صاحب فكرة المتاريس فاروق أبو عيسى يترجل

2

زين العابدين صالح عبدالرحمن

غيب الموت صاحب فكرة المتاريس في ثورة أكتوبر عام 1964م، عندما انطلقت إشاعة أن القوات المسلحة سوف تقوم بردة فعل لكي تعيد قبضتها علي السلطة، وفاروق أبو عيسى يمثل أحد أساطين السياسة في السودان، حيث لعب أدورا في صناعة السياسة وقد بدأ نجمه في البذوق منذ ثورة أكتوبر. رغم أن فاروق كان أحد كوادر الحزب الشيوعي منذ الستينات المعروفة، لكنه استطاع أن يجد له مكانة طيبة في نفوس العديد من القيادات السياسية علي مختلف اللوان طيفها السياسي، وفرض علي الناس التعامل معه باعتباره من الشخصيات الوطنية دون الرجوع لخلفيته السياسية، وهذه تؤكد اتساع صدره في تقبل الآخرين وفي نفس الوقت انفتاح الذهن.
عرفت فاروق كشخصية سياسية ونقابية منذآواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من خلال زيارة الوالد. في آواخر الستينيات عندما بدأت بعض قيادات نقابية في اتحاد العمال من الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة تتخذ من نوادي العمال في كل من بحري والخرطوم منابر لهجوم على سلطة عبود العسكرية. كان الزملاء في الحزب الشيوعي يعتقدون أن الثورة لم تكتمل مقوماتها، وذلك يعود بسبب مشاركتهم في المجلس العسكري الذي كانت قد كونته السلطة العسكرية في ذلك الوقت، وفي إحدى الندوات التي كانت في نادي العمال في الخرطوم حدث صدام عنيف بين الجانبين استخدمت فيه كراسي النادي. وبعد يومين جاء الشفيع أحمد الشيخ بعربته البيجو البيضاء المنزل، وكعادته، من الخارج تعود منادتي ب “أزهري” كنت أعرفه من صوته، أخرجت كرسيين والتربيزة، لكنه أوقفني وقال: جيب كرسي ثالث وتلفته لم أجد شخصا، وعندما خرج الوالد قال الشفيع دون أي تحية للواد ” معقول يا صالح عبد الرحمن البحصل دا” فجأة خرج فاروق من العربة. هذه المرة الأولي التي أرى فيها فاروق أبوعيسى. وجلس الثلاثة وكانت اصوتهم تعلو، ثم بدأت تخفت وبين الفينة والآخرى تسمع بعد الضحكات المجلجلة.


و في أوائل السبعينيات كان فاروق أبو عيسى وزيرا للعمل، وكان وراء تغيير قانون العمل النقابي عام 1970م، وتمت معارضة عنيفة للقانون من قبل بعض القيادات النقابية، وكان الوالد من المعارضين لقانون العمل النقابي لعام 1970م، وفي إحدى اليالي جاء فاروق أبو عيسى بعربة ” هنتر” وهي من العربات التي كان يركبها الوزراء في ذلك الوقت، طرق الباب بعنف، فخرجت وأبعدني عن طريقه ودخل الصالون وجلس، وقال إلى نادي “أبوك” قلت الوالد غير موجود لم يحضر من العمل. قال بشيء من الغضب طبعا مشى يتأمر، وأنتصب واقفا، وهو متجه لباب الخروج دخل الوالد يضحك، وقال موجها حديثه لفاروق هذا القانون سوف يكون نقطة سوداء في سجلك السياسي…! قال فاروق ياخي أنت ما عارف المعادلة السياسة التي جاءت بهذا القانون، المهم نحن ما عندنا مانع أن يحدث تعديل في القانون لكي يرضي الناس. وقال الوالد لماذا لم تستشيروا الناس وخاصة النقابيين، وبعد أيام قليلة تم اعتقال الوالد.
تمر الأيام والأحدث وانقلاب هاشم العطا الذي أحدث نقطة تحول في العمل السياسي، حيث أن الحزب الشيوعي أصبح في الجانب الآخر للمشهد السياسي. في عام 1989م كنت في الفريق الذي ذهب إلي إذاعة وادي النيل، كان يتكون ” صلاح الدين الفاضل ومحمد الكبير الكتبي وخليفة جمعة وسعاد عبد الرازق وشخصي” كنت أتردد على الأستاذ السر قدور في مكتبه، والتوم محمد التوم الذي كان يسكن في الشقة التي كان يؤجرها بكري النعيم في شارع 3 أبوبكر خيرت وسط البلد، جوار الإذاعة المصرية القديمة، وهي الشقة التي كانت تجمع قيادات المعارضة في القاهرة، وعرفت مرة أخرى فاروق أبوعيسى هناك، وكانت بيينا فقط التحية، كنت أعرفه ولكنه لا يعرفني.
كانت قيادة المعارضة في ذلك الوقت تسمى لجنة التنسيق العليا، كان يرأسها محمد الحسن عبد الله يسن من الحزب الاتحادي الديمقراطي وكان يحضر أجتماع اللجنة من الاتحاديين أيضا محمد سرالختم الميرغني والدكتور أحمد السيد حمد، ومن حزب الأمة مبارك المهدي ومهدي داود الخليفة والتجاني الطيب من الحزب الشيوعي والفريق أول فتحي أحمد علي والفريق أول عبد الرحمن سعيد من حزب الأمة، والدكتور منصور خالد ودنيال كودي من الحركة الشعبية، وفاروق أبو عيسى مستقلا. وانتقلت الاجتماعات بعد ذلك إلى دار الحزب الاتحادي الديمقراطي في مصر الجديدة بالقرب من روكسي. ثم بدأت تصدر جريدة الاتحادي.
دبت الخلافات في لجنة التنسيق العليا، حيث كانت هناك خلافات حول العديد من القضايا وتوقفت الاجتماعات، في ذلك الوقت أيضا بدا الصراع داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي بعد حضور الميرغني للقاهرة، كان “اتحاد المحامين العرب” يشهد اجتماعات مستمرة وكان فاروق شعلة من العمل المضني لكي يوفق بين القوى السياسية، في تلك الفترة تم إبعادي من جريدة الاتحادي بسبب موقفي المؤيد للدعوة من أجل إصلاح الحزب الاتحادي الديمقراطي، وكونت في الشقة التي أقيم فيها “منتدى الحوار الديمقراطي” وبدأ بحوار حول ” كيفية الإصلاح في الأحزاب السودانية” ثم العديد من العناوين، كان فاروق يحضر بعض منها. والمنتدى كان أول منبر يتحدث فيه الخاتم عدلان معلن عن رؤيته في إصلاح الأحزاب.
عندما كنت أكتب مقالات في الاتحادي، كانت أوقعها باسم الزين صالح، وأول مقال أكتبه في جريدة الخرطوم، بدأته بسؤال كمدخل “هل العقليات التي توقف عطاؤها، ونضب خيالها، تستطيع أن تصنع الإصلاح داخل الأحزاب؟” ثم وقعته باسمي كاملا ” زين العابدين صالح عبد الرحمن” وجاءني في المساء احمد عبد المكرم، وقال لي إن الأستاذ فاروق أبو عيسى يريدك أن تتصل به ضروري جدا، وفي الصبح أتصلت به وقال لي أنا منتظرك العاشرة صباحا في المكتب. ذهبت لاتحاد المحامين العرب وبالفعل قابلت فاروق هذه المرة وجدته منه ترحيبا كبيرا، وبادرني بالقول أنت أزهري ود النقابي صالح عبد الرحمن، قلت نعم : قال ولماذا لم تعرفني بنفسك، طبعا أنا في زحمة العمل والعمل السياسي لا تجعل الشخص يركز كثيرا، يأخي أنت ابن أخي في النضال رغم الاختلاف الفكري بيننا، لكن نكن لبعض الكثير من الاحترام، وكيف حال الوالد قلت بخير، وماذا يعمل؟ قلت لديه كشك موز زبائنه جميعهم السياسيين، هذا ما قاله لي أحمد الطيب شقيق التجاني الطيب، ومنذ ذلك التاريخ لم ينطق فاروق بأسمى قط ودائما يقول ابن أخي.
استطاع التجمع أن يعيد فاعليته، وينظم نفسه، كان فاروق أبو عيسى هو المتحدث الرسمى باسم التجمع. وكنا دائما نرجع لأخذ المعلومة منه. وفي أول ظهور لفارق بعد رأب الصدع في التجمع، كان في مؤتمر صحفي في دار الحزب الاتحادي الديمقراطي، وتحدث فيه أبو عيسى وقبل الانتهاء من حديثه قال هذا تنوير ورفض قبول الأسئلة. ذهبت خلفه وقلت له يا أستاذ تنوير نحن في الجيش “نفذ ثم ناقش” المقولة البعثية المنتشرة. مسكني من يدي، وقال يا ابن أخي، أنت يجب أن تكون أول العارفين، أن رأب الصدع حتى الآن لم يكتمل، الواحد يقول كلمة واحدة يفرتق الشغلانه كلها، نحن في مباصرة وتوازنات في غاية الحساسية.
و عندما قررنا أن يتحول منتدى الحوار إلي مؤسسة منظمة، ذهبنا ” أحمد البكري وعبد الله عبد الوهاب كارلوس والباقر موسى وشخصي” إلى فاروق أبو عيسى في مكتبه وطرحنا عليه الفكرة، وأننا بصدد أن نحول المنتدى إلى “مركز للإعلام والثقافة” وتبرع لنا بمبغ مائة جنيه مصري كأول مبلغ لتأسيس “المركز السوداني للثقافة والإعلام” ثم اتصلنا بالأستاذ التوم محمد التوم في لندن الذي استطاع أن يسجل المركز في لندن. وسدد لنا إيجار مقر المركز مدة ستة شهور. وجاء فاروق في أول محاضرة للمركز، وعندما أقام المركز مهرجان الثقافة السودانية الأول في الجامعة الأمريكية أراد أن يعرفني فاروق للأستاذ التجاني الطيب وقال له الزين دا ولد صالح عبد الرحمن. قال التجاني عارفه بعرف نصف أهله. لكن الزين وأبوه يمثلون تيار الرجعية الطائفي. رغم أن والدي وطني اتحادي عاشقا للأزهري ودلالة عندما سماني جدي زين العابدين، وجدي من جزيرة لبب وجاء يقاتل مع المهدي لكن والدي أطلق علي أسم أزهري.
عندما عقد اجتماع ما يسمى بالقوى الرئيسية في أسمرا “الحركة الشعبية والاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وقوات التحالف السودانية التي كانت في طور التأسيس” وتم استبعاد الحزب الشيوعي والقيادة الشرعية من الدعوة للاجتماع. أتصل بي فاروق أبو عيسى وقال لي سمعت باجتماع القوى الرئيسية، قلت نعم ونريد أن نعمل جلسة حوار في منتدى الحوار، قال لازم وبسرعة هذا عمل تخريبي للمعارضة، ومحاولة لإحداث انقسام لا يخدم إلا الجبهة الإسلامية. ثم اتصل بي الهادي بشرى وقال فتحي أحمد علي سوف يتحدث في الندوة، وجاء التجاني الطيب وتحدث في الندوة وكنت قد اقنعت محمد الحسن عبد الله يسن لكي يتحدث في الندوت حتى يعلم الناس أن هناك قيادات اتحادية غير موافقة علي هذا الاجتماع. هذه الندوة التي نقلها الصحافي إبراهيم علي إبراهيم علي صفحات جرية الخرطوم، استطاعت أن تخلق رأياً عاماً معارضاً لهذا الشرخ لذلك عندما عاد بعض القيادات التي شاركت في الاجتماع طلبوا أن أرتب جلسة في منتدى الحوار لعكس رآيهم. وأعلنا الجلسة وكان المتحدث فيها كل من مبارك المهدي والدكتور عمر نور الدائم والدكتور منصور خالد وإدورد لينو وأكدوا أن الاجتماع جاء صدفة لتواجد هذه القيادات في اسمرا. وليس انشقاقا ولا تجاوز للآخرين. اتصل بي أبو عيسى وقال شفته الندوة جابت فائدة.
بعد ما تصدع الموقف مرة أخرى في التجمع الوطني الديمقراطي ، وخرج حزب الأمة من التجمع. وقبل ما أذهب للتجاني الطيب وأتحدث معه لكيفية رجوع حزب الأمة، أتصلت بفاروق أبو عيسى وقلت له أنني أريد أن أتحدث مع التجاني والقيادة الشرعية لكي يسعوا إلى رأب الصدع، ودون الدخول في مناكفات سياسية تظهر المعارضة بأنها غير موحدة، قال أبو عيسي أفضل أن تنتظر أيام حتى يحصل ” Cooling down ” لأن النفوس الآن مشحونة. وذهبت للأستاذ التجاني الطيب ووجدت ترحيبا منه، لكنه مشروط كان مشروطا، وأنني أعرف أن حزب الأمة لا يقبل أي شروط. كان أبو عيسى يعلم أن الخلاف داخل المعارضة سوف تكون له آثار سالبة على عملها، وسوف ينحرف الجميع إلى الأجندة الخاصة. كان الرجل شعلة. وبعد انفصال الجنوب، عندما حدث تصدع أيضا في قوى المعارضة وخرج حزب الأمة وذهب إلي نداء السودان. اتصلت بفاروق أبوعيسى وقلت له إن وحدة المعارضة واجبة ولابد أن تجدوا طريقا من أجل الوحدة. قال لي أنت ما تحضر وتقنع السيد الصادق المهدي المصر على هيكلة قوى الاجماع الوطني، لكي يجعل نفسه رئيسا لها، وأنت الخطوط بينكم سالكة. قلت له طيب ما تجعلوه رئيس ما أنتو متعودين أن يكون علي رأسكم أحد قيادات الطائفة. قال لكن خايفين من ” Soft landing “.
رحم الله فاروق أبو عيسي الذي ما بخل أن يهب كل وقته وزمنه من أجل الوطن، واستطاع بنشاطه ودوره السياسي أن يحفر اسمه في سجل الرموز الوطنية التي استطاعت أن تنذر نفسها للخروج بالوطن من أزماته، كان أبو عيسى طيب المعشر، سهل جدا أن تتعرف عليه، وأن تخلق معه علاقة في غاية الاحترام، وكنت دائما الاتصال به في حله وترحاله، وسأظل أحتفظ بتلفونه 0912359505 هذا الذي كنت دائما أتحاور معه في الشأن السياسي، رغم أنني لا أتفق معه في بعض ما يذهب إليه ولكنني أقدره وأحترمه كأحد الأشجار التي تموت واقفة وكانت دائما تمدنا بالثمر.  نسأل الله له الرحمة والمغفرة وحسن القبول. وأن يلهم الله أسرته وأهله وأصحابه ورفقاء دربه وكل الزملاء الصبر وحسن العزاء.

التعليقات مغلقة.