https://www.dirtyhunter.tube

صابر جرا.. إنسان لا ينساه أهل شمال السودان

129

 

في شمال السودان في ديار جعل، والشايقية والدناقلة، والمحس والكنوز، والحلفاويين وقليل من عرب الكبابيش والهواوير. تمازجت القبائل فيها واختلطت وشكلت بوتقة جميلة تحكي روعة أيام حافلات بالبطولات وقصص لها روايات و حكايات. وفصول لاتنتهي من الإنسانية والرحمة وقيم الخير وهمم الفضائل وقمم العطاء. ..

ولد من هذه البوتقة عظماء وعباقرة ومشاهير.
فرد يرفع دولة أو مدينة أو قرية. كما فعل صابر جرا.

القصة في آخر السبعينيات والشمال يئن من وطأة الفقر، وضغط الحاجة، وعناد الفاقة.. لكن برغ أنف الفقر، كانت الشهامة ديدنهم والكرم شيمتهم، والتآخي ماركة مسجلة وعلامة خاصة بهم.

جاء من قرية (جرا) يحمل رخصة قيادة عامة في سطورها كتب (القيادة فن وأدب وذوق).

وقرية (جرا) في عمق بلاد الشايقية الذين اشتهروا بالشجاعة والبسالة كما جدتهم مهيرة بت عبود قبيلة سطرت صفحات من نور في تاريخ السودان.

(صابر جرا) تخصص في الباصات السفرية (النيسان ) وأحب عمله، وأتقنه وزاد على ذلك الإخلاص والتفاني فيه.. وتقديم الخير حتى صار أغنية في سمع الزمان، وأنشودة في قلب الشمال.

سائق يحترمه الناس كأنه زعيم أو رئيس.. يا له من رجل بار بشعبه وأهله.

في ذاك الحين كل من ينوي سفرا ينتظر بص صابر جرا.. شهرته فاقت الآفاق الأطفال في المدارس يهرعون من مدارسهم لرؤية صابر جرا.

المراهقون يقلدونه في كل حركاته وسكناته كأنه ملهم لهم.. كان ضخم الجثة – لايهاب شيئاً- قوي السواعد مفتول العضلات.. حتى النساء في القرى يخرجن من خدورهن لرؤية (صابر جرا ).

عمل صابر جرا في خط الشمال سنوات طويلة وهو يقود البص النيسان. أم درمان. ناوا وبالعكس ويقول (الحديد زيت وموية ونظافة).

( ناوا) قرية جميلة تقع في عمق بلاد الدناقلة.

الرمال في الشمال تعرف صابر جرا.. السهول والوديان حتي جبل قدار كان له صديقا.

أب ضلوع وأم الحسن ودبة الفقرا والدبة والغابة وبكبول والقدار والمقاودة وكدكول وامنتجو وعرب حاج.. كل تلك القري صابر جرا يعرفها ويعرف سكانها رجالا ونساء وأطفالا..

قدم لهم الكثير بأخلاقه الطيبة وروحه المرحة وبشاشة وجهه.

كل مسافر كان لزما على صابر جرا توصيله حتى داره. كل مسافر كان يأكل على حساب صابر جرا في (قدرة) طعامه هي قدرة معروفة للكل. وقدح كبير يسع الجميع.
يصطحب معه مساعد حلة (بفتح الحاء) تلك الجموع المسافرة تأكل حتى الإشباع في حلته المشهورة بجودة الطهي فيها..

من مواقفه التي لاتنسى كانت هناك سيرة لعريس من أمدرمان إلى قرية في دنقلا تحركوا ببص صابر جرا إلى أهل العروس دفعوا رحلة الذهاب فقط. ماكان من صابر جرا إلا وانتظر العريس فكانت رحلة الإياب على حسابه فقال (خليها علينا ياعريس).

تخيل في ذلك الزمان رحلة تأخذ أياما وليالي حتى أم درمان. .. تكون المشاركة المجانية منه لشخص لايعرفه كل التكاليف عليه. ..
أخذ صابر جرا حيزا في قلوب أهل الشمال. بكرم الخصال، وروعة الفعال تغنوا له في أعراسهم ومناسباتهم…
رفعوا أكف الدعاء في صلواتهم أن يصل بالسلامة دوما.. ..

متــع الناس يا ود جِــرا. ..
يا عظيم يا صــــاحب المـــــزاج
بى عمايل النيسـان دِرى. .. قوة اليابان فترا..
تلقى ماسك القوز شــاقو فــــــــاج
ما بخاف مِن شىء يزجرا. ..
لى أبضلوع همّـا ولا أب عجـاج
ما نزل زولاَ بيدفِـــرا.. ولا مساعـــــداً يرميــــــــلا صــــاج
نًزّل السِــــر البهجِـــرا. .. وقــال كِده النييســان هاج ومــــاج
والتروس حـــالاً يغــيــرا.
ومــا بتشــوف خلفـــو بلا العجاج
ماشـى بـى حكمة مُسيــرا.
لا فــى هـــزّه ولا فـى إرتجــاج
والرِكـب فـى العظمه الـورى. ..
ما بِقطِــع نـــومو إنزعـــــاج
التقـــول راكبيـن طــايـره. ..
مــــا سِمــع مــن زول إحتجــــاج
فـى الحقيقة قــدير ود جــرا. ..
وشخصـــو بينـــا إندمج إندمـاج
ده العــــــرايسنـا مُســـيرا. .. والزغــــــاريد من حـــولو قـــــاج
والبلــــد بيكـــــــا مُفـــاخِره
وحـــالفا إلا تخـُت ليكـــــا تــــاج.. .. .. ..
وشاعر آخر يقول
البلد مالك هاجرة
صابحة حزنانا مقنجرة
شلتو ليه ياود جرا. ..

هكذا قضى صابر جرا رحلة العمر عملا خالصا لوجه الله فاحبه الناس واختاره الله بجواره راضيا مرضيا.
فرفع اسم قريته التي ما عرفت إلا به.. فظل كل إنسان من قرية جرا يشابه صابر جرا.
كان شعاره.. السائق مثل القائد. .. المسافر في زمته من وإلى منزله ما فرط فيهم أبدا.. خدم البلاد والعباد وحمل الأفراح والحجيج والطلاب والمسافرين. كأنه يحملهم علي كفه راحة وبشاشة ومرحا.. أجاد مهنته وأفاد منطقته.. هذه المدرسة الرشيدة في القيادة اندثرت معالمها برحيل جيل صابر جرا..

رحم الله العم صابر جرا وأدخله مدخل صدق عند مليك مقتدر.. يا له من سائق ماهر متع الناس ولسان حاله يقول (دع القيادة لي وتمتع بالرحلة) ووفق الله قرية جرا وأن يحفظها من كل بلاء أنجبت هي رجلا مثل صابر جرا.
حفظ الله بلادنا والعباد.. من حوادث الطرق الرهيبة
من كتاب (ذكرياتي في الشمال)..
والله المستعان
عبدالشكور حسن أحمد

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!