https://www.dirtyhunter.tube

سماهاني رائحة القرنفل في أزمنة “الحب، الموت، الثورة”

19

أحمد يعقوب

(ان فتح الأرض غالبا ما يعني انتزاعها من أولئك الذين لهم بشرة مختلفة أو أنوف أكثر تسطيحا، ليس عملا جميلا حين تتأمله بإمعان وليس ثمة ما يشفع له ويمنحه الخلاص سوى الفكرة  الكامنة وراءه لا ذريعة عاطفية بل فكرة وإيمان لا تشوبه الأنانية، التي هي شيء بوسعك أن تقيمه نصيا وتنحني أمامه مبجلا، وتقدم له القرابين)
جوزيف كونراد-قلب الظلام
توطئة:
بالإمكان اجتراع طريقة مغايرة تماما لقراءة النصوص التي تدخل في إطار ما اصطلح عليه بروايات (التخيل التاريخي) قراءة ما وراء النص ما يريد أن يحكيه الراوي بطريقة تثير شهوة الركض خلف اللذة الممنوحة للنص لفضاء مسكوت عنه تاريخيا، ليخاطب قضايا ماثلة للعيان في وقتنا الراهن، وفي الآن نفسه القفز فوق ثيمات النص لقراءة واقع انثربولوجي (لانسنة ) الأدب، متخطين بطبيعة الحال لبراديغم النقد ومنهجيته، من أجل تفكيك تكنيك العمل الروائي وصوره الجمالية أولا واستعداده لفتح باب التأويل لقراءة جانب من التناص السردي، وهي قراءة منتجة في السياق السردي الجديد، القراءة التي تألب العقل. الرواية الناهضة لتوها كفقمة البحر من دار نشر مسكيلياني التي عبرت كقوس قزح هي نصوص انسانية وبالتالي هو نصنا، النص الممتد على بحر ثلاثمائة وخمس وثلاثين صفحة هي ملحمة بامتياز، إنه سرد ونص مكتوب على كل البحور بحر السلطة، الجنس الحب الموت الثورة الخصي الذهني في المقام الأول ثم العضوي بخر الفساد الرزيلة عي بحور فضائية أرضية.
(٢)
يقول سوينكا، : “لن نقدر على أن ننقذ أفريقيا. لكن، أحسن شيء بالنسبة للروائي، في أي دولة، وبأي لغة، هو أنه يحكي روايات. يصف ما حدث، ولا يقدم أجوبة أو حلولا”. وأضاف: “ربما توقظ رواية ضمير شخص، وربما توقظ روايات ضمائر أشخاص. إنها مهمة طويلة المدى”.
مهمة الرواي ليست أرخنة الفعل الإنساني وتبويبه فتلك مهمة المؤرخين مما يطرح مشكلة كتابة التاريخ، وأرخنة الوضع السائد، مهمة الراوي هي إثارة أسئلة عويصة ومثيرة حول الإنسان نفسه متسائلا له في ما وراء علاقات القرابة والسلطة ورؤس الأموال الرمزية ومحاورا له في عمق كينونته وجوهره ونابشا عن الممنوع والممتنع ومتناسيا في الآن نفسه عن عمد حول صحة الوقائع التي يكتب عنها فاتحا باب التأويل على مصراعيه لأكثر من قراءة، وقارئا الأسطورة كما تشتهي شخصياته أن ترويها.


في السياق السردي لبركة ساكن فتحت كوى الخيال على كل الاحتمالات أن الخيال كالنبتات التي تثير الرؤى والتهيؤات.الأسئلة العميقة التي طرحتها الرواية تمس أغوار النفس البشرية حيث تثير مفاهيم من شاكلة الخوف، والرهبة امام جبروت الإنسان نفسه حينما يركبه شيطان السلطة، اضافة إلى تثوير قضايا عميقة الصلة بالكيان الوجودي للإنسانية وجوهرها الحب، الكره، الفضيلة، الرذيلة، الانعتاق من وهم الأنا العليا إلى التفكير في المجتمع والثورة، تتبطن منظومات بركة ساكن حول الطبقات المهمشة والمقهورة والجانب الإنساني.
لعل من أكثر السمات الأسلوبية اللافتة في رواية (سماهاني) هو أنها تنبني على هيئة تقديمات وتأخيرات لمسار صناعة مصائر الشخوص الروائية في الأحداث. فالرواية تجعل من علامات مصائر الشخوص كمقدمات جاءت تضمينية موزعة في رحاب ففي الفصول الأولى من حكي السرد، التي حلت كتضمينات داخل فقرات فصولية مستقلة بذاتها لاحقا. الأمر الذي جعل صيغة الأحداث تنمو، وكأنها غير مقيدة بصياغة خطية زمنية تماما أن البناء الزمني / الاستباقي، في رواية (سماهاني) ما كان يشكل حركة زمنية تحدث داخل منظومة الاسترجاع، إذ أننا نعاين مدى استباقية السارد، أثناء مراجعاته الورائية أحداثا تبدو متقدمة على مستوى النقطة الزمنية، التي وصل أليها السرد في الرواية. وهذا ما نلاحظه في مواطن عديدة في فصول النص. وهذه الدلالة الاستباقية في سرد الأحداث بما أنها تقع داخل حافزية زمنية مركزة، إلا أنها في الوقت نفسه تبدو حالة تفارقية و مهيمنات نمو الزمن البؤروي في مدار واقعة موضوعة الرواية. و الاستباق و شرائطه في محكيات رواية (سماهاني) منه ما كان يشكل فاصلة زمنية ومكانية خاصة وان المكان لاينفصل عن الزمان.

تناص تاريخي

في تناص تاريخي بديع يرسم الروائي بركة ساكن لوحة عن الحياة في جزيرة زنجبار، وحينما يسرج مروياته ذات التخييل التاريخي تتبطن منظوماته في إطار الاكتناه والاستباق الداخلي والخارجي وقراءة اعماق النفس الإنسانية.
الرواية التي صورت الحياة في انغوجا، حيث يحكمها السلطان بقوة مطلقة وقبضة على كل المفاصل الحياتية ويعيش في ترف باذخ بامتلاكه للجواري والغلمان، ويقيم على شؤون حياته الخاصة جدا مثل الشؤون الإيلاجية وغسل الشرج بعد الانتهاء من المراسم الخرائية عبد مخصي، استطاع بركة ساكن رسم صورة لشخصية السلطان تشابه صور كل الديكتاتورين المعاصرين، من اكتناز للجسد والغطرسة، خواء العقل، فساد البصيرة، البذخ المترف، في حين يعيش عامة الشعب من فتات الموائد السلطانية، السلطان الذي كان بمثابة الرب في امتلاكه لكل الأشياء في الجزيرة حيث اعلنها صراحة في مونولوج طويل وادعى أن السماء أيضا ملكه عدا الرب الذي يقيم فيها، لم يتخيل ان الثورة التي فاجأته إضافة إلى تكالب الإنجليز ومطامع الفرنسيين سوف تقتلع جذوره البوهيمية اقتلاعا كاملا وتبقيه كنسر قلمت اظافره.

حينما بدأ الانجليز التفاوض الفعلي لاستلام الجزيرة عن طريق فوهات المدافع ودك قصور السلطان المتناثرةثم التفكير في تحرير العبيد، كان السلطان يحتمي بالسجن الذي أنشأ خصيصا لمعاقبة اؤلئك العاصين السجن الذي لايعرفه، يرسم الروائي وجها مغايرا للسجن حيث أن أفعال الإنسان هي السجن الذي سوف ينال فيها القصاص حسب أفعاله وهو مالاقاه السلطان حيث واجه الخصي الذي كان يمارسه على العبيد باستمتاع، دُكت أعضاؤه الجنسية، وتم خصيه متنازلا عن كماله الربوبي الذي وهن بعد الثورة وتحرر العبيد والمنكسرين من الرجال بفعل الإخصاء وكل السبايا، حيث الرواية في هيكلها السردي هي مفهوم الإنسان المتسلط وعاقبة افعاله

الأميرة في تمام عريها:-

الأميرة التي باركها الرب مؤخرا، عاشت طفولة معذبة حيث توفيت والدتها وقامت برعايتها مربيتها الهندية، ثم أوكلت المهمة إلى عبدها سندس المخصي، قامت علاقة خاصة جدا بين جسد الأميرة التي تعيش في أقصى درجات البوهيمية وفي ترف ممل جدا والتي لاتفعل أي شيء حتى مهمة غسل أعضائها التناسلية بعد الفراغ من قضاء حاجتها وعبدهاسندس. تكشف الرواية عن نشأة الأميرة واشكالياتها النفسية في غوص عميق نحو الذات المبتورة والتي بدأت بختانها الفرعوني وارتباط الوشائج بينها وسندس المخصي هو الأخر والمبتور من فضائه القبائلي والاجتماعي إلى فضاءات القصر، الأميرة التي تزوجت زير نساء واستخدمت ساحرة لقتل زوجها والتي وجدت لذة الجنس الذي خبا بعد سفر الزوج وموته، واتقد أكثر حينما اكتشف سندس أو بالأحرى قامت علاقة وثيقة الصلة بين جسد الأميرة وسندس، الأمر الذي حدا بعبدها إلى اقناع نفسه بضرورة استعادة عضوه المبتور من كهف الرب، بعد اقتحام القصر من قبل الثوار اقنع سندس الاميرة بالفرار معه إلى البر الإفريقي حيث الحياة مختلفة تماما، ضج الحنين داخل عقل الأميرة بالرجوع إلى القصر الذي أصبح الإنجليز يديرون شؤونهم من داخله، هنا تظهر الدراماتيكية في الأحداث وأسلوب الانتقال السلس نحو الثأر المدفون في عمق ذات الرجل الذي الذي أرضعته الكلاب، حيث قتل السلطان أمه واغتصبها، يدخل الرجل في حوار مع الأميرة إلى مرحلة أن المنتقم ليس له وازع كما أن المحب ليس له وازع، تندغم أهواء الرجل وتختلج إمكانيات الانتقام باستدعاء الصورة المخيالية للفناء الذي واجهته امه ويبدأ في تنفيذ اغتصاب الأميرة وقتلها مبرئاً إياها من السلوك الحيواني لوالدها ومذكرا لها بعقدة الثأر التي تتقد في دواخله ووعده لنفسه ولامه بالاقتصاص آجلا أو عاجلاً، في النص الأخير تتعمق الملهاة والمأساة ويسترد النص مسرحيته المرئية والتخيلية ويحبك الصورة الاجتماعية لعصر العنف الذي يواجه بالعنف.
(4)
مايصير الإعجاب في الرواية البلاغة اللغوية والأسلوب الانتقالي التخييلي للاحداث وان كانت تقوم على الاستباق، لوقائع تاريخية لسنا مسؤولين عن صحتها لسرد مشبوه أشار إليه الراوي في المقدمة. عندما تبدأ في قراءة الرواية تستعيد عوالم التاريخ المحكي للحبوبات وقلما تشعر أن اللغة المحكية هي لغة العصر الحالي، استطاع الراوي استدعاء التاريخ بكل ملامحه وهوامشه من خلال مقارباته التنظيرية وقراءاته التخيلية لشخصية السلطان وابنته الأميرة والعبد المخصي سندس في حبكة مثيرة وتكنيك سردي عالي باستخدام كل ميكانزيمات الزمكان المروى عنه، حيث تعج الرواية بالأساطير والرعب والموت والعواطف الحالمة والمخبأة والمشتعلة حيث الذات الإنسانية مترعة بكل أنواع الثنائيات ويلعب الموت دورا بارزا في اهتياج التاريخ المروي، والقصاص من أجل تأكيد الذات وإرواء النفس المتعطشة بالتشيؤ لكل ماهو إنساني وإطعامها المقت. الرواية تفتح نفاجات لقراءة تأويلية مغايرة لتاريخنا الإفريقي الذي كتب بيد المستعمر.يكشف بركة ساكن وجها آخر للأدب عندما يعضد مقولة إن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي وينمطه ويحرك دوافع التثوير لكل شيء.

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!