رسالة إلى الشهيد.. بقلم شقيقه : الشريف زين العابدين الهندي

2



كان الحديث معك يخرج دائماً من دائرة المحل والمكان، كنت تخترق دوائر الزمان بقلب يضم العالم العربي، صورة وهيولي، وأنت تحمل أثقال الواقع بكل أوزانه ومعطياته وقيوده ، وتحلق.. متخطياً لكل الصعاب، ونشده نحن من حولك وأنت تزلل كثيراً من المستحيلات، وتحيل معظم الأمنيات إلى حقائق.. من ذا الذي كان يرقب هذه المعجزة وهي تتفجر من ينابيع النبيين؟ ومن ذا الذي يحي بها الآن.. ويحمل أمانتها بين كتفيه، ويمضي بها نحو الخلود؟ ومن ذا الذي يرتاد الآن.. هذه المشارف السامقة.. وهو يبتسم حتى الموت، ويخاطب الناس من خلف البرازخ.. صارخاً في البرية- كالعهد به حياً- وممسكناً بتلابيب المستحيل؟ من ذا الذي يخوض الآن.. عتمات الظلام، شاخصاً إلى الشعلة التي لا تنطفئ ولا تموت، حتى ولو أختفى هذا الأديم البشري.. من ذا الذي كان جزءاً من هذا الحب الإلهي.. الذي لا يغيض ولا ينضب ولا يجف، لتزروه الرياح ويمضي إلى العدم؟ من ذا الذي عاصرة هذه المسيرة وشق طريقه عبر هذه المسيرة، وحمل أثقال العزاب على طريق الألم؟.هاهي الأعوام تستدير كاستدارة الزمان، وما زال النداء يتيماً.. تتجاوب أصداؤه عبر الفجاج.. وما كان له أن يكون يتيماً.. وما ينبغي له..كأني بعينيك تغفو في محاريبها.. يقظى وترقب في أغماضها جمعنا بسعة الصدر الذي لا يضيق.. أو تحسب أنا نعيش الضياع؟ كيف وهذا التراث تعلوه أكاليل الشهادة .. أو تحسب أننا في حيرة من أمرنا؟ كيف .. وشرف الموقف يضيق به متسع الفضاء.. لقد كنا بك مثلما أنت الآن بنا.. نكون أو لا نكون.. أراك تسبغ ثوب إشفاقك العطوف كعادتك.. أن هذه الدموع تتبدد قسراً .. دعها مرة تسيل إنها تغسل الآلام لا تشفق..صحيح هوت السارية وأطرب السكان والنوء يعصف بالرياح وبالرعود وبالمطر.. ولكن الجرذان وحدها تغادر الآن .. وذلك فضل من الله كبير، فإن السفن ترتفع فوق الأمواج ولا زلنا نرى الشاطئ في عينيك قريباً، وها أنت ترى أنا جاهدون في رفع الشراع.. فغداً تشرق الشمس ثانية.. ويسكن الريح رخاء .. إطمئن لقد تعلمنا منك وما أكثر ما تعلمنا منك.. تعلمنا منك التوازن الصعب.. إنها لن تنحرف شرقاً ولن تنحرف غرباً.. أن الوطن الذي تحلم به يترامى بين ذلك الخليج وذلك المحيط .. وأن الحرية نريدها لقومك هي ذات الحرية التي تريدها لوطنك الكبير.. وقوميتك الكبرى تلك التي دافعت عنها حتى الموت فلم تكن عبداً، مثلما أنك.. لم ترد أن تكون سيداً لمستعبدين أنى كان هذا الإستعباد.. حتى لو كان لطبقة، أو كان لحزب أو كان لفرد.. إن الديمقراطية التى هي تلك التي يعيش فيها الإنسان حر الفكر.. حر المعتقد.. حر الرأي.. وحر العمل.. وإن الإشتراكية التي نشدتها هي عدالة الطمأنينة المشروعة، التي لا تجعل للطموح قيداً.. ولا تتخذ للطمع إستغلالاً، ولا يعرف فيها الفرد طعم الحجة المر.. ولا يتأذى فيها بتخمة الشبع من عرق الآخرين،ويمتد فيها النظر عبر الأجيال المقبلة، بغير التضحية .. بجيل أو بعض جيل.. مثلما علمتنا إن الجادة ألا يطمس اليمين أعين الحقيقة الحضارية وألا يبعثر اليسار معالم التراث، ويدفن المنابع القومية.
كما علمتنا إن القيادة هي نكران للذات وفناء في المجموع.. وعيش بالحس الوطني، وضرب للمثل الأعلى.. رائع السمت والخلق والتكوين.. وإنها حب أساسي للناس..(كل الناس) ورعاية وعناية يستظل بها حتى الأعداء، ويجدون فيها العفو والصفح والتسامح والغفران.. علمتنا أن الناس يتعلمون من أخطائهم وأن الخطأ وليد التجربة، وأن الحركات كلها تجارب وأنها عرضة للصواب وكان عندك للمخطئ دروس ووعي ونقاش، مثلما للمحسن تفويض وتوكيل.. علمتنا أن الكبار آباؤك وكل الأتراب إخوانك وكل الصغار أبناؤك، من غير أن يفرق بينك وبينهم دين ولا لون ولا لغة ولا حزب ولا معتقد … علمتنا كيف يكون الرجل أمة واحدة ويكون قوماً ويكون وطناً ويكون إنسانية برمتها.. وعلمتنا كيف يكون الوفاء وأنت تخاطب الأزهري من لجج آلامك ومحيطان متاعبك التي لم تبلغ قدميك يوماً.. تمارس له عهود الوفاء وتطمئنه على إكمال المسيرة وتؤكد له السير قدماً بلا كلل ولا ملل بالمجموعة كلها بين ساعديك وعلى صدرك حنواً وحرصاً ومودة وصبراً واحتمالاً وتحملاً.. علمتنا كيف يفنى الإنسان في قضية، حتى نحيا بحياته وتتنفس بأنفاسه لا يخاصم إلا فيها ولا يصالح إلا فيه .. ولا يفكر إلا بها ولا يحيا إلا لها وكيف يكون من أجلها روحاً لا يدركها التعب وطاقة لا ينالها النفاد وجسماً لا يهده الجوع، و أعيناً ساهرة لا يطرقها النوم.. ولا يغشاها النعاس كما يغشى الناس.. علمتنا أن الخوف والدعة والراحة والرفاهية والإسترخاء هي أعداء للنضال والكفاح .. وأعلمتنا بالبيان أنه مع المقاوم المعتقل في سجنه ومع المقاتل في مصرعه ومع المهاجر في مهجره.. وأنك تتوشح بدماء الشهداء من قبلك وتحمل مسئولة من معك ومن ليس معك.. علمتنا أنك لا تخاف لتنتكس ولا تعاهد لتنكث ولا تبايع لتنقض ولا تصادق لتغدر.. ولا تزامل لتماري.. تنصلت من حولك الجبهة فصرت صموداً وقعد من حولك القاعدون … فذهبت وربك تقاتلان ولم يضركما شيء.. وأرخيت سوابل الستر على كل شيء … نم الآن يا أبا هاشم… هانئاً غرير العين فكل الذين شرعوا معك شرعة الجهاد، يجتمعون ويتجمعون، ويبتدرون ويتبادرون.. وأنت ملء قلوبهم وصدورهم وعزائمهم وما اعتركت شهور الأعوام إلا بدفن الموتى، ولم الجرحى والصفوف وشحذ الهمم وإعداد العدة والعدد… لقد تثاقلت خطوات التاسع من يناير 1982م، وهو يجر نفسه نحو المغيب مؤذناً بانتهاء مرحلة طويلة عميقة ومتسعة الأبعاد هي من أروع وأحدث ما خطته صنوف النضال على صفحات التاريخ المعاصر فناً متميزاً جديداً عامراً وغنياً من أفانين النضال والتربية الوطنية.. تنقلت بين الممارسات النضالية الشعبية المسلحة حيث أخطلت دماء الشهداء مروية شوارع الخرطوم في أروع مظهر من مظاهر الوحدة الوطنية.. إلى الممارسات السياسية العربية والأفريقية مع الدول الصديقة وحركات التحرير المساعدة وشخصياتها القيادية الحميمة.. التي أدركت أصالة العمق الوطني والتوجه القومي النقي.. في القيادة السودانية وما تعتمل به أعماقها من ثروات نضالية تجعلها من أبرز ركائز النضال القومي في الساحة العربية… نم أبا هاشم راضياً مطمئناً ومرضياً عنك بأذن الله فما لمثل ما بدأت إنقضاء… إلا النصر أو القبر.. ولا توسط بينهما .. لكل الذين وقفوا معك وسمعوا ووعوا وتعلموا وأملوا ,انتظروا .. وهم قطرك كله وبلادك كلها ووطنك العربي كله وقارتك الإفريقية جمعاء هذا الوجود المقدس.. الذي يضمه قلبك الكبير .. الذي لم يزل ينبض ونسمع نحن وجيبه ونحس خفقته، ونتجاوب مع صداه.. وهو يمتلئ بأركانه وأرجائه بكل الذين عرفوك شعلة عربية أفريقية(ناصر، لوممبا ،جيزينغا، نكروما، سيكوتوري، بن بيلا، فيصل، صدام ، الغزافي، أبو عمار، جوكوني) كان هذا رهطك .. يوم يعطر التاريخ صفحاته بذكراك، وكانت هذه أبعاد الرؤية لديك في أرجائها الواسعة وأبهائها الرحبة… نم أبا هاشم فلم يزل هذا هو الهدف، وهذا هو الدستور وهذا هو الحداء.. وها هنا مصارع الشهداء وانتصارات المناضلين، أننا بسبيل إلقاء بعض الجثث إلى اليم فقد ماتت من الرعب وها هي العاصفة تهدأ والسارية ترتفع ويوشك الليل أن ينقضي ويوشك القيد أن ينكسر.. هو ذا أبو الشهداء الزعيم إسماعيل الأزهري وبصحبته الشهيد الثائر محمد صالح عمر والإمام البطل الهادي المهدي.. يقبلون.. رموزاً خالدة للوحدة الوطنية.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!