شاعرية وحكايا عبدالباري

2


كُنت قد قطعت وعداً لتناول شاعرية وحكايا عبدالباري .
أولاً : واجب التنبيه إلى أنني لست ناقداً ، ولا كاتباً ، ولا شاعراً ، ولا حتى خصب الخيال حتى أنبري للكتابة في هذا المجال ، ولا أعتقد أن أمي قد ولدتني لهذا … أُبريء نفسي من ذلك تماماً ، وإنما حسبي من ذلك كله قلب نابض … و أجدني متمتع ومتذوق كغيري من عامة الناس . ومن قبل لم يصعب عليّ شيء
إلا أمرين : (تكليف محبة) … هاذين الأمرين تقاعست وترددت فيهما كثيراً إبتداء عندما دعاني بإلحاح الصديق الوافر / محمد فرح وهبي لما خلُص من كتابة سفره (سارق الضوء ) … “قصة حياة ورحيل الراحل محمود عبد العزيز” لإلقاء الضوء والإطلاع على ماخطه ، تهربت من بادئ الأمر وتحت إصرار وهبي إستجبت واتكأت على بنيان رصه الدكتور منصور خالد عن الراحل “خوجلي عثمان “وإستلفت منه لقب “زرياب المغني ” والذي أطلقه حينها ــــ اي دكتور منصور خالد على الراحل خوجلي عثمان مستوحيه هو الأخر من الأديب علي المك ثم علقت على محتويات الكتاب .

ومرة ثانية: حينما لم تنفك النداءات المتكررة للصديق الأثير وأحد أجمل هدايا وعطايا هذا الكوكب الفسيبوكي Sayed Osman… و الحاح وملاحقة المستنيرة Shaza Fageri …. بالكتابة عن هذا الكائن الماهل والمهول في آن ـــــ الأسمه ” محمد عبد الباري”
وللمصادفة والفجيعة
ثلاثتهم أخذتهم الغربات والمنافي ، داء وبلاء بلادنا ، ونزيفه الدائم وحظه السيء ـــ بفقدان سواعد أبناؤه ومُبدعيه … هذه مناحتنا الكبرى وبلاءنا الأعظم يااصدقاء!

الكتابة عن الباري محمد إنما تحتاج إلى طقس معين قوامه صفاء روح ،، وعقل ،، ونبض عالي ، لا أعلم مدى قدراتي في هذه الجولة …. سبيلي في ذلك رائعة (محمد الثبيتي) :

ها نحن في كبد التيه نقضي النوافلَ
ها نحن نكتب تحت الثرى :

مطراً ……. وقوافل ..

(1)

قهوة …ومساء … وسلسبيل

في العام 2016 بدعوة جليلة مازلت “اتفيأ ظلالها” من الصديقة لمياء متوكل، دعتني فيها أن أكون ثالثهم في لقاء مرتقب في أمسية الغد ــ وقت ذاك ، لقاء لأجل تفاكر وإعداد حلقة تخص برنامجها واسع الانتشار “حلو الكلام ” في معية الضيف الكبير والشاعر الفذ مستقبلنا ومشروعنا القادم /محمد عبد الباري بل طلبت مني تحديد مكان لائق وهادي يحقق غرض اللقاء ، فاقترحت أن يكون اللقاء في باحة السفارة الأثيوبية بالعمارات الخرطوم ، لم تجادلني كثيراً في الأمر فاردفت لها ــ أن المكان مناسب ووسط للأطراف يمكنهم من سهولة الحضور ، عطفاً على إمتنانا اللامحدود لمزاج البن الاثيوبي الذي يقدمنه بكل ماملكن من خفقة وخفة روح “فتيات الهضاب العالية” بأرواحهن العالية والبخور الجاولي يضج بالمكان وينزل السلطان فيأمر بالإلهام والاحلام ، ضحكت بقدر مااستطاعت ووافقت على الفور على أن تنتهي مهمتي في الترتيب للمكان دون اي مشاركة مني أو مسئولية لمهمتها الاذاعية …. فقط ساكون في إمتنان عظيم وشرف باذخ أن التقي الإبداع وجهاً لوجه في حضرة هذا الشاهق جداً محمد عبد الباري.

(2)
في واقع الأمر لم يكن لدي حتى ذلك الوقت أدنى علاقة شخصية بالباري ولم أكن سوا درويش يتجول في حدائقه الشعرية دانية القطوف ، وهو قدر أغلب السودانين وحظهم القليل في أن يروا ثروتهم القومية وكنوزهم الأدبية وسلالتهم الشعرية ـــ يتوهط محافل الشعر ومنصاته في عمان ، والاردن ، والرياض ، وأبو ظبي ، وأخواتهن من العواصم العربية والصوالين الادبية في القاهرة والكويت وباريس وغيرها، بل أن زرقاء” اليمامة ” لؤلؤة قصيده وقطيفة شعره التي عبر بها الجغرافيا والأدب، تكاد تكون طرقت أُذن الناس وإشتهر بها وأبدع وأمتع العالمين حينما سرب الإبداع في طقس رصين بإلقاءه الماتع الذي جرت أحداثه في عام 2012 في منتدى صالون “ميس” في القاهرة ، بالرغم من تحفظات الباري نفسه ورفضه القاطع لمحاولة تحنيطه أو حصره في إطار ” زرقاء اليمامة” ….. وله كامل الحق في ذلك هذا الواسع… لكنها أقداره الشعرية وتباين ذائقة الناس ، أخشى أن تكون خطيئته الشعرية …. وفي البال “شارل بودلير شاعر” الخطيئة والتمرد ” ثم إياك أن تعطي الإسم ذات المعنى فتتعب ” !
أعود للقاء السفارة واستذكر مجيئُه في نفس التوقيت المضروب وقد دخل علينا وماسبقه شئ ، تذكرت نشيده :
من يقنع الطوفان
الأ يعبرا ” ؟؟ …(قليل ماهم)
كان هادئاً في حضوره ، محصوراً في مكانه مسمعاً مدهشاً إذا تكلم ومهذباً إذا صغى ولو حقق الله أمنيتك سيد ( وليس ذلك ببعيد) وانت الثاقب بصراً والصافي بصيرة لأدركت أن الباري لم يُخلق إلا ليكون مُلهماً وشاعراً وأديباً لاشيء غير ذلك. هذا ماخرجت به ، لأن الله مخيراً في ذلك ، يبسط الرزق و العلم والجسم لمن يشاء . فالجلوس معه إجابات لأسئلة حيرى وازالة كل شك من قبل باليقين ، هذا ماكنت انوى فعله ، فهذا الكائن ليس شاعراً فحسب ، بل إنه وعاء ثقافي وأدبي واسع ، تمكن من الجمع والمزواجة في الشعر بين الأدب والتراث الاسلامي والفلسفة والتمرد والخروج عن مساراته المعهودة وتمرد في ذلك وتضجر ، ولكنه أعطى لتمرده نكهته الخاصة وإحتفظ بمسافة شاسعة لشعره وحداثه سنة وموهبته ، وهو مامكنه لإعتلاء منصة جائزة الشارقة والفوز بجائزة الادب العربي عن ديوانه (مرثية النار الاولى)
…. وأستطاع بسهولة فائقة أن يوظف كل هذه الادوات لخدمة شاعريته ورؤاه .

كل ذلك دفع الكاتب العربي ” شتيوي الغيثي” وأعتبره أحد الرهانات الناجحة على إعادة العمودية بشعرية جديدة تمزج بين الفلسفي والتاريخي .
صحيح أن دعوته للسودان تمت عبر برنامج ” ريحة البن” … أو هكذا أعتقد . قلتها من قبل ولن أمل : الباري يكبر ريحة البن بكثير ، وظهوره في هذا البرنامج لم يعالج نشوتنا وحوجتنا كاملة ، ليس طعنا منا في جهد البرنامج -كلا -ولكن لطبيعة البرنامج ومسايرته له في الجانب الشعري فقط ، فقد حرم ملاين السودانين بالإستمتاع بنثره ومفاهيمه وفلسفته عموماً ، وخصوصاً أن ظهوره كان يعد الظهور الأول له في السودان ــ كنا بحوجة لتقديمه كمشروع وليس كشاعر فقط … لسنا هنا في مقام مقارنة أو نقد بقدر ما إننا نستنهض همم القائمين بتلك الأجهزة نتمني أن نستفيد من تجارب الآخرين لنحُل العقدة ونتجاوز السقف التقليدي المرسوم بسذاجة إذا إقتنع من هم قائمون عليها … وإلا فالقول قول صديقنا الجميل الطيب برير :
لكنهم فقراؤنا من
حبهم أو من زهدهم
قد ضيعوا تخطيطنا بقسمة النبق

(3)
غيبته .. وتوبتة

كتب الباري محمد معلقاً على زيارته الأولى للسودان بعد انقطاع دام ثلاثون عاماً او أقل بعيداً عن اهله ووطنه منذ أن خرج من حشا أمه ووصفها : “بــتوبة النهر العائد الى مصبه ” . كنت لمست فيه هذه المناحة وهو يتأسى لهذا الفقد والهجران الطويل وهو يحدثني بذلك وأعجبني إصراره على عدم الدخول في التزامات مالم يقم بزيارة بلدته واهله في المناقل ، وكان مهموماً بذلك ، واكثر إصراراً على زيارة أماكن محدده ينوي زيارته لها وهي دار الزعيم الراحل “إسماعيل الأزهري” ، وجامعتي “الأحفاد و الخرطوم” وبعض الأماكن والمواقع التي لها دلالات وآثار وقد كان له ما أراد ، لم أحاول إحباطه لكن كنت أقول في نفسي : كم هو متفائل هذا الباري سيقوم بهذه الزيارات كما يشاء ويمضي ” ماهو عارف قدمو المفارق” ولكن لن يستطيع أن يجيب على تساؤلات “مصطفى بطران الواردة في رائعته (دمعة الشوق) التي شدا بها الفنان الطاغي عبد الكريم الكابلي وماضره بعدها شيء “مالو جافي نفـــور ” ؟؟ .
دعني أجيبك : فقد تبدلت الأرض غير الأرض وتخربشت النقوش على حوائط الوطنية في بلادنا ، أو مارأيت من بعد أن جامعة الخرطوم لم تعد مستحيلة ولا جميلة ، فقد مدت لها الأيدي الآثمة في عهد ” عبد الملك” وقتذاك ، ومن سبقه ومن أتى من بعده وأصبحت تستقبل الفاقد التربوي والأقل حظاً في النجاح والتفوق عبر مداخل المال وكوارث القبول الموازي، وقد تولى الأمور فيها شلة من الفشلة تعاقبوا عليها وصبوا جام حقدهم وحسدهم عليها …. لذلك أحد أهم التحديات التى تواجه أبناء السودان البررة والمهمومون بالنهوض بهذا الوطن في أن يعلوا همة بعودة كل ماهو جميل ومستحيل ولابد . نصطف في ذلك مع الراحل / محي الدين فارس :

لابد من يوم تخر به الطواغيت المسنة

ولابد من يوم تضج به الرياح المُسنة

أن دار الزعيم الخالد “إسماعيل الولي” أخذ الموت منها عمودها الفقري وأنهد منها ركن ركين برحيل الأزهري محمد . ماكنت أظن أن هذه الإجراءات التي يقوم بها هي زيارات خاطفة وعجلى يكتفي فيها بأخذ الصور ويؤدي واجب الزيارة ، الناظر والمتابع لهذا الكائن يدرك أن الأمور عنده ليس كعامة الناس- كلا الأمر مختلف تماماً وكل شيء عنده بميزان وإتقان كنت أتفهم ماذا تعنى له هذه المزارات ، تدفعه في ذلك قدرته على أن يضفي لكل شيء معنى ويبرز له وجهاً وبعداً أخر لذلك فان زيارته لجامعة الخرطوم كانت بمثابة “قميص يوسف في أجفان يعقوب ” ولم أشاهده منفعلاً شعرياً مثل ماحدث في قاعة الشارقة يوم أن بسط للحضور كل ماملكت يداه من شعر ـــ وقشعريرة ـــ وذائقة

(4)
لقد ظل هذا الكائن مهموماً بقضايا كبرى وموضوعات مجيدة وتحديات جليلة في البحث و الوصول لرؤى وإطارات لهذه القضايا في ظل التعتيم المعاصر والتعقيد والجدل القائم حولها عبر رحلته الطويلة (الهدم ـــ والبناء ) فقضايا كقضايا المعرفة والعلوم والفلسفة والأسئلة الكبرى التي ظلت بلا إجابات ـــ تجد في نفسه وشعره وفلسفته موطأ مقدراً وقد شدني إلى ذلك السؤال
الأكثر حيوية الذي طُرح عليه في مقابلة صحفية عام 2016 حول رؤيته في الإنفصال بين التنظير والواقع ؟
أفاد : (بإن ليس لدينا تنظير أصلاً، الوجود العربي في أزمنته الاخيرة لم يدخل مرحلة التنظير بعد نحن مفتوحون على فراغات قاتلة في الدين ، وفراغات قاتلة في الثقافة ، وفراغات قاتلة في العلم والاجتماع وغيرها من مناحي الحياة ) كنت الحظ فيه وفاءه وصداقته لأبي الطيب المتنبيء في التاريخ الشعري ، و لديكارت ونتشه في الفلسفة وصداقاته ومصادقته لإبن عربي وإبن حزم في التراث الإسلامي والتصوف ، ودنقل في عمق تصوراته الشعرية . أظنه كان يخاطبهم ويقدسهم ويقصدهم في بيته القاتل :

وكلما فتنت بالريح أنفسهم
تقمصوا فكرة الأشجار وأنغرسوا

وظلت حوراته ومجادلاته الخصبة معهم ممتدة ببصيرته الحاذقة ، وفي كل مرة يسلط فيها مصباحه نرث منتوج فكري وفلسفي جديد يحطم مرة بعد مرة قيود الجغرافيا والتاريخ . يقيني أن العقل متجدد هذا ماورثناه في واقع الأمر ، ويقيني الأكثر من ذلك أن لكل زمان نبي ومفكر … الباري إستطاع أن يبحث في كل ماهو قديم وضرب عنق هذه المسلمات في كثير من القضايا والقوالب الموروثة وتعديلها في أحاين كثيرة أو تصحيحها على وجه الدقة . في فترة ما كنت أحد الذين يدينون بالإعجاب لمخطوطات المفكر والفيلسوف الامريكي “فرانسيس فوكياما ” صاحب
كتاب ” نهاية التاريخ والانسان الأخير، ( وهو كتاب فلسفي إجتماعي غير روائيِ وأُطروحته الأساسية أن الديمقراطية الليبرالية بقيمها عن الحرية الفردية والمساواة والسيادة الشعبية تُشكل مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان ، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية. بِغض النظر عن كيفية تجلي هذه المبادئ في مجتمعاتٍ مختلفة. نهاية التاريخ لا تعني توقف الأحداث أو العَالَم عن الوجود، المقصود وجود إجماع وهناك أسباب للإيمان بذلك) … ولاحقاً طعن فوكياما نفسه في التصورات التى توصل اليها سابقاً وتبرأ منها . توصل فوكياما إلى أن العقل البشري الذي خلق وصور الديمقراطية الليبرالية قادر على أن ينتج الاصلح والأعلى قيمة منها . ماجعلني أنحى في هذه العجالة الى منحى نهاية التاريخ وأخر الإنسان الأخير وأستدل بها هنا أمر واحد لا ثاني له :
الباري نفسه يؤمن أن لا نهاية لمنتوج فكري ، وملاحظتي المستمرة للتزاوج الذي جمعه الباري محمد بين هذه الشُعب المختلفة وقد وسع من خيالانا وإستيعابنا لهذه “التعقيدات” …إن صح تسميتها وتطويعها لصالح حوارتنا الدائمة ورفع منسوب المعرفة لدينا سنتمرات أعلى .

*****************
مادامت الشمس تشرق من الشرق ،
فان شعر محمد عبد الباري وروحه الشاعرة تظل تطارد وجدان الناس في هذا العالم المضطرب وتابوهاته
فأشعرنا ياهذا .

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!