رجال من مشروع الجزيرة.. أحمد بابكر الازيرق 1983م-1890م

11

أحمد بابكر الازيرق من مواليد قرية ود النعيم بالجزيرة في عام 1890م بدأ حياته الباكرة مزارعاً ٠ ترك الزراعة ردحا من الزمن للعمل بالتجارة ليتمكن من توفير ما يعينه على نصرة القضية الوطنية وهي فضح ومصاولة المستعمر وكشف ظلمه ومن ثم التفرغ لمساندة المزارعين، لذلك ما لبث أن عاد الازيرق مرة أخرى لمشروع الجزيرة بتفتيش درويش وهي محطة مهمة في حياة هذا الرجل العظيم، حيث استنكر في درويش نزع ملكية الأراضي من أصحابها وإعطاءها للمصريين وللشركة البريطانية بإيجار بخس زهيد (ومنطقة درويش هي ايضا تتموضع في الجزيرة). قامت ثورة 1924وكان الثوار يثقون في العظيم الراحل المقيم الازيرق بل يقدرون عاليا أنه واحد منهم وكانوا يرسلون إليه في سرية منشوراتهم التي يتناولون فيها استبداد المستعمر الواقع على السودانيين ولا يغفلون فيها مشروع الجزيرة ومظالم المستعمر ونظرته المتعالية للمزارعين. بواسطة الازيرق كان يصل المنشور إلى قطاع واسع من الناس مزارعين وغير مزارعين يحثهم ويطالبهم بالاعتماد على أنفسهم وأسرهم في الزراعة وعدم الاعتماد على المصريين والبريطانيين ومراوغاتهم٠ ظهر الازيرق قائداً ملهماً للمزارعين في إضراب عام 1946م الذي مهد له بتنامي وتراكم الوعي عند قيام الحركة الوطنية التي لم يخبُ أوارها حتى بعد ضرب ثورة 1924م، وفي ثلاثينيات القرن المنصرم ظهرت الجمعية الأدبية بمدينة ودمدني عاصمة الجزيرة وتحديدا في نادي الموظفين، إذ لعبت دورا مهما في توعية المزارعين وحثهم على المطالبة بحقوقهم ومعرفة المطلوب منهم ٠ لم يتردد أحمد بابكر الازيرق في الانضمام للجمعية الأدبية بودمدني وأن يكون أحد روادها بالرغم من أنه لم يكن في نفس المستوى التعليمي لأولئك الذين كانوا على رأس الجمعية من أمثال أحمد خير المحامي وإسماعيل العتباني وحماد توفيق ومدثر البوشي وإبراهيم أنيس وحسن نجيلة وعبد الله عبد الرحمن نقد الله ومحي الدين مهدي ومحمد أحمد سليمان وحسن محمد يسن ومصطفى الصاوي والطاهر النيل وعلي نور وأحمد مختار ومحمد عامر بشير فوراوي وطه صالح وغيرهم ولكن كان الازيرق مثلهم في الجسارة والإيثار والتضحية والابتلاء والفداء، وكان رأس الحربة في الهجوم على الشركة الانجليزية والوافدين معهم. كان الازيرق يداوم على حضور الندوات والمحاضرات التي كانت تقدمها الجمعية الأدبية وتطالب فيها برحيل الاستعمار وإخراج الشركة نهائيا من مشروع الجزيرة وإحلال السودانيين في وظائف البريطانيين والمصريين٠
قصة حساب الاحتياطي والإضراب:
ابتدعت الشركة نظاماً جديداً في منتصف الثلاثينات عندما تم الاتفاق سرا بين الحكومة والشركة لفتح حساب سمي حساب الاحتياطي للمزارعين وبدأت الاستقطاعات من المزارعين ومن دخلهم المحدود لحل مشكلة الدين وازداد الموقف سوءاً بسبب هذه الاستقطاعات الجديدة وغياب المزارعين عن الاتفاق واستمر الاتفاق سراً بين الحكومة والشركة وفي طي الكتمان بعيداً عن أعين المزارعين حتى عام 1946م ولأول مرة وعن طريق أحد كبار موظفي الشركة من السودانيين وهو السيد مكي عباس عرف المزارعون في قرية الطلحة أن هناك حساباً احتياطياً وبه مبلغ يزيد عن المليون وثلاثمائة ألف جنيه فتحرك المزارعون بالطلحة وأرسلوا وفداً ومندوبين للاتصال بالمزارعين بمدن وقرى المشروع وإبلاغهم بالنبأ استعداداً للتحرك الجماعي للمطالبة بحقوقهم المهدرة٠
وعلى صعيد آخر وبعد قيام مؤتمر الخريجين الذي نبعت فكرته من جمعية ودمدني الأدبية التي كان مقرها بنادي الموظفين بمدينة ودمدني عاصمة الجزيرة قام قادة المؤتمر إسماعيل الأزهري وأحمد خير وخضر حمد بالطواف على قرى الجزيرة لتعبئة المزارعين والوقوف معهم حيث طالب أيضاً الخريجون في مذكراتهم الشهيرة في عام 1942م بإنهاء امتياز الشركة٠
1946م عقد ما يشبه الاجتماع العام بودمدني إذ حضره مناديب من معظم تفاتيش مشروع الجزيرة وأقسموا على الإضراب إن لم تدفع لهم الأموال المناسبة من أموال الاحتياطي وبعد الاجتماع خرجوا في مظاهرة تصدى لها البوليس فسقط بعض الجرحى واعتقل بعضهم وقد أثار هذا الموقف العنيف السودانيين واستشاط غضبهم ودفعهم ذلك إلى التكاتف ومؤازرة المزارعين الذين قرروا إرسال وفد من أربعين مندوباً يمثلون كل التفاتيش لشرح وجهة نظرهم ومتابعة الامر مع المسؤولين بالخرطوم.
حاولت الحكومة إثناء المزارعين ووقف الإضراب وذلك عن طريق تدخل الزعماء الدينيين الطائفيين وزعماء العشائر والقبائل في محاولة للتأثير عليهم والعودة إلى الحواشات ولكن باءت كل المحاولات بالفشل الذريع واستمر الإضراب٠
واتجهت أنظار المزارعين نحو المثقفين وقد كانت الحركة الوطنية في أوارها وبادر زعماء حزب الأشقاء وصعدوا الموقف واتصلوا بقادة المزارعين وعلى رأسهم الازيرق. وعمل حزب الأشقاء على تكوين لجنة من المزارعين طافت قرى الجزيرة لتوعية المزارعين التمسك بحقوقهم وانتزاعها وتوحيد كلمتهم وواصل الأشقاء بقيادة الزعيم إسماعيل الأزهري تنوير واخبار الرأي العام بمعاناة مزارعي مشروع الجزيرة واستثمر الأشقاء ذلك الإضراب في مقاومة الاستعمار ومشروعه المجلس الاستشاري لشمال السودان الذي قاطعة حزب الأشقاء٠ ورغم كل الوساطات والحلول التي عرضت استمر الإضراب من يونيو – يوليو 1946م وتوقف حوالي 75% من المزارعين عن العمل رغم الضغوط التي باشرتها إدارة مشروع الجزيرة نحوهم وخلفها الإدارة البريطانية من أجل عودتهم إلى حواشاتهم أثناء ذلك تبني مؤتمر الخريجين القضية وتقدم بمذكرة مفصلة٠ وملخصها أن المشكلة الأساسية هي المديونية ولا يمكن الحل إلا بعد حصول المزارعين على نحو أحد عشر ونصف جنيه أي ما يعادل دفع نحو أربعمائة ألف جنيه من مال الاحتياطي للمزارعين وعارضت الشركة هذه الفكرة٠ تولي الازيرق رئاسة اتحاد المزارعين في عدة دورات ومن إنجازاته شارك في اجتماع الجمعية التأسيسية للنظر في قانون مشروع الجزيرة عام 1950م. وكان لآرائه صدى في عقول ونفوس مستمعيه٠ ساهم في انشاء العديد من المدارس وانتقل إلى رحمة الله في العام 1983م
محمد عبد القادر
سدني

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!