“خلونا نأكل خريف خريفين”

4

(1)
وكانت أمية في ملكها تجور
وتظهر طغيانها
ولما رأى الله أن قد طغت
رماهم بسفاح آل الرسول
فجز بكفيه اذقانها.
هكذا هي دورة الاستبداد المطلق عندما تصل إلى أقصى منحنياتها،أن لم تبسط سنن التدافع والمغايرة الفكرية والسياسية مع الآخر الشريك في الوطن
ولأن قيادة الحركة الإسلامية الحاذقة لعبر التاريخ كانت تدرك نهايات الأنظمة المغلقة، رغم وهج ونصاعة الفكرة، وجسام التضحيات التي تبذلها لتمكين قيمها في دورة النشأة والتكوين، دفعت بقوة لانهاء طواري الانقلاب العسكري وإعادة الحياة الدستورية، لأن التمكين الأحادي سينتهي إلى تكلس الفكرة، وسيؤول إلى فساد مطلق، وتنازع وصراع داخلي حول الغنائم وكان ما كان.
(2)
ان امتلاك المال والثروة هدفا في عملية بناء الدولة والأمة، والنبي صلى الله عليه وسلم ركز في دعوته على الطبقة الارستقراطية في المجتمع القرشي فتداعى معه أبوبكر وعثمان وعبد الرحمن ابن عوف وخديجة رضي الله عنهم جميعا، ولكن هؤلاء الصفوة من الصحابة وظفوا ثرواتهم لحركة الدعوة وتمكين الفكرة تحصينا للدولة من السقوط بجائحة الاقتصاد، وربح البيع (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اما أبوبكر فلا نستطيع مكافآته وتركنا أمره لله يوم القيامة، بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب).
(3)
وظف هؤلاء القادة الافذاذ أموالهم لتثبيت وتقوية الدولة،وشيدوها بنظرية قوامة المجتمع، فكان مجتمع المؤمنين في دولة المدينة هو الأصل في عملية البناء الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، والفكري والعسكري، فكانت الدولة قوية، وكان المجتمع قويا، وذاب المجتمع في الدولة كذوبان الصوفي في العبادة لأن الدولة كانت تعبر عن إرادة المجتمع.
(4)
اما تجربة الحركة الإسلامية في الحكم فقد حدث التناقض والتضاد، ففكرة الحركة الإسلامية كانت تقوم على ضرورة إلغاء الهيمنة الفوقية التاريخية لمؤسسات الدولة التي ترسخت في مرحلة ما بعد الاستقلال، تلك المؤسسات التي ظلت شوكة وسيفا مسلطا على المجتمع، وذلك لصالح هيمنة مؤسسات المجتمع حتى يغدو المجتمع هو المرجعية في الحكم، والباعث لصناعة مشروع النهضة الوطنية،ولكن بدأت دورة الحركة الإسلامية في الحكم بابتلاع مؤسسات الدولة بشعار التمكين الذي انحط تحت شعار الردة (خلونا نأكل خريف خريفين)، وهو شعار يستبطن الانتهازية، وتهيب المدافعة الفكرية والسياسية مع الأحزاب السياسية الوطنية، ويكرس للاحادية المطلقة والتي اختزلت تمكين القيم والمنظومة الكلية في طبقة من البرجواريين الجدد الذين أثروا وأثروا حتى افقروا الحركة الإسلامية، وتنظيمهم السياسي(المؤتمر الوطني)، وذابت هذه الكيانات التي غدت مثل (عجل السامري ) في ذواتهم المتضخمة.
(5)
وثالثة الاثافي ان طبقة البرجواريين الجدد لم تمارس الاستثمار بذهنية القادة ورجال الدولة،وذلك بضخ أموالهم في القطاعات الانتاجية(الزراعة والصناعة) حتى تتحرك الأموال في الدورة الاقتصادية الكلية لتعود بالنفع والرفاهية للوطن والمجتمع، بل طفقوا في امتلاك الأراضي والعقارات وهما أكبر مهددات للاقتصاد الوطني، وعندما طلب منهم الرئيس السابق عمر البشير تسييل العقارات والأموال كودائع لإنقاذ غائلة الاقتصاد وتوفير الوقود والدقيق والغاز ضنوا، فكانت المفارقات بين رجال أمثال الشيخ عبد الباسط الذي قام بشراء الوقود والسلع الغذائية من خاصة أمواله في بدايات الإنقاذ وخزينة السودان خاوية على عروشها، تثبيتا لمشروع الإنقاذ وهو(زغب الحواصل) وبين رجال دفعوا لإسقاط ذات المشروع الذي بناه رجال وهدمه رجال (انها مفارقات القيم بين دورات الترقي والانحطاط التاريخي) وقد آثر هؤلاء الرجال الإياب بالغنيمة، فاستثمروا الولاء وضيعوا الوفاء، فكانوا مثل بخلاء الجاحظ، اوقدوا النار ووضعوا عليها القدر، وجاءوا باللحم لانضاجه، غير أن كلا واحد منهم امسك بقطعة لحمه وربطها بخيط، وانتظر الآخرين، قدرهم واحد وقلوبهم شتى، فبئس ما كانوا يفعلون.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!