رمضان بنكهة زمان.. قبل الحظر

6

يبدو أن اتكاءتنا البكائية على حائط الماضي ستطول، خاصة وأن الذكريات الرمضانية لا تزال حريصة على أن تنكأ الجرح في كل عام، الواقع لم يعد يعبر عنا لذلك نهرع بقصد أو بغير قصد إلى ماضينا القريب والبعيد لنعيش تفاصيل ذلك الزمن.
أشفق على أطفالي وأترابهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وتزداد شفقتي عاماً بعد عام عند الفطور وفي السحور وما بينهما في النهار وحتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ومع ذلك علينا الاعتراف أن رمضان له نكهة خاصة وبصمة يفرضها على كل زمان وكل مكان على الصائم والفاطر الصغير والكبير، فقد لا حظت أن هناك حالة من الاستئناس والراحة تسري في جسد وروح البلد والناس لا تتوفر إلا في هذا الشهر، كالتجول بأمان واطمئنان حتى الفجر في أماكن يصعب التجول فيها بغير رمضان، فالأماكن التي يجلس فيها الكبار أو يلعب فيها الصغار في الشهر الفضيل لا تتمتع بأي ميزة سوى السحر والسر الرمضاني لمستغليها، فالحجر هو نفس الحجر والشارع هو نفس الشارع الذي تخاف عبوره في بقية العام بعد منتصف الليل، وإن غابت هذه الخاصية في هذا العام بفعل الحظر في الخرطوم، ولكن يبقى رمضان هو رمضان.
أما ما يثير الشفقة على حال الصغار فهو حصارهم بين الحيطان وحظر حركتهم إلا بالريموت عبر قنوات محددة على مدار اليوم فيها ما فيها من رسائل التسلية والترغيب والترهيب، وقد شعرنا بحجم مأساتهم بعد أن جربنا الحظر الكامل والجزئي بأمر الله ثم بأمر اللجنة العليا للطورائ الصحية نيابة عن فيروس كورونا.

على أيامنا كانت هناك قناة تلفزيونية واحدة هي تلفزيون السودان، وكانت تملأ فضاء الجميع، ولم نشعر وقتها بالملل كان مسلسل (لا إله إلا الله) يبث عصراً وكانت درجة المشاهدة فيه عالية لم تبلغها أغاني السر قدور ورامز مجنون رسمي، وحتى البيوت لم تكن مبردة بالمكيفات، فقد كان رش الأوضة والبرندة مع (بل) الثوب بالمياه المخرج من زنقة نهار رمضان وما أحلاه من نهار، (ولا علاقة هنا للبل ببل لجنة إزالة التمكين) فالبل وقتها كان للحلو مر والبلح والبليلة والفول.

مازلت أذكر كيف أنني وبعد نهار رمضاني طويل من الصيام، وبعد أن عبرت به إلى العصر أفطرت على كوز ليمون بارد بعد الرابعة والنصف عصراً ساعة تجهيز (شربات) الفطور (الليمون والحلومر) أي قبل نحو ساعة ونصف الساعة من موعد الإفطار، وقد كان أجمل كوب ليمون شربته في حياتي ومنذ ذلك الحين أصبح الليمون مشروبي المفضل، وإن كنت لا أستطيع شربه في نفس التوقيت.

ثلاجتنا كانت (6 قدم) وكانت تكفينا وتكفي غيرنا من الجيران وغير الجيران، و(قالب التلج) كان يفعل ما لم يفعله لوح الثلج الآن، أنا شخصياً حتى الآن لم أستوعب هذا لكنه كان يحدث وكنت شاهداً على العصر كما شهده معي الكثيرون، وعلى ذكر الثلاجة فقد كان بها رف مخصص للدواء حسب اعتقادنا وكنا نسميه (محل الدوا) وهو مكتوب عليه (cheese) ولم يكن للجبن أو الجبنة مكان في ثلاجتنا رغم كيد الصانعين بل كنا نقضي عليها أولاً بأول في ورقتها أو كيسها ولم تكن الثلاجة على أي حال المكان الآمن لحفظها.

الألعاب كانت ممتعة لم يتحكم فينا الريموت ولم نكن عصيين على التطويع والمرسال (ده كان لمو فينا)، ولا يمكن الكتابة عن رمضان زمان دون ذكر أيام (الخبيز) و (الحارة) وهي “الرحمتات” آخر خميس من رمضان تعقبه الجمعة اليتيمة، وقد تحدثت عن الرحمتات وخبيز العيد في مقال رمضاني سابق، ولكن لا بأس من وخزة تجعل الكل يسرح في أيام رمضانه الجميلة أيام لم نكن نعرف أن العشر الأواخر لتكثيف العبادة وليلة القدر، فقط كنا نظنها لإعداد الخبيز وهدوم العيد وتجهيز ما نحتاجه من عيدية، فهل أنتم مستعدون لتلبية رغبة أطفالكم، فهذه هي العشر الأواخر التي كنتم تحبونها، وهي فرصة لتتذوقوا طعمها، فهو ذات الطعم الذي أذقتموه الآباء من قبل.

ملحوظة: تم التعديل للتبلد وقلة الإنتاج الجديد أولا وليتماشى مع الظرف الراهن.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!