خفافيش الظلام….. والعلاقات الدولية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


‐فى عصر الكورونا تأتيك مشاهد طرقات المدن الخالية ، والساحات العالمية الشهيرة وقد غادرها السمار ، على امتداد البصر ترى أعين البشر من خلف نوافذ المنازل والبنايات محدقة فى المجهول فيستدعى خيالك “رهين المحبسين” أبى العلاء المعرى وهو يرثى احد فقهاء عصره صادعا بأن صوت الناعى فى زمان انفراط العقد يماثل صوت الشادى وأنك لاتدرى ان كان صوت الحمامة بكاءا ام هديلا على فرع غصنها المياد.
ان ابصر اعمى المعرة فى زماننا هذا لأتانا متأملا حال القبور الضاحكة من تزاحم الأضداد ….فعندما أناخ الفيروس رحله أصاب عالمنا المتعولم بذات أدواته ، فلم يتخير حدودا جغرافية او يستهدف دينا او لغة وجنس…وانما جمع كافة الاضداد بتنوعها الانسانى غنييها وفقيرها فتسلل دون ان تحاصره مصدات الهجرة الى مقر الحكومة البريطانية فأصاب رئيس وزرائها، ثم سافر الى اقاصى الدنيا ..لليابان ، ففتل دون رحمة ،وياللمفارقة الممثل كين شيمورا ، اشهر نجوم الكوميديا لشعب يصعب اضحاكه، ثم كتب الفصل الأخير فى حياة الأستاذ محمود عابدين رئيس وزراء ليبيا الاسبق ليؤكد ان من لم يمت بقاذفات السراج أو راجمات حفتر مات بغيرها….
ذهب الفيروس لكندا ليعطى أمرا بالحجر الطبى لرئيس الوزراء جاستن ترودو ….ثم أصاب رئيس البرتغال مارسيلو ريبيلو و طال وزير الثقافة الفرنسى فرانك ريستر ووزير العدل نيكول بيلوبيه ووزيرة المساواة الاسبانية ايرين مونتيرو ….ووزراء ومسؤولين كبار فى البرازيل وايطاليا وبولندا وإيران…ولم ينسي ايضا زيارة المزارات الدينية فأصاب قم قبل ان يتوجه صوب الاستادات الرياضية ليعطب لاعبين كبار فى يوفنتوس وفالنسيا وسامبادوريا وارسنال و تشيلسى وغيرها…وليصيب الممثل الامريكى الشهير توم هانكس وزوجته الممثلة رينا ولسون…والكاتب التشيلى لويس سيبولفيدا…عندما عاود الفيروس حربه فى بريطانيا تخير هذه المرة طبيبين نابغين من سوداننا الحبيب كانا في المواقع الامامية وفى لحظة تاريخية نادرة دفاعا عن الانسانية التى كانت بدورها إحدى ضحايا الفيروس عندما سقطت خلال المعركة الحالية اوراق توت متعددة كانت تتدثر بها حيث ابانت التجربة خللا في التضامن الانسانى واهدار قيم الحفاظ على النفس البشرية دون تفرقة لعمر او جنس ، بل طالب عالم من فرنسا باختبار اللقاحات على الافارقة، وربما ادى ذلك لمسارعة رئيس فرنسا لتبديد اى ردود افعال محتملة عبر مشاركتة فى قمة افريقية مصغرة خصصت لبحث سبل استجابة القارة للجائحة.
قبل ان ينجلى غبار المعركة ضد الفيروس القاتل سارع علماء السياسة والعلاقات الدولية فى العالم كماهو متوقع لتقييم آثار وتداعيات هذه الجائحة على كوكبنا، أفتى بعضهم ان كورونا وضع حدا فاصلا بين عهد “ماقبل كورونا ” و “مابعد كورونا” كأن تقول “قبل الميلاد “و “بعد الميلاد”، وقال بعضهم ان الجائحة سوف تغير النظام العالمى الى الابد …واننا على مشارف اضطرابات سياسية واقتصادية قد تستمر لعدة اجيال قادمة مع ارهاصات بتفكك العقد الإجتماعي محليا ودوليا.
تنبأ البعض بانتقال شارة كابتنية العالم الى الصين ودول جنوب شرق آسيا مع تراجع دور الولايات المتحدة والغرب ، أفتى البعض بولادة قوية للقوميين ومناهضى العولمة وصحوة للدولة الوطنية و للقبضة المركزية وتراجع للقضايا الدولية وانحسار المد الاوربى وابتعاد دوله عن سيطرة وبيروقراطية بروكسل …وقالوا ان العالم سيصبح اقل انفتاحا وأقل حرية واكثر فقرا .
توقع هؤلاء ايضا بأن تؤدى الضغوط على النظام العالمى لتراجع التعاون الدولى وتفشى حالات عدم الاستقرار بخفض القوة الانتاجية للاقتصاد العالمى….ثم افتوا بان العولمة بروافعها المتمثلة فى ثورة الاتصالات والتكنولوجيا سوف تتخذ اشكالا وتقاطعات مختلفة….نادى البعض فى هذا السياق ببلورة عولمة اكثر انسانية وتعاضدا بينما راى البعض انها سانحة لاعادة بناء نظام دولى جديد يرتكز على المساواة والعدالة فى الانتفاع بالثروات…لا نستطيع ان نقول انه من السابق لاوانه الغرق فى احلام التمتع بعالم سعيد..ولكن ينبغى الحذر وتجنب الافراط فى التفاؤل او التشاؤم….او اقرار مسلمات لاتصمد طويلا….فى عام ١٩٩٢ انبأنأ المفكر الامريكى فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ وفوز الراسمالية بالضربة القاضية الفنية …لم تكشف الازمة الاقتصادية العالمية عام ٢٠٠٨ ثقوب وعورات ذلك النظام فحسب بل اثبتت تطورات العقود الماضية خطل ذلك الاتجاه..عاد المفكر الفرنسى جان مارى قوهينو في كتاب اسماه “نهاية الديمقراطيه ” لينعى الديمقراطية التقليدية على النسق الفوكويامى مشددا على ان جماعات المصالح تختطف دائما اقدار ومصالح الشعوب…. الآمال العراض التى علقت فى السابق دون تحقيق على عصبة الامم والأمم المتحدة عقب حربين عالميتين لانقاذ الانسانية من ويلات الحروب توجب دراسة الابعاد المحتملة للجائحة على مستقبل العلاقات الدولية بدقة وموضوعية تناى عن الافراط …
-لخبراء العشق والغرام نبوءة تقول “ان احلى حب هو الذى نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر ” ، أما خبراء العلاقات الدولية فلم يكن ليدر بخلدهم ابدا ان يؤدى طبقا لحساء الخفافيش فى احدى المدن للنفخ فى صور العالم بهذه الطريقة التي نعايشها الآن وتبعاتها المتوقعة.
لئن كان العالم مشغولا الآن بكسب المعركة ضد (الكوفيد-19)، فاننا نأمل ان يشارك علماء السياسة والعلاقات الدولية فى بلادنا محليا وعلى مستوى دوائر انتماء السودان فى جهود تقييم ارتدادات هذه الجائحة خاصة وان من نتائج تفاعلاتها حتى الآن سقوط الكبار وصعود ثقة البلدان النامية في مقدراتها….آملين ان يصدق علينا هذه المرة قول المعرى (وانى وان كنت الاخير زمانه..لآت بما لم تستطعه الاوائل) .
***
*أيتهأ العرافة المقدسة….*

*ماذا تفيد الكلمات البائسة؟*

*قلت لهم ماقلت عن قوافل الغبار…..*

*فاتهموا عينيك يازرقاء بالبوار !*

*قلت لهم ماقلت عن مسيرة الاشجار*

*فاستضحكوا من وهمك الثرثار !*

*وحين فوجئوا بحد السيف قايضوا بنا*

*والتمسوا النجاة والفرار !*

*صحيفة اليوم التالي*

التعليقات مغلقة.