صراع المراغنة الجُدد_ الحلقة الأولى

7


محمد المبروك
لقد جدّ جديدٌ تحت قبة السماء. لم يعتاد الرأي العام السوداني على انكشاف المسرح وانزياح الحٌجَب عن صراع بين قادة البيت الميرغني، لأن الطريقة الختمية اعتادت حل نزاعاتها الداخلية وراء الكواليس بعيداً عن أعين المراقبين والفضوليبن. كان ذلك في زمانٍ مضى وانصرم. الآن تغيرَ كل شيء بتغير الأكوان والسنن و”مَن ذا الذي يا عزَ لا يتغيرُ”.

شهدت السنوات الأخيرة إشهار علني لهذا النزاع ذو الطابع السياسي، في المقام الأول، ويتمحور ويتركز حول مقعد قيادة المكون السياسي للطريقة .. الحزب الاتحادي الديمقراطي(الأصل)، وقد زادت وتيرته بعد أن انفكت قبضة السيد محمد عثمان الميرغني، قليلاً، عن دفَة القيادة بحكم تقدمه في السن بالتزامن مع وجود قادة الجيل الجديد المتحفزين للقضاء على بعضهم البعض في سبيل الإنفراد بقيادة الطريقة والحزب.

سنجد أنّ المنازعة على قيادة الحزب ذات صلة وثيقة بموقع القيادة الدينية للطريقة الختمية، وسنلاحظ أنّ السباق المثير الذي جرت وتجري وقائعه هذه الأيام ينحصر بين أربعة من أبناء البيت الميرغني الكبير، وهم السادة جعفر والحسن أبناء مرشد الطريقة الحالي مولانا محمد عثمان الميرغني، والثالث هو إبراهيم الميرغني من ختمية مراغنة شمبات، والرابع هو تاج السر الميرغني ابن زعيم الختمية في الشرق السيد محمد سر الختم االميرغني.

إبراهيم الميرغني أول من أطلق سباق قادة الختمية الجدد.
ربما كان السيد إبراهيم احمد الميرغني أول من كسر الصندوق الذي يحجب داخله المراغنة أبناؤهم عن عامة الشعب، وخرج إلى الشارع العام منذ أن كان طالباً بالقاهرة. بدأ الميرغني الصغير يتحسس خطواته داخل حقول الاتحاديين المتباينة الشجر والثمار، ولم يكن الحال الاتحادي والختمي معقداً ومتشظياً كما هو الآن، ففي نهاية التسعينات وبعدها، وهو الزمان الذي بدأ يظهر فيه إبراهيم الميرغني، كان الحزب الاتحادي الديمقراطي متحداً تحت قيادة مولانا محمد عثمان الميرغني قبل أن يبدأ رحلة التشظي الطويلة التي فجرها مؤتمر المرجعيات 2004م في القاهرة.

على غير المعتاد من أبناء البيت الميرغني الكبير، كان إبراهيم الميرغني يكتب في منشورات الاتحاديين بالقاهرة حيث يدرس الجامعة، ويغشى اجتماعاتهم ويكتب المقالات السياسية في المواقع الالكترونية ويتعرض للنقد الحاد من قراء هذه المواقع. وحين يعود للسودان يغشى منتديات الاتحاديين في جامعة الخرطوم ويتعرض لما يتعرض له من نقد لسيرة الأسرة الميرغنية حيث يتخذ الطلاب الاتحاديون موقفاً ناقدا من وجود الطائفية في الحزب.
“مضى زمن طويل، ولكن أذكر أن الأشقاء في الطريقة الختمية غضبوا واستهجنوا تعرض السيد إبراهيم لهجوم مركز وقاسي من أشقاء الجامعة يتعلق بطريقة سيطرة المراغنة على مفاصل الحزب ولكنه، والحق يقال، أستبسل في الدفاع عن موقف المراغنة السياسي وعن وجود الطريقة الختمية في الحزب. الختمية ظنوا أنني تعمدت وضع السيد إبراهيم في موقف محرج ولكني كنت أريد لطلاب الجامعة الاتحاديين أن يستمعوا للصوت الختمي الجديد وأن ينتبهوا إلى الطريقة الختمية أضحت تتوفر على انتلجنسيا صاعدة من داخل البيت الميرغني. وددتٌ لو يتقدم السيد إبراهيم في العمل السياسي الحزبي ويتدرج مع أشقائه الطلاب لا عن طريق رافعة البيت الديني ولكن كل ذلك لم يحدث .. حاله حال كل أمنيات التسعينات التي قضيناها، بتركها.” نقلتُ هذه الفقرة من مفكرة قديمة من أيام الطلب في جامعة الخرطوم.

فيما بعد، برز إبراهيم الميرغني في المشهد السياسي، وظهر في القنوات الفضائية يناقش ويجادل. في البدء لم يكن ذلك بالأمر الاعتيادي فلا زال أمر المراغنة السياسيين في الذهن السياسي العام مرتبط بالغموض الذي يحيط بهم بعيداً عن الأضواء يعيشون داخل صندوق يخصهم. مع مرور الأيام برز السيد الحسن محمد عثمان الميرغني وظهر في المجال العام، ثم لحق بهم ابن عمهم السيد تاج السر محمد سر الختم الميرغني وأخيراً ظهر السيد جعفر محمد عثمان الميرغني، وهكذا أكتمل مربع الختمية الجديد، إذ يشكل هؤلاء الأربعة المتنافسونَ رهانات الطريقة الختمية الجديدة بعد أن تقدم العمر بمرشد الطريقة السيد محمد عثمان الميرغني، وأصبح سؤال من سيخلفه مطروحاً بين المراقبين وبين الاتحاديين أنفسهم.

داخل المضمار الختمي الطويل، تجري عمليات فرز وسباق بين جعفر والحسن وإبراهيم وتاج السر على اختلاف قرب وبعد كل واحدٍ منهم من مقعد الخلافة السياسية والدينية للحزب والطريقة.
في الحلقة القادمة، وعلى أمل أن يثري هذا التدافع ساحتنا السياسية فقيرة الخيال، نركز الأضواء على حظوظ كل واحد من هؤلاء الأربعة، وسنرى إن كان ثمة سبيل لتسوية أو صيغة لتقاسم الميراث السياسي والديني أم أنه صراع صفري نتيجته رابحُ وخاسر.
– يتبع

*mabrouk@hikayat.net
نقلا عن حكايات

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!