذر الغفاري والذي لم تنجه هشاشة جسمه منهم اخذوه ذات يوم ولم يعد حتي الآن بدورنا بحثنا عنه في كل الدنيا ولم نعثر على اثر له ففوضنا أمرنا لله خالق الشاعر وقاتله معا. فالشعراء يا سيدي لا احد يفتقدهم سوى اهليهم واصدقائهم المقربين والمخلصين من الناس.
واهم ذلك النظام الذي يظن في شاعر ما اكثر مما في قلبه من القصيد وواهم اكثر ذلك الشاعر الذي لا يصدق انه لسان شعبه فحسب، ولن يصبح ملكا سياسيا في يوم من الأيام لأنه لا ولن يصلح الا لما هو ميسر له.
في ما يخصني بدأت انظر للامر كأنه مؤامرة متفق عليها بين الانقاذ وكبار معارضيها على شعراء المقاومة السودانية ممن ذاقوا الامرّين في سبيل الكلمة (المعارضون يبثون قصائدك دون استئذان ويستخدمونها في مقارعة اهل الانقاذ وهؤلاء يرونك نجوم السماء في وضح النهار) وفي الاخير يجلس الخصمان اللدودان لبعضهم بعيدا عن القصيدة فيتصايحون ويتنابذون ليباركونها في النهاية حكومة وحدة وطنية!! او كما يقول ذلك المثل السود اماراتي (شيخ يسكر .. وشيخ يسفر!!) فهل تجد تفسير لاقتسامهم سلطة وثروة البلد وترك الأمة السودانية بشعرائها هائمين على ظهورهم يتبعهم الغاوون؟
انا لم اجد تفسيراً لكيف ان معظم الذين اصدروا الأوامر لاعتقالي او اشرفوا على تعذيبي هم الآن في الضفة الاخرى من الانقاذ في جوفي من يعتقد ان الانقاذ هم اولئك الذين رحلوا للضفة الاخرى او كانوا وما علي بخطل السياسيين او انهم اولئك الذين يحملون السلاح مناضلين ضد النظام في دارفور مثلما لا اجد تفسيراً لعزل المبدعين عن كل الملتقيات التي تتدبر في قضايا الوطن الجامعة وعلى رأسها قضية الحرب والسلام. وكمثال اخير ملتقى اهل السودان الجامع للسلام وعدم توجيه الدعوة لأي كيان فاعل منهم الا لكون ان السياسيين هم قطفة ثمار المبدعين ومع ذلك سنغني للسلام العام سلام مجتمعنا القادم لا سلامهم الخاص كما والحمد لله ان معظمهم لن يعمر أكثر مما عمر.
أما بخصوص مساومتهم لي فقد كانوا كثيرا ما يعرضون عليّ أشرطة لشعراء ومغنين بائسين وهم يشاركونهم احتفالات اعيادهم ويلتفتون نحوي في مكاواة عقيمة!!
اما اذا كنت تقصد تلك المساومة الكريهة فهم لا يساومون من طرف..!
الحق يقال انهم رغم كل أمن فقد كان البعض منهم يقدر حميد الشاعر بحق ويدرك اصلي وفصلي جيدا يبدو انها سانحة لاعترف ايضا انه وبعد عودتي من السعودية لم يتم استدعائي سوى مرة واحدة دي ما الانقاذ دي حكومة الوحدة الوطنية !! بسبب ورود اسمي ضمن المشاركين في فعالية كان من المزمع قيامها في جامعة الخرطوم وفاء لشهداء رمضان الغريب في الأمر انهم هم من اعلموني بتلك المشاركة المهم انهم كانوا كمن يحتفوا بي اولا مالنا نحن الشعراء دائما ما نعترف بالجميل من حيث اتى ومالي اقر انه ساعة ان يكون الأمن امنا وطنيا وليس امنا لنظام ما قد نضجت تماما فشكرا لكل الذين يكدحون لذلك.
{ ما دام ان الامر كذلك كيف استطعت السفر عبر مطاراتها الى الخارج؟
من قال لك إنها مطارات؟! هو مطار واحد ولأننا نحب الزيادات فنحن نقول لسائق التاكسي (ماشين مطار الخرطوم) !! وكأن هنالك مطار غيره ثم من قال لك ان المطار كان مغلقا!! صحيح أنه يوجد حظر للأسماء في الداخلية ولكن كان المطار مفتوحا على مصراعيه كخشم الدول الشحاذة فمن مصلحة الانقاذيين آنذاك ان يخلو لهم وجه الوطن وان يترك الناس لهم السودان لتصبح لهم هموما اخرى مثل ان ينشغلوا بالاطمئنان على (عقابهم ) عن طريق التلفون مما يوفر دعما سخيا لخزينتهم وهذا ما كان لهم !! للاسف الشديد بلع السياسيون والمثقفون طعم خصومهم فاقاموا حفلات العبور في المنافي فرحا بنجاتهم وهم يحكون عن بطولة كيف فلتوا الى هنا ليحللوا الحصول على ذلك الكرت الاخضر ومنهم من اغتنم فرصته في تحسين الاوضاع المعيشية والدراسية له ولابنائه واكتفى بالنضال عبر الفضائيات والشبكات والمواقع الالكترونية ولم يفتح الله على اي جهة منهم بكلمة طيبة تخفف قليلا عن هذا المغفل النافع!!

من تقرأ ومن هو الصوت الشعري الذي تشعر بالدهشة أمامه؟
انا لا اقرأ في هذه الايام الا في صلاتي بالاضافة الى الفاتحة على الراحلين من الأقارب والاصدقاء والمعارف وما اكثرهم هذه الأيام وكذلك اللافتات التي تعينني على الوصول عند زيارتي لاحد من الناس وارقام كروت شحن الهاتف وعناوين الأخبار، لكني اسمع لاسمع وارى لارى سمعت وسمعت ورأيت ورأيت واسأل الله ان يكون في عون هذي البلاد فأنا اسمع صمتاً داوياً وارى شجراً يسير.
{ المنابر التي ترتادها هل هي منابر مشروطة ؟
لا اذيع سراً ان قلت انني ألبي كل الدعوات التي تصلني من اي جهة ترغب في تقديمي لجمهورها بشكل يليق بالشعر وبالشاعر متى ما سمحت الظروف لذلك ولا اسأل تلك الجهة عن اي ثوب سياسي ترتديه؟ ببساطة لأنني اثق تماما في قدرة قصيدتي على اختراق كل المسامع وفرض خطها الوجداني الجميل على الجميع باختصار شديد يمكنني الهتاف ان قصيدتي قد انتصرت اخيرا .
{ اشعارك منحت البعض ملاذا آمنا فماذا منحتك أنت؟
ان كان ذلك كذلك فشكرا لاشعاري فهذا يعني على ان انسى انها لخبطت بعضا من نموي الطبيعي بين اقراني منذ اخريات صباي وبدايات شبابي وهي تحملني مسؤولية الشاعر كما اسلفت على ان انسى انها كانت سببا مباشرا في طردي من المدرسة قبيل امتحانات الشهادة السودانية ومن ثم الاكتفاء بدرجة نجاح متواضعة عن مواصلة الدراسة على ان انسى انها تسببت في بقائي عاطلا عن العمل ردحا من الزمن لسوء سلوكي ابان نظام مايو على ان انسى انها عوقتني عن الترقي في العمل لهروبي الدائم الى حيث تنتظرني المنابر الطلابية في وضح النهار. على ان انسى انها كانت سببا وجيها لاعتقالي وتشريدي ومن ثم فصلي عن العمل. على ان انسى كل تلك التلاتل التي لا قيتها منهم. على ان انسى مرارات الغربة الصح صح وليست تلك التي في (أتبرا). على ان انسى انني نسيت كل ذلك!.
{ ماهو ما يشغل حميد الآن؟
تدابير الرحيل عن هذه القرية الظالم اهلها وتدبير الاستقرار الابدي هناك في نوري حيث على الاقل لن ترى كل هذا المؤلم على الطرقات وبين الصدور
انا ممتن لكل الذين احبوا مكوثي بينهم ولكن للضرورة احكام واسأل الله ان يخارج كل ابناء الهامش من هذا القرف المميت.
ودعناكم الله ونسمع عنكم كل خير
من المحرر:
فاتني ان اسأل حميد عن هل القصيدة تستحق مثل كل هذا العناء !! وفاتني ان اسأله عن جدوى قصائد المقاومة في بلد يعلق شعبه على القدر كل اخفاقاته وفاتني ان اسأله عن الكثير المثير ولكني اوعد القراء بعودة اخرى الى حيث حوش القصيد كما يقول حميد والى حيث تنمو المفردات المدهشة في جوف هذا الشاعر المستحيل.
انا ممتن لحميد على هذا الحوار والذي اراد به ان يطلق شمساً اخرى مع شموس اشعاره التي لاتغيب. فالعبارة التي تجعلنا نصفق متعة ودهشة في اشعاره وجدناها هنا على مدار خمس حلقات ممتعات. فاللغة عند حميد هي خادمة الفكرة وليست غاية في حد ذاتها ولأن الافكار افكار جديدة استوجبت لغة جديدة وتشكيل جديد لحميد ولنا عودة.

أجراهُ : عثمان عوض ضرار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!