حوار مع الراحل الحاج مضوي محمد أحمد.. شيخ السياسيين السودانيين وأحد المناضلين من أجل استقلال السودان

95

حاوره: عادل عبد الرحيم- محمد عبد الحكم
شيخ السياسيين السودانيين وعميدهم الحاج مضوي محمد أحمد قضى سنوات عديدة من عمره تجاوزت السبعين عاما في العمل السياسي، وهو من الرعيل الأول الذي ناضل من أجل استقلال السودان حتى تحقق، مناضلٌ صلبٌ ذو بأس ورأي، شهد كل العهود التي مرت على البلاد الديمقراطية والعسكرية فعرفته المنابر متحدثا يجهر بالقول في أحلك الظروف، وخبرته السجون والمعتقلات مقاتلا في صفوف حزبه دفاعا عن مبادئه التي آمن بها مما جعله محل تقدير واحترام لخصومه قبل مؤيديه، فهو الرجل الذي قيل فيه لو كان النيل وشاحا لاستحق أن يوشّح به الحاج مضوى محمد أحمد.
* الميلاد والنشأة؟
من مواليد العيلفون في 1915 وهذا عمر تقديري بالحساب وليس لي شهادة ميلاد، ففي ذلك الوقت لم تكن الشهادات موجودة. نشأت يتيم الوالدين فقد توفيت والدتي رحمها الله بعد الرضاعة مباشرة، وبعد انتقالها بعامين لحق بها والدي. وأنا أصغر أشقائي (أخ، أخت)، لذلك ترعرت تحت كنف جدّي (والد أمي)، وقد أولوني رعاية واهتماماً مما خفّف من فقد والدي مبكراً، وكانوا مصدر سعادتى وفخرى، التحقت أثناء تواجدي معهم بخلوة الفكي الأمين شنان وأيضا خلوة إبراهيم شنان وكانت إحداهما تقع في منتصف الحي، والأخرى في نهايته، وتخرجت من هذه الخلاوي ولم التحق بالمدارس التي كانت قليلة جدا في ذلك الوقت.
* وبعد الخلوة؟
– وبعد الخلوة كنت أذهب مع إخوتي لبيع البلح والليمون نشتريه من أصحاب “الجناين” ونبيعه في السوق، وأيضا كنا نجمع باقي الفول من المزارع ونبيعه، وأذكر أيضا أننا كنا نشتري البيض (11بيضة بقرش) ونذهب بها للسوق فنبيع البيضة بقرش.
وفي تلك الفترة جاء أعمامي وطلبوا من جدي أن يأخذوني معهم للخرطوم فرفض جدي طلبهم حيث كانوا يملكون “دكاكين” في الخرطوم، ولكن تحت إصرارهم وإلحاحهم وافق جدي على ذلك، وذهبت للخرطوم وخرجت من الخلوة وكنت قد انتهيت من سورة الرحمن ولم “أُختن” بعد، حيث كان الختان يتم في عمر أكبر من الآن بكثير، فأقمت مع عمي الذى يسكن في الخرطوم تلاتة جوار ميدان عبد المنعم وكنت أذهب للعيلفون يوم الخميس في آخر الأسبوع.
وكيف كانت علاقتك بالعمل السياسي في ذلك الوقت؟
لم تكن لديّ علاقة بالسياسة في حينها، وجُل اهتمامي بعملي فقط حتى تزوجت في عام 1937م، إلى أن ظهر مؤتمر الخريجين بفكرة من أحمد خير المحامي في عام 1938، وبدأت أجد نفسي معجبا بالزعيم إسماعيل الأزهري ومشدوداً إليه والذي كان يخطب في الندوات السياسية ومنذ ذلك الوقت أصبحت من المتابعين لندواته، ثم تكوّن مؤتمر الخريجين وحتى ذلك الوقت لم أكن منتسبا لهم، وكان هناك أيضا (الأنصار) لكني كنت أميل لإسماعيل الأزهري والرجال الذين من حوله، وبعد ذلك أصبحت ناشطا في العمل السياسي الذي تشرفت بالعمل فيه، ولم انضم لمؤتمر الخريجين لأنني خريج خلوة حتى جاء قرار أن كل من (يفك الخط) يمكن أن يصبح عضوا في المؤتمر وبذلك انتسبت له.
* هناك قول إن هذا القرار قُصد به ضمك لمؤتمر الخريجين؟
– لم أكن وحدي، هناك آخرون دخلوا معي المؤتمر من الذين يفكون الخط، صحيح هناك رأي أن القرار سببه الصراع حول رئاسة المؤتمر بين إبراهيم أحمد وإسماعيل الأزهري، وإن منحنا عضوية المؤتمر للمشاركة في التصويت لأحدهما، وأنا كنت من المحبين لإسماعيل الازهري، ووجدني الجميع في ذلك الوقت ناشط ومخلص ومندفع (لديّ حب كبير للأزهري) الذى كان يلتف حوله رجال أخيار وتجدني أتحسر على تلك الأيام بخيرها وشرّها.
* وكيف كان الاستعمار في ذلك الوقت, هل كان قامعا للشعب ومُذلا له؟
– أقول لكم حقيقة إن الاستعمار الإنجليزي كان أفضل من المستعمرين الآخرين (الفرنسين والألمان)، فالإنجليز هم أصحاب سياسة ولا يميلون للعنف، فتجد السياسة عندهم أكثر من العنف، والدول التي استعمرها الإنجليز تجدها أفضل حالا من غيرها، ولكن بالرغم من كل ذلك فالوجود الأجنبي وحكمه للبلاد لا يعجب أحد.
وأكثر ما يميز الإنجليز التزامهم بوعودهم التي قطعوها بأن من يقاتل معهم من الدول سيُمنح الاستقلال، وفعلا أوفوا بوعدهم، وكان للسودان دور في حرب 1914حيث شارك بقوات (دفاع السودان) التي حاربت معهم في الحرب العالمية.
* حديثك يعضّد رؤية البعض بأن الاستقلال جاء منحة من الإنجليز؟
– الاستقلال جاء بعد نضال شديد وقناعة وصراع، نعم كان هناك وعد مسبق من الإنجليز وهم أوفوا بوعدهم، لكن هذا لا يعني أنه منحه، فقد ناضل الجميع وضحّوا من أجل استقلال السودان، وكان للأزهري وزملائه دور مقدر في ذلك، فقد طالبوا بالاستقلال، أما الختمية فكانوا مع الاتحاد مع مصر.
* ولكن الاتحاد مع مصر كان هو شعار للوطني الاتحادي؟
– نعم ولكن (البيوت مختلفة كما القبائل). والأزهري من مؤتمر باندونق أعلن استقلال السودان.

*ما صحة أن الازهري وقّع الاتفاقية بدمه؟!!
– لم أسمع بهذا الكلام من أحد، وحتى الأزهري لم يقل ذلك، ولماذا يوقع بدمه؟ والقلم والحبر موجودان. * هناك اتهام لحكومة الأزهري أنها المتسببة في أحداث عنبر جود؟
– ما حدث في عنبر جودة خطأ من البوليس وليس من أزهري وحكومته، فالعنبر الذى سجن فيه المواطنون كان مليئا (بالكيماويات)، وهي التي أدت لقتل الناس وهذا خطا دُفع ثمنه.
* وهل هذا هو السبب في سقوط حكومة أزهري؟
– لم تكن هذه الحادثة هي السبب، هناك سبب آخر، حيث قام السيد علي الميرغني بأمر ثلاثة من أعوانه في البرلمان بالوقوف ضد ميزانية الحكومة وهم (طيفور محمد شريف، عبد النبي عبد القادر وحسن محمد زكي)، وكان إسماعيل الأزهري في ذلك الوقت يودع القائد العام للجيش، ولما عاد وجد أن ميزانيته سقطت فقدم استقالته، وهاجت الجماهير وعبّرت عن غضبها وأسمعت الجميع صوتها ورأيها ضد استقالة الزعيم الأزهري فعاد بعد يومين فقط من ذلك ورجع للحكم.
* ولماذا أسقط السيد علي الميزانية؟
– لم يكن السيد علي يقصد اسقاط الميزانية بل الحكومة، نكاية بالأزهري لأنه لم يستجب لطلبه، لذلك أسقط الميزانية التي من خلالها سقطت الحكومة. ولكن عنبر جودة لم يسقط الحكومة رغم اتهامات الشيوعيين لها بأنها السبب في مقتل أبرياء في عنبر جودة لأن ازهري ليس عسكريا، والخطأ الذي وقع مسؤولية الضباط وهو خطأ من البوليس.
* وأول انتخابات اكتسحها الاتحادي بأغلبية لم تتكرركيف وصلتم لذلك ؟
– اكتسحنا الانتخابات بقيادة الأزهري ورجاله الكواكب “يحيى الفضلى (الدينمو)، والمبارك زروق، ومحمد نور الدين”، ومن بعدها خاض أزهري معركة استقلال السودان من داخل البرلمان، ونجح في اصدار قرار بذلك، وهناك من صمت عن القرار مثل محمد نور الدين الذي كان من أشد المؤيدين لوحدة وادي النيل، وصمت عليه رغم أنه كان مخلص لايمانه العميق بأن مصر والسودان دولة واحدة بُني بينها حائط، ويجب أن يُزال وكان هو آخر نائب خرج من البرلمان فى تلك الجلسة، وهناك من تعامل مع القرار على أنه أمر واقع، فقد اتعظوا من التجارب السابقة.
* وكيف أصبح قرار الاستقلال أمر واقع؟
– لأن الأمة السودانية كانت أجمعت على الاستقلال ووقفت معه وأيدته، فالسيد علي لم يبدىء معارضة لأزهري في ذلك، والسيد عبد الرحمن المهدي كان مع الاستقلال.
* هل لحكومة أزهرى أيادٍ في وصول السلطة الى عبود أم هي مسؤولية السيدين؟
– أزهري لم يكن له دور في تسليم عبود السلطة، الذي تم هو اتفاق بين السيدين. أولا العلاقة بين أزهري والسيد علي لم تكن جيدة، والمصريون أوعزوا للسيد علي بأن يذهب للسيد عبد الرحمن. (الختمية والأنصار) اتفقوا على أن يشكلوا الحكم فيما بينهم، الرئيس عبود ختمي من أتباع (ستي مريم)، أما عبد الله خليل فقد أحضره السيد عبد الرحمن المهدي، حكومة عبد الله خليل تعرضت لضغوطات من الاتحاديين فطلع عبدالله خليل من الحكومة وسلمها لعبود وهو رجل فاضل ووطني يشهد له بأنه لما تحركت الأحزاب ضد حكومته سلم السلطة ولم يقاوم ولم يستخدم القوة والعنف. ومن الذي حرّك الجماهير حتى سقطت سلطة نوفمبر58 عبر ثورة أكتوبر
الأحزاب الاتحادية هي كانت الأقوى، وهي من قامت بتحريك الجماهير لإسقاط نظام عبود ونجحت في ذلك.

* ماذا عن الرأي القائل إن ندوة الترابي هي السبب في انتفاضة أكتوبر 64؟
– الندوة وخلافها، فالناس كانوا مهيئين وتمت تعبئتهم، والرئيس عبود لم يكن راغب أصلاً في الحكم فلم يكن اختياره, هو جُلب جلبا ليحكم، لذلك كان هناك سهولة في تنازله عن السلطة.
السبب الذي ساعد على نجاح الثورة هو رغبة عبود في التنازل عن الحكم، لأنه لو لم يتنازل لما نجحت ثورة أكتوبر فقد كان بإمكانه أن يستخدم القوة ليبقى في السلطة، ولكنه لم يفعل ذلك وهذه محمدة في تاريخه.
* تواجهت مع الترابي في الانتخابات البرلمانية في الديمقراطية الثانية وفزت عليه كيف تم ذلك؟
– هناك قصة قبل أن ينزل الترابي في الدائرة ضدي، وهي أنني نزلت في دائرة المسيد في الانتخابات بناء على طلب أهل المنطقة الذين جاءوا لعمّي وطلبوا منه أن أترشح في دائرتهم، وبعد مفاوضات نجح الأهالى في مقصدهم، وبالفعل ترشحت في دائرة المسيد لي فيها أهل في (الجديد خليفة) هم أهلي لأبي إضافة إلى أننى كنت أعمل بتجارة الإسبيرات وأعرف معظم أهالي المنطقة، ونزل ضدّي ود التكينة من الاسلاميين ومهدي العشا وفزت في الانتخابات، وجاء بعدي ود التكينة بفارق الف صوت تقريبا لذلك ظن الاسلاميون أنهم إذا أحضروا الترابي ونزل في الدائرة سيكتسحها.
* الترابي عرف عنه الدهاء السياسي فكيف تفوقت عليه في تلك الانتخابات؟
– أهالي المنطقة لم يقبلوا دعوته معظمهم طائفيون وختمية، فهم أقرب للصوفية من الإسلاميين، إضافة إلى الاسباب التي قلتها سابقا عن أن أهل المنطقة أهلي وأيضا معرفتي بمعظمهم من خلال تجارتي معهم، وكذلك كان معي عنصر ممتاز كان له دور في نجاحي، وهو الشيخ الفكي عثمان من (أولاد ود بدر) يؤيدني وهذا خلاف أن الترابي متعلم من فرنسا وقادم من بلاد “الخواجات”، وليس له علاقة بالناس في المنطقة و”السودان” فصوتت الجماهير لي وفزت بأصوات كبيرة.
* طرد الشيوعيين من البرلمان؟
– أنا أحد الخمسة الذين طالبوا بطرد الحزب الشيوعي من البرلمان، فقد كان الرئيس أزهري قد وعد الجماهير الغاضبة بطرد الشيوعيين من البرلمان. وأنا علي أن أساعد في تنفيذ وعد الرئيس فطردناهم من البرلمان، “وماجبنا خبر” لمحاولات بابكر عوض الله الذي حكم لهم بالرجوع، فكان هو على خلاف مع الأزهري وحاقد عليه من قبل، بسبب أن الازهري قبل استقالته عندما تقدم بها.

* الديمقراطية الثانية هي التي حدثت بها بعض الانجازات لماذا كانت الأفضل؟
– حكومة أزهري كانت حكومة تحرير وليس عملية تعمير، أزهري كان محاطا بكثير من المشاكل والضغوطات. الحكومة التانية كان عرابها الشريف حسين, والشريف جاء الحزب في سنة 57 بعد مشروع المناقل الذي نفذه ميرغني حمزة وتقدم بطلب للانضمام للحزب ووافق أزهري، ورغم أنه (جاء متأخر) لكنه تفوق على الناس القديمين في عطائه.
* وماذا حدث عند انقلاب نميري؟
– نميرى سجن (إسماعيل الأزهري) ومعه أربعة آخرون “المرضي، ومحمد أحمد المحجوب، وأحمد سليمان، ومعهم واحد من حزب الأمة”، ورحّلهم لسجن “ناقشوط” في جنوب السودان.
* ما مدى صحة الرواية القائلة بأن الأزهري لم يمت موتا طبيعيا؟
– عندما أحضر الأزهري للمستشفى كنت أنا فيها حيث كنت أتعالج من كسر في رجلي وكنت مسجونا حتى أقدم لمحاكمة ويقال إن هناك شيوعية تعمل ممرضة هي التي قتلته بأن قطعت الأكسجين عنه فحدث تأخر في حالته الصحية حتى توفي، فهي الوحيدة التي كانت تقوم برعايته وتعرفه ولم تعطيه اكسجين، ولم يعرف أين ذهب الأكسجين في الأسطوانة وعند البحث عن الأسطوانة الاحتياطية لم يجدوها. وكان هذا واضح في استعدادهم من الصباح لذلك، واكتظت المستشفى بالمواطنين منذ الصباح الباكر, لكنه توفي في العصر، أضافة لدور بابكر عوض الله الذي ماطل في محاولة تسفير الأزهري للخارج للعلاج حيث أخذ يرواغ في المجموعة التى كانت تقوم على أمر سفره للخارج بقيادة “د. محمد عبد الحي”، فثورة مايو والشيوعيون هم من قتلوا الأزهري.
* وماذا عن خبر وفاته الذي قيل أنه اذيع بطريقة لا تليق بالرئيس الازهري كمحرر وزعيم وطني؟
– نعم فقد أذيع الخبر بشكل أقل ما يوصف أنه “…” وذلك في الاذاعة، أما الفارس إبن البلد على شمو فذكر تاريخ أزهري في التلفزيون بالتفصيل ومجده وأعطاه حقه كاملا, ويقال انه حوسب على هذا الفعل.
* حدثنا عن التشييع؟
– تجمعت جماهير الشعب السوداني بمختلف فئاتها ومن كل مناطقها واحتشدت لتشيع قائدها الوطني، واستعدت الحكومة لذلك وحشدت له وحلقت الطائرات فوق السماء لتراقب المشيعين، ووقف محمد عثمان الميرغني وقال كلمات رثاء في حق الأزهري والتي كانت أشبه بإجهاض ثورة الجماهير ومنعها من أن تتحرك فقد كانت الجماهير جاهزة لأن تثور على الحكومة ولكن خطاب الميرغني وأد أي فكرة للثورة ونزع فتيلها الذي كان من الممكن أن يشتعل لولا خطابه الرثائي والذي كله أسى.
* ثم بدأ كفاح الجبهة الوطنية كيف كانت البداية وتدريب الجنود؟
– كونت الجبهة الوطنية جيشا خاصا , ذهب الشريف حسين الهندي إلى الجزيرة أبا واتفق مع الامام الهادي حيث كانت بينهم علاقة, فقد درسوا في الاسكندرية معا ومنها توجه لكسلا، وكان الامبراطور هيلاسيلاسي يدين بالولاء للشريف حسين وللسيد عبد الرحمن المهدي لانه عندما حدث انقلاب في إثيوبيا وكان هو قادم من البرازيل فاستضافه السيدان في الخرطوم جوار مباني “ساهرون” حاليا, فاصبح هناك جميل لهم عليه. فسافر الشريف والامام الهادي, واللوري الذى سافر به الإمام الهادي أنا الذي اشتريته, فقد حضر إليّ أحد الانصار المقربين له وطلب مني أن اشتري اللوري للإمام الهادي بناء على طلبه وأن يكون اللوري 90% جديد وان أسجله في اسم شخص آخر وقد فعلت ذلك. وقد كان ان قتل في هذه السفرية بعد أن عطش هو ومن معه، و كشف أمرهم من قبل الحكومة أثناء محاولتهم الحصول على المياه, والمفارقة ان العسكري الذى قتل الامام الهادي من الانصار وعندما أطلق النار عليه لم يكن يعلم انه الامام. والشريف حسين الهندي كان قد خرج قبلهم.
* ثم جاء التدخل العسكري الذي عرف باحداث المرتزقة, ماهو سبب فشل ذلك الدخول العسكري ؟
– أنا واحد من المرتزقة، الشريف درّب عددا كبيرا من الانصار وعدد متوسط من الاتحاديين، فقد تدربنا على جميع الأسلحة، وأصيب الشريف في حادث أثناء تحركه مع القوات وأصيب في ظهره، وكانت الأسلحة لدى قوات الجبهة الوطنية جبارة وبالفعل استطاعت القوات أن تستلم” وادي سيدنا والمهندسين والشجرة”.
* ولماذا فشل تدخل جيش الجبهة الوطنية في السيطرة على الحكم؟
– حدث خلل في لجنة الاستقبال للقوات من الداخل والتي كانت مكونة من الانصار لاستقبال القوات القادمة من الخارج ومدهم بالماء والغذاء وغيره، وهؤلاء تم اعتقال معظمهم قبل وصول القوات فلم يجدوا الدليل الذي يقودهم داخل المدينة وتمكن منهم العطش والجوع فأصبحوا متفرقين واستطاع النميري القضاء عليهم، بالإضافة إلى أن المجموعة المكلفة بشراء العربات في الخرطوم لم تشتر عربات جديدة كما هو متفق عليه بل اشترت عربات قديمة وأصلحتها في ورشة وأنا شاهدت ذلك. وهناك اتهام للصادق المهدي لا أعرف مدى صحته أن الصادق أراد ان يتدخل في التحرك ليحوله لثورة مهدية دون البقية.
* هذا يعني أن هناك من أبلغ عنهم؟
– نعم فقد بلّغ عنهم “أحد أعوان نميري” وهو أنصاري وكان يقود السيارة التي أقلت القائد “محمد نور سعد” فقد كان يسترق السمع ولمدة طويلة ويخبر بها الحكومة. وقبض على القائد بعد أن نفد “بنزين” العربة.
* وماذا عن الإسلاميين الذين شاركوا في التدخل العسكري؟
– الإسلاميون قتلوا في دار الهاتف بعد أن استولوا عليها ولمدة ثلاثة أيام بعد أن عانوا من الجوع والعطش كبقية القوات من(الأنصار و الاتحاديين) إضافة إلي عدم معرفتهم بمداخل البلد ومخارجها.
* وأين أنت من كل ذلك؟
– نحن تم حبسنا أولاً في “هنقر” في القيادة العامة للقو الهنقر الذي نفذ فيه قتل عدد من جنود الجبهة الوطنية بالرصاص، فقدمنا لمحاكمة فحكم عليّ بالسجن خمس سنوات وغرامة 20 ألف جنيه ورحلت لسجن جبل أولياء.

* ومتى خرجت؟
– خرجنا بعد المصالحة الوطنية وقد فرحنا بالخروج من السجن.
* ما رأيك في المصالحة؟
– طالما “فكتنا” من السجن خير. أما الاتحاديون فكانوا رافضين للمصالحة فالشريف يرى أن الصادق المهدي عليه أن لا يحضر للسودان والصادق يريد أن يعود للسودان.
* كيف كانت مشاركتك والاتحاديون في انتفاضة رجب أبريل؟
– انتفاضة رجب أبريل أنا شاركت فيها بقوة وتحدثت في ندوة في الجامعة وقلت “ان مايو(العيش) مافيه نفع (لاقصب لا حبوب). وحكومة مايو عديمة الجدوى، وفي بلد اسمو بنغلاديش ونحن حكومتنا(دنقلاديش)، فتم القبض علي وقدمت للمحاكمة وحكم علي بالسجن لسنة ونميري كان يريدها خمس سنوات، وكانت المحكمة برئاسة القاضي بلدو ومعه بشارة ومعهم آخر. وبلدو كان ممتازا، حكم علي بسنة على أن أعامل معاملة خاصة.
* وجود الإسلاميين في المعارضة يقوي من المعارضة وهذا ما ساهم في نجاح الانتفاضة ما رأيك؟
– عندهم ناس لكنني أعتبر الاسلاميين اذا عملوا (السمح ولا الشين) عندي واحد.
* وماذا عن النميري, الكثيرون يعتقدون أن عهده شهد بعض التنمية لذلك أحبه الكثيرون؟
– نميري بكل سوءاته وأفعاله القبيحة تميّز بشىء واحد أنه لم يحارب الناس في أرزاقهم ولم يسرق أو ينهب وحتى الفاسدين في حكمه كانوا يأخذون عمولة، ولا يسرقون من أموال الشعب. وهو لا يعرف شىء في السياسة وضعيف فكريا ولا يثبت على شىء.
* الإسلاميون صالحوا النميري واستفادوا من المصالحة في بناء التنظيم والإعداد إلى فترة أخرى، لماذا لم يفعل الاتحاديون ذلك؟
– كنت ضدهم وهم بلاء فقط وقد أستفادوا من نميري وفي الآخر ضربهم، ونميري أذكى من الإسلاميين الذين”يضبحوا البهيمة ويأكلوها بالضلفين وما بخلوا لي زول شيء”. وهم من أعدم محمود محمد طه فقد قام الترابي بذلك لانهم أحسوا بخطورته وزاحمهم في العمل السياسي فقد استطاع أن يكوِّن له قاعدة من الطلاب في الجامعة. أما الاتحاديون فهم مع الشريف رفضوا مصالحة النميري.
* عند وفاة الشريف حسين لماذا لم تتحرك الجماهير ضد نميري؟
– يوم الوفاة كان هناك استعداد كبير من الحكومة، التي لم تكن تعرف أنه مات، وعندما تأكد خبر وفاته انطبق علينا المثل:
بشرب كاس وبدفق كاس وبركب فوق تيس الخلا النكّاس
انكسر المرق واتشتت الرصاص وخربن ديار أبوي وعمرن ديار الناس فبعد موت الشريف فقدنا الخيار. الموت أخذ الاعزاء وتركنا نحن الذين لا نساوي شيئا أمام القامات “كالشريف حسين واسماعيل الأزهري”, ولكننا لم نفقد الأمل بعد فالسودان قادر على انجاب الأخيار.
* رغم ذلك لم يستطع الشريف حسين أن ينفرد بالقيادة بدون منازعات؟
– كان القائد، ولم يكن أحد يستطيع أن ينافسه محمد عثمان الميرغني أو غيره. ولكنه صار رئيس الحزب اليوم؟
* من رشحه؟ هل انتخب ليكون رئيسا للحزب؟ هذا لم يحدث.

– نعم هو رئيس المعارضة ليس لدينا اعتراض على ذلك، أما أن يكون رئيسا للحزب بدون مؤتمر ينتخب فيه فلن نرضى بذلك.
* من خلال حضورك المكثف في الإطار الاتحادي متى تتوقع أن يعود الميرغني؟
– لن يعود لأنه صاحب مال وغني وخايف على قروشو، لذلك لن يأتي كم مرة قيل إنه سيأتي ولكن لن يأتي. وخلاص “دخلو المابتداوى فهو من مواليد 36″. * مؤخرا لك وقفة تأييد للبشير رغم آرائك السابقة في الإنقاذ؟
– أنا لازلت ضد الإنقاذ وسأظل ولكن وقوفي مع البشير ضد قرار أوكامبو هو موقف وطني لأنه اعتداء على التراب السوداني وليس على الإنقاذ.
* وما الذي يجمعك مع البشير؟
– قابلت البشير قبل أن يصبح رئيسا في قضية كان حينها ضابطا صغيرا في الجيش في بلدة في مناطق المسيرية ، وأيضا بعد أن أصبح رئيسا قلت له أبعد الترابي إنه مصيبة وحذرته ” العصا في أيديك والدابي تحت رجليك ” وبعد المفاصلة صدق حديثي الذي قلته له عن الترابي، قابلته في عزاء عون الشريف قاسم فحضر لي وسلم علي, واظنه تذكر حديثي السابق له، ومشيت له ليطلق على حسنين عن طريق ابراهيم جبريل وقابلته وقال لي حسنين هو من كتب المذكرة، فنفيت له ذلك وطلبت منه أن يطلق حسنين ومن معه، وقلت له “إنت فكيت الانجيلزية فك الناس خليهم يعيدوا مع أولادهم”، وذهبت لحسنين الذي أقسم بأنه لم يكتب المذكرة ونجحت محاولاتي.
* الحزب الاتحادي الهيئة العامة رشح سلفاكير للرئاسة ما هو رأيك ؟
– لو كان جون قرنق عائشا كنت رشحته لرئاسة الجمهورية، لكن سلفاكير لا أعرف عنه شيئا، لكن لو سار على طريق جون قرنق فأنا سأرشحه.
* ومن ترشح من الاتحاديين؟
ميرغني عبد الرحمن فهو الوحيد القادر على أن يعمل – “قلاقل” للميرغني.
* هل هناك أمل في أن يتوحد الإتحاديون؟
– نعم ويمكن أن تمضي ولست قلقا بشأنها فأزهري أختلف مع النسيب الحسيب من سنة 1957 وحتى 1967م، وبعد ذلك اتفقوا. فلازال هناك أمل بأن يتحد الاتحاديون.
* هل تقصد كل الاتحاديين؟
– إلا الدقير ومجموعته فهم جزء من النظام من الممكن أن أتعامل مع النظام ولا اتعامل مع الدقير، وحسن دندش “ساق” الاتحاديين كلهم من الحزب المسجل (وعراهم أمامنا)، فهم ليس لديهم قواعد و(يخربهم ما عندهم الحبة)، أما إذا خرجوا من النظام حبابهم. أما المرجعيات فقيادتهم شاركت النظام ولكن قواعدهم لم تشارك عليهم أن يخرجوا من النظام ويقولوا “كفرنا بالطواغيت”.

من أرشيف الصحافة السودانية

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!