سنة أولى ديمقراطية (2)

5

blank

د. ناهد قرناص

ليست كل الخلايا قابلة للانقسام.. أو التجديد ….مثال لذلك خلايا الأعصاب.. ولو كانت تتجدد لاحتجنا إلى تعبئة الذاكرة كل عدة سنوات بالبديهيات مثل لغتك الأم والأرقام وملامح أقربائك وتفاصيل حياتك.. هذه الخلايا لا يمكن تعويضها إذا تلفت.. أي تلف أو إصابة لإحداها لا مجال لتعويضه بانقسام ثنائي بسيط أو معقد.. ولا يحزنون.. عند موت الخلايا العصبية تكون النتيجة باهظة.. أما شلل أحد الأعضاء.. أو فقدان البصر أو السمع أو الإحساس.. ربما يتعطل عضو واحد لكن تأثيره يمتد إلى بقية الجسد طوال العمر.
ما علاقة هذا بما حدث في تجمع المهنيين ؟ العلاقة هي المشابهة.. فتجمع المهنيين مثله لدي الشعب السوداني كتجمع الخلايا العصبية التي كانت توجه مسيرة الثورة السودانية وتتحكم فيها بتميز واعجاز استحق الإعجاب والدهشة.. و بعد الثورة ظل يقف حارسا ومراقبا للاحداث مترفعا عن الخوض في غمار الخلافات والتعقيدات.. حتى صدمنا كلنا بالأشياء التي برزت إلى السطح وتم رفض نتيجة الانتخابات الأخيرة في مؤتمر صحفي عبر أجهزة الإعلام المختلفة.
نرجع بالزمن مرة ونتساءل ما هو أصل تجمع المهنيين؟ هو تجمع نقابات الظل (والمصطلح من عندي وحقوق الطبع محفوظة).. نقابات الظل هي النقابات المقابلة لتلك التي كان يتم تعيينها وليس انتخابها طوال عهد الإنقاذ.. فقد اجتهدت الإنقاذ في تفتيت عضد النقابات وخلق غيرها باختيار اسماء منسوبي الحزب الحاكم في كل مؤسسة لشغل مقاعد النقابات التي كانت أجسادا بلا روح… تخدم مهمة الحزب أولا وآخرا.. لذلك نشأت تجمعات مقابلة في الظل لمناهضة هيمنة الحزب الحاكم على النقابات.. مما يعني بالضرورة انها لم تنشأ بالانتخاب الحر.. وإنما نشات نتيجة الأوضاع الصعبة التي كانت تمر بها البلاد.
نجحت نقابات الظل في الائتلاف والتفاهم طوال فترة الإعداد للثورة.. وكذلك أثناء الثورة.. يبقى ما الذي حدث لكي تحدث الاختلافات التي تؤدي للخلافات التي تصل إلى الانقسامات ؟؟.. هل وصل تجمع المهنيين إلى نقطة الانقسام الثنائي البسيط ؟؟ طيب لو همسنا لهم انهم من ذلك النوع الذي لا يتجدد ولا يمكن تعويضه إذا تلف.. هل يمكن تدارك الأمر ؟ الشيء المعروف بالضرورة في الديمقراطية.. ليس هو تقبل الآخر فقط.. ولا السماح له بالتعبير عن رأيه بوضوح وشفافية.. لكن هو ان تعطي ولو نسبة ضئيلة لاحتمالية صحة أفكار الآخر.. فالرقم (9).. يقرأه الذي يقف على الجانب المقابل (6).. ولو استمر الجدال بينهما إلى أبد الآبدين.. سيكون كل واحد منهما مصرا على موقفه الذي يراه من جانبه.. ولن يتزحزح عنه الا في حالة أن وضع كل منهما نفسه مكان الآخر … كما يجب ألا تفوت على فطنة المهنيين سياسة (فرق تسد) التي كانت الحيلة التي يستخدمها المؤتمر الوطني لكي تتفرق الجماعات ويظل هو سيد الموقف.
كل التجمعات السياسية والفكرية والثقافية.. تضم أفرادا مختلفي الأفكار والثقافات والهوية.. لا يجمعهم إلا احترام هذه الاختلافات والإيمان بحق كل منهم في التعبير عن رأيه.. والتبشير بفكرته والسعي لنجاحها بكل الوسائل المشروعة والمتاحة للجميع.. الاختلاف في مجمله (رحمة) و سيكون نقمة عندما يصير خلافا لا يمكن تجاوزه.. و يؤدي إلى انقسام خلايا لا يمكن تجديدها عند التلف.. وإذا حدث الانقسام سيؤدي مباشرة للسرطان لأنه لا يمكن السيطرة عليه …وسيأتي بخلايا لا تشبه الخلية الأم.. خلايا مشوهة لا تقوم بوظيفتها.. وإنما تستنزف دماء وغذاء الجسم ومن ثم تقوده إلى حتفه بأسرع مما يتصور..
لذلك وبناء على ما سبق ذكره من حيثيات اعتقد من وجهة نظري المتواضعة انه من الاجدى لتجمع المهنيين.. الرجوع إلى الأصل.. إلى القواعد.. والإشراف على انتخاب نقابات شرعية تمثل رؤى التغيير والثورة.. ومن ثم بعد ذلك يتم التوافق على ما يمكن عمله فيما بعد.. أما ما حدث من اختلاف وتشرذم.. فهو أمر لا يشبه المهنيين ولم نتوقعه من جسم قاد الملايين في أعظم ثورة في القرن الواحد وعشرين.. والسلام ختام.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!