صراع المراغنة الجُدد_الحلقة الثانية

0

محمد المبروك

ذكرنا في الحلقة الأولى أنّ التنافس داخل مضمار البيت الميرغني على قيادة الطريقة الختمية وحزبها السياسي، الاتحادي الديمقراطي الأصل. ورأينا كيف إنحصرَ التنافس بين قادة الختمية الصاعدين، حيث تجري عمليات فرز وسباق بين جعفر الميرغني، الحسن الميرغني أبناء مرشد الطريقة و إبراهيم أحمد الميرغني ثم تاج السر محمد سر الختم الميرغني، مع الاحتفاظ بالمساحة اللازمة بين كلٍ من الأربعة، قٌرباً أو بعداً من مقعد القيادة في المستقبل، فالمعطيات على الأرض تفرض ترتيباتها الخاصة .. أبناء مرشد الطريقة أولاً ثم الآخرين.

بصورة عامة، قبل أن نخوض في التفاصيل الدقيقة، نعرف أنّ السيد محمد عثمان الميرغني قرر المشاركة في نظام الإنقاذ في العام 2012 م. ورغم رفض عدد كبير من جماهير الحزب وقادته لهذا القرار، ولكن مولانا الميرغني أصرّ على المشاركة ودفع بابنه جعفر الميرغني-لأول مرة- للقصر الجمهوري ليصبح مساعداً لرئيس الجمهورية، أما أبنه الثاني الحسن الميرغني والذي سبق جعفراً، بسنوات، داخل العمل الحزبي الاتحادي فقد قيل يومها أنه يرفض قرار المشاركة في نظام الإنقاذ.

لا تغري تجربة جعفر الميرغني كمساعد لرئيس الجمهورية بالتناول والتداول إذ لم يكن فيها شيئاً جديداً يُذكَر، ولم يقدم فيها السيد جعفر مجهودا أو انجازا ذو بال، ولكنها كانت إشارة مهمة من البيت الميرغني حول مسألة الخلافة. مفاد الإشارة، ساعتئذٍ، أنّ الميرغني الأب يقدم السيد جعفر للناس خليفة له في الجانب السياسي على الأقل. وفي ذات الأثناء كان الحسن يظهر في فعاليات الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل كقائد سياسي حزبي، وهكذا يمكن أن نفهم أن مولانا يريد لو يكرر تجربة السيد علي الميرغني-طيب الله ثراه- والذي كان حالفه التوفيق في تسوية طموحات نجليه المرحوم أحمد الميرغني ومولانا محمد عثمان الميرغني، إذ شغل السيد أحمد الميرغني منصباً سياسياً في حكومة مايو عضواً في الإتحاد الاشتراكي، ثم في التعددية الثالثة أصبح رئيساً لمجلس رأس الدولة(مجلس السيادة) ممثلا للحزب الاتحادي الديمقراطي، وتفرغ شقيقه الأكبر السيد محمد عثمان لشئون الحزب السياسية وشئون الطريقة الختمية الدينية. ولكن في حاضرنا اليوم، وكما يبدو جليّاً، فشلت هذه الصيغة في ضبط التوافق بين الشقيقين الطامحين سياسيا(الحسن وجعفر) فأنفجر الصراع بينهما كما سنرى لاحقاً.

سارت الأمور داخل الحزب خلال الأعوام 2012 و 2014م بوجود جعفر في القصر الجمهوري مساعدا للبشير والحسن مسئولاً حزبياً بمسمى مسئول الشئون التنظيمية. ثم جاء العام 2015م وفيه كانت الانتخابات العامة حيث رفضت قيادات حزبية خوضها وأصر الحسن الميرغني على قرار خوض الحزب للانتخابات.
تفجرت الأوضاع الداخلية للحزب الاتحادي الأصل على ضوء خلاف عاصف حول المشاركة في انتخابات 2015 م بين الحسن الميرغني وبعض قادة الحزب. حسم الحسن الخلاف بشكل حاد وأعلن فصل جماعي لكل المختلفين معه وأبرزهم قيادات حزبية شهيرة عرفت بموالاتها لوالده الميرغني الكبير ومنهم علي السيد المحامي، طه علي البشير، البخاري الجعلي، وعلي نايل وآخرين بلغ عددهم 17 قياديا. لم يشفع لهؤلاء القادة ولاؤهم للميرغني الأب ودفاعهم الشرس عن خيارات الأسرة الميرغنية في مواجهة قادة الاتحاديين مثل الراحلين محمد الأزهري وسيد أحمد الحسين وغيرهم ممن اختلفوا مع السيد محمد عثمان في غير ما محطة اتحاديّة حين كان الحزب موحداً.

الملاحظ أنّ السيد جعفر الميرغني لم يتدخل مطلقاً، لا بخير ولا بشر، في تلك الخلافات التي وجدت صدى إعلامي كبير خاصة بعد وصف الحسن للقيادات المفصولة بوصف “الدواعش”. وهو وصف قاس دفع أحد المفصولين للرد عليه بالقول: “سنسمو على ما أصابنا من مراهقي السياسة ومتعثري المصارف والبنوك من رشاش”_سنعود لتفكيك هذه العبارة الملغمة فيما بعد.
الأسلوب الحاد الذي تعامل به الحسن الميرغني مع مخالفيه داخل الحزب كشف عن شخصية حادة ومندفعة نحو حسم الخلافات بالقوة التنظيمية ففقد كثيرا من التعاطف خاصة وسط شباب الحزب الذين كان بعضهم ينظر إليه كسيد محدث وسياسي شاب مجدد يقبل الرأي الآخر ويمكن أن يحدث فرقا في الحزب العجوز ولكنه سرعان ما تحول إلى ديكتاتور تحت التدريب. يومها صرح القيادي الاتحادي المرحوم الشيخ حسن أبو سبيب قائلاً: “أعترف بأننا ساهمنا في تحويل الميرغني إلى ديكتاتور.”

تلك العاصفة لم تنتهي بسلام، فقد خرج ال17 قيادي من الاتحادي الأصل وكونوا ما عرف بمجموعة “الأسكلا” التي نشطت خارج الحزب زماناً ثم انتهت إلى انضمام أبرز قياداتها إلى الحزب الاتحادي-العهد الثاني وهو الجناح المنشق من الحزب الأصل بعد قرار المشاركة في 2012م.
والآن، ربما تظن عزيزي القارئ أنّ حظوظ السيد الحسن الميرغني في خلافة والده في قيادة الحزب قد تناقصت كثيراُ وأنّ حظه قد نفد.
لا الأمر لم ينته بعد ..
هناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
– تابع الحلقة الثالثة في (حكايات) غداً.

*mabrouk@hikayat.net

التعليقات مغلقة.