رسالة الشريف حسين الهندي إلى الزعيم إسماعيل الأزهري

11

فيما يلي ينشر (سودان 4 نيوز) نص رسالة الشريف حسين الهندي إلى الزعيم إسماعيل الأزهري:


يحتفل السودانيون بإجماعهم بذكرى إستشهادك في يومها… وآخرون في شهرها وبعضهم في سنتها… أما نحن.. فلا أنت ولا ذكراك تفارقنا أو نفارقها لحظة واحدة، فهي تعايشنا ونحن نعيش بها ومعها ولها ومنها.. يومنا وساعتنا وشهرنا وعامنا وعمرنا… ومهما تعاقب الزمن وإستطال، فلا يكمن أن ننسى.. يوم أن قلت لي وأنت تهم في الأفق الأعلى.. على غير عادتك وصوتك يشوبه شئ من الإنفعال.. غريب عليك وعليه ” يوماً ما – ولا أظنه بعيداً – سأسقط بينكم.. فياترى هل سيكرمني الله ولو لحظة بأن أسمع منكم وعنكم بعد عشر سنوات؟” وأردف: “يا عسى ولعل!”..

ومع قسوة الألم الذي يعتصرني يومها وأنا واجم لا أرد.. لانني لم أستبن عمق الكلمات – ولم أسبر غورها – إلا بعد مضي الأعوام العشرة.

لو حقق الله أمنيتك أبي (وليس ذلك عليه ببعيد) وأنت الثاقب بصراً والصافي بصيرة والنقي سريرة.. لرأيت أرضاً غير أرضك، وقوماً ليسوا قومك، لرأيت الوطن الذي طهرته… وقد أضحى مستعمراً، والشعب الذي حررته .. قد أصبح مستعبداً، والحرية التي جئت بها.. قد أصبحت دُمية ومسخاً.. لرأيت أطلالاً يبكي عليها الشعراء، تعيش فيها الأشباح.. لا خبز ولا ماء.. وأطفالاً بلا تعليم .. ومرضى بلا علاج.. وجهلة بلا علم.. وأرضاً بلا زرع.. وأنعاماً بلا ضرع.. لرأيت أرضك الطيبة الطاهرة يغادرها أهلها وعلى وجوهم الدمع.. وفي أحشائهم الطوى.. وعلى سيمائهم المذلة.. ورأيت أخلاقهم السوية المستقيمة وقد تهاوت وإنحدرت وتدنت إلى حضيض الحضيض.. تحوم حولهم جحافل التتر وأسراب الجندرمة ومحاكم التفتيش.. وقوافل العسس.. ولرأيت صفوف المهانة تستجدي لقمة الذرة وجرعة الماء وذرة الوقود..ولرأيت مكاتب خاوية ومدارس فارغة ومستشفيات تعطرها رائحة الموت.. لرأيت شعبك الأبي وقد أصبح كل فرد منه حكومة – حيث لا حكومة – عليه أن يحفظ أمنه بتربية الكلاب وإقتناء السلاح.. وأن يعلم أطفاله بنفسه.. ويداوي أسرته بيديه، ويجوب الطرقات لكي يجد ما يسد به أدنى الرمق، من تجار الجوع وسماسرة النخاسة ومصاصي دماء البشر … ولرأيت العشرين مليوناً من الجوعى والمرضى، تظللهم سحائب الغُلب والقهر والفقر والإذلال العصبي والنفسي والجسدي.. وقد تكوموا في جانب.. وفي الجانب الآخر.. بضع مئات من الحفاة العرأة رعاة الشاة وقد تطالوا في البنيان!.. ,امتطوا سيارات الأباطرة.. وأنشأوا مزارع الأكاسرة.. ولبسوا لبوس القياصرة.. وجلسوا في الجنان بين القيان.. يرفهون عن حكامنا المنحلين المرتشين الساقطين.. تحرسهم كراديس جيشنا “الباسل” وسرايا سلطتنا “الساهرة” وطوابير أمننا “الحافلة” وأقوام قضاتنا “العادلة” يحرسون سلطتهم ويباركون نهبهم.. ويشاركونهم رجسهم وفسوقهم وفجورهم.. ويشهرون سلاحنا في في وجوهنا.. دفاعاً عن باطلهم وسرقتهم لقوت أطفالنا.. وعرض نسائنا.. ورجولة أبنائنا.. ومقدرات بلادنا.. ومسيرة أجيالنا.. ومستقبل وطننا وحاضره.

ولقد تركت بلادنا – أبي وهي عربية الإنتماء، قومية المسلك والمنهج، وستراها الآن وهي في مستنقنع “معسكر داوود”!! وفي أحضان الصهاينة وأسيادهم من الإستعماريين.. تركتها وهي مركز الإشعاع للتحرر الإفريقي.. يهرع إليها نكروما ويقصدها كاوندا.. وأنت تراها الآن وهي مستلقية في أحضان الإمبريالية.. مفترشة دهاليز الإستخبارات الأمريكية وعملائها.. وتركتها وهي ترفض القواعد وتطردها.. ,انت تراها الآن وهي تقنن في إنشاء القواعد من بحرية وبرية وجوية وصاروخية وإستخباراتية أمنية.. ولقد كنت سيدي الأب – رئيساً لهذا البلد ورمزاً لعزتها وكرامتها وكبرياء شعبها.. الوطني والقومي والعالمي.. ولا يذكر أحد داخل السودان وخارجه، أنك غادرت البلاد إلا مرات معدودات.. لمناسبات رسمية خارجية، ولم ترض يوماً لنفسك ولا لشعبك ولا لوطنك أن تجوب أنحاء المعمورة، تستجدي المعونات وتطارد الهبات.. وتمد يدك ويد شعبك لدنانير معدودات لك أو لبلادك.. وانت ترى الآن “رئيس” آخر الزمان! لا يستقر له حال ولا يحط به رحال … حاملاً قبعته في يد وكرامته –إن كانت قد بقيت له كرامة – في اليد الأخرى.. يلهث وراء الدراهم لا الدنانير.. يجثو أمام كل حاكم ويقعي تحت قدمي أي أمير.. يلتقط الفتات ويجمع الصدقات ويدبج القصائد وينشد المواويل حتى أصبح سخرية السابلة ومحل تندر الدهماء والغوغاء في أي قطر!! ,اصبح إسم بلادنا الخيرة الكريمة المضيافة العزيزة مقروناً “بشحاذة الدولة” وتسؤله العالمي وتردده وتكرار تواجده، حتى أحط بمنصب الرئاسة وقداسة القيادة في بلاده.. وحتى في بلاد الآخرين!! وتركتها سيدي وهي خضراء يسر لونها الناظرين.. تنبت من كل سنبلة مائة حبة، يفيض خيرها على أهلها وجيرانها.. وتطعم أهلها وجيرانها وإقليمها وقارتها.. وهي الآن جائعة!! تأكل ثديها.. تركها الجياع وهجرها الزراع.. فأصبحت سراباًبقيعة وقاعاً سبسباً وخراباً يباباً.. ,أصبح ثمرها الرطب زقوماً وغسليناً.. واضحى نيلها – صانع الحياة والحضارات – وقفاً على غيرها.. وضاق أهلها بها وبالحياة فيها وهجروها بالملايين.. وأصبح شعارهم ” أغترب سعد.. أهرب سعيد” وبلغت الروح التراق وقيل من راق.. وتبدلت مميزاتها الإجتماعية، وتفككت إرتباطاتها الأسرية والإقليمية..وأنحلت أواصرها الدينية.. وأنحطت تقاليدها الوراثية..وأصبح الرجال فيها غير قوامين لا على أنفسهم ولا على نسائهم! وأصبحت الأخلاق فيها عملة منقرضة ونادرة! وطحنهم الغلاء وتملكهم الخوف وسيطرت عليهم الهواجس.. وقتل حكم الفرد فيهم روح الغزة والإباء وأشاع فيهم روح الهزيمة وأصبحوا فريسة الهواجس وضحية الغرائز، وأصبحوا ركاماً سُخاماً ومسخاً لُماماً.. وحتى إن وجدوا من يصلح إقتصادهم وآدائهم.. فمن الذي يصُلح أنفسهم ويصلح سريرتهم وأخلاقهم؟..

أما نحن أبي ورئيسي – المحيط المتلاطم الذي خلفته من المؤيدين والمتحمسين والقلة القليلة التي تركتها من العاملين المتجردين، فقد بقينا – بعد أن سقطت بيننا – نعض على وطننا وحزبنا وعلى مبادئك بالنواجذ، ونقبض على جمرها بالأصابع منذ أن فارقتنا وإلى أن يرث الله الأرض وإلى أن نلقاك أو نلحق بك.. لا يغرينا وعد.. ولا يرهبنا وعيد.. ولا يخيفنا رعديد أو صنديد.. وكم قابلنا – أبي – من بطش الأعداء ومكر الحلفاء وتنكر الزملاء.. وتكسرت علينا النصال فوق النصال.. وتفتحت فينا الجراح فوق الجراح.. وتكاثرت علينا هجمات الأصدقاء والزملاء.. قبل حملات الأعداء الألداء.. وقيل لنا:

“إن الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم”

وإن العدو حولكم قد دوت صيحاتهم.. فلم يزدنا هذا إلا إصراراً وإستكبارا.. وزادت حملات الزملاء والأعداء.. هؤلاء الذين إذا دعوناهم للنضال قالو:

“هذه حمار القيظ”!

وإذا طلبناهم للقتال.. قالوا:

“هذه قرارة الشتاء”!

وأصبحوا يتحايلون على النكوص والتراجع برمينا بأباطيل التهم وأراجيف الرجم.. فإذا ساقتنا الجغرافيا إلى إثيوبيا.. قالوا:

“إنهم كفروا بالله والرسول، وأصبحوا من غلاة الإمبراطوريين”!

وإذا قصدنا أرض االله الحرام.. قالوا:

“إنهم سدنة الرجعية والبترول”!

وإذا إتجهنا إلى منابع الثورات..

“أصبحنا ليبيين وبعثيين”!

وإذا عرجنا للسماء.. قالوا:

“إنهم رجم من الشياطين”

وإذا إتجهنا إلى مناطق النضال.. قالوا:

“أننا في ملاهي باريس”!

وإذا إتجهنا للإعلام.. قالوا:

“إننا عبيد الأنظمة ورقيق المال”!

وإذا بقينا في الخارج – نجاة بمبادئنا وأهدافنا – قالوا:

“إنهم قد إستناموا للفنادق والمطاعم”!

ونسوا بقاءنا في أدغال الغابة ورمال الصحراء.. وإذا طارت إشاعة أننا إلتقينا بأحد قالوا:

“أنهم قد رضخوا وإستكانوا وصالحوا وترهلوا.. وضاقوا بالكفاح وآثروا السلامة والدعة والراحة”!!

وإذا حصلنا على السلاح قالوا:

“إنهم تجار السلاح والدمار”!

وإذا تزودنا بالمال، أشاعوا:

“إننا سدنة المصارف وأثرياء التجار.. المتعاملون في السكر والذهب وحتى الأفيون”!!

وإذا إشتركنا مع زملاء السلاح في ثورات التحرر.. قالوا:

” إننا إنشغلنا بغير قضيتنا”!!

وإذا قابلنا البسطاء من الجمهور – طلبة وعمالاً وكادحين.. قالوا:

” قد إستبدلوا الكبار بالصغار”!

وإذا فتحنا الباب للأجيال الحالية – أصحاب المستقبل الواعد ليرقوا العمل والمبادئ بعدنا – نحن في خريف العمر – قالوا:

” إنهم مشغولون بالسفهاء والصعاليك.. وتاركين لأهل الحجا والنهي والعلم والتجربة”!

وإذا أكرمنا ضيوف الحزب والمعارضة والحركة الوطنية ووقفنا معهم في مشاكلهم وشاركناهم هموم الغربة وأوجاعها ومشاكلها.. قالوا:

” إننا السفهاء المبذرون”

وإذا إنشغلنا عن واجباتنا الإجتماعية – وأنت تعلم سيدي الرئيس- أننا خارج المجتمع منذ إثنتي عشر سنة.. قالوا:

” إننا المهملون الجافون الجفاة المتكبرون المذلون غيرهم بالمال.. المتغطرسون”!

وإن حافظنا على تحرك النضال الدفين – ونحن نعلم أنه مفتاح النجاة والخلاص- قالوا:

” إننا المتفردون والإنفراديون والديكتاتوريون السلطويون”!

وإذا عملنا – ولم يعمل الآخرون – قالوا:

” إننا إحتكرنا العمل “!

كأننا لا نشجع ولا ندعم ولا نتحمس لأي مبادر مبارز.. وكأن حيز العمل ضيق ومحدود ولا يتسع لأي مناضل متجرد.. وإذا ضاقت إمكاناتنا – وكثيراً ما تضيق – وقصرنا.. أصابنا التجريح.. كأنما المعارضة مصرف متجدد الموارد ومتكرر الإدرار.. وكأنما المعارضة ليست معاناة..!! وليست جوعاً .. إنما هي الترف والشبع.. وكأنما هي إكتفاء الحواس والأطايب.. وإذا تحدثنا تشابكة الهواتف وإتصلت الأسلاك ودار الأنس في المجالس فوصل الأعداء عبر أناس غير مأموني الوشاية.. وإذا صمتنا قالو:

“إننا المتآمرون المتسترون الباطنيون”!

إلى من نشكو سيدي الرئيس!. وقد علمتنا ألا نشكو.. وإلى من نحتكم وأنت …. بيننا ؟ وجهازنا لا يكتمل إلا بإكتمال خلاص بلادنا… وضمان ديمقراطيتنا..

لقد تركت لنا جيلاً كله من الزعماء – ما أصعب التعامل مع الزعماء!

وتركت لنا قاعدة.. أردنا أن نردها إليك كاملة غير منقوصة.. بكل مشاكلها وحساسيتها وتكتلاتها.. وتركت لنا من لايرضيه العجب والصيام في رجب.. ومن لا تتساوى تطلعاته مع قدراته.. وأردنا أن نتحمل – كما كنت تفعل – ونسلمك الأمانة كلها بما فيها.. وبكل سلبياتها وإيجابياتها وكل صالحها وطالحها – ليتك رفعت رأسك – إذا إستجاب الله لدعائك.. لترى ما الذي حل بالبلاد وأهلها.. من بعدك! ومع هذا فأنا واثق.. إنك لن تُلقي بالاً لكل الهامشيات والثانويات والسطحيات هذه التي تموج في النفس.. بل سترى: إن حزبك – حزب الحركة الوطنية – قد تخطى الحدود المحلية.. ووصل مشارف الذرى الإقليمية.. عربية وإفريقية.. وإقتحم جدار المحابس الدولية.. إنه يخوض معركة ضارية وجسورة في سبيل مبادئه في الحرية والديمقراطية والإشتراكية.

إن النظام الحالي.. تحت ضربات حزبك وحلفائه، قد أصبح حطاماً.. وهو بإذن الله منته.. إن الموقف الوطني والقومي والعالمي مع حزبك.. وإن التاريخ نفسه معه.. إن جماهير الشعب كلها تقف حوله في المعارضة.. وإن النظام المعزول سياسياً وإقتصادياً بقيت فقط هيبته الأمنية ولا بد أنها ستنهار.. وتفسح الطريق للنصر المؤزر.

سيد الرئيس..(في عليائك مع الخالدين والشهداء) نحن لا نهتم بما يهرفون ونحن قادمون على إزالة النظام بكل الثبات والثقة.. ونحن مؤهلون لذلك.. إن كل التقارب بين السودان وبين أنظمة أخرى لا أثر فعلياً له.. ولن يؤخر لنا إنجازاً ولا نتيجة.. نحن مع التحرر الداخلي والخارجي ومع القومية العربية والوحدة والإشتراكية.. نحن مع إطلاق الحريات العامة والنقابية كلها وفي كل الوطن العربي.. نحن نتحالف مع قوى هي أقرب لنا ونحن لا نشك أن تحالفنا مركزي وأساسي، والقوة التي تقف معنا قوة عربية وقومية.. مؤمنة ومتعلقة بقضية السودان نحن نطبق على هذا النظام من كل جانب، وسنجهز عليه لا محالة.. نحن نرى النصر ونتنسمه ، ونحن واصلون له طال الزمن أو قصر، ونراه قريباً وقصيراً..

إن حلفاءنا – معارضة أساسية للنظام عامة – ضده بكل طاقاتها وليس هناك أي تناقض بين أهدافنا وأهدافهم.. نحن منسقون ومتجانسون ومتفقون.. إن تحالفنا ليس من أجل المال.. بل من أجل الوطن..”وكبرت كلمة تخرج من أفواههم”! وهو ليس من أجل مصلحة، بل هو من أجل الوطن، و من أجل الأمة العربية، ومن أجل المستقبل المشرق لجماهير الشعب السوداني.. لسنا من الضعف بحيث نتأثر بدعاية الآخرين .

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!