ضرورة التحرر من المحاور

4

النور حمد

للمحاور في منطقتنا قصةٌ طويلة. غير أن المحاور تقزَّمت وانتقلت من القوى الكبرى لتصبح على رأسها دول صغيرة، بلا وزن تاريخي، أوثقافي، أو سياسيٍّ أو عسكري. بعض هذه الدول التي جلست على قمة هرم المحاور الإقليمية الفاعلة الآن، لا يزيد عدد سكان الواحدة منها على مليون نسمة. كانت الناصرية، في حقبة الحرب الباردة، هي وكيلة الشيوعية الدولية في منطقة الشرق الأوسط التي دارت في فلكها الأنظمة الثورية العربية. وكانت السعودية، وإيران الشاه، وتركيا، وكيلة الكتلة الغربية في المنطقة. واصطفت وراء السعودية الأنظمة الملكية العربية، بمسافاتٍ متفاوتة. في حين اصطفَّت وراء الناصرية قوى البعثيين والشيوعيين، وكثيرٌ من الفلسطينيين. وأطلق هذا المعسكر الذي يعد نفسه “تقدميا”، على المعسكر الذي تترأسه السعودية اسم: “الرجعية العربية”. ومارس هذان الحلفان ضد بعضهما الكثير من الضرب تحت الحزام. كما خاضا حروب وكالة بطرق مختلفة، وفقًا لأجندة مختلفة مضطربةٍ وملتبسة. شملت تلك الحروب اليمن وإقليم ظفار العماني والصحراء الغربية، وأماكن أخرى، إضافة إلى نزاعات عديدة.

بعد هزيمة يونيو 1967 بدأت الناصرية في التراجع. واكتمل أفول شمس الناصرية بموت جمال عبد الناصر في عام 1970، وجلوس أنور السادات مكانه. في فترة السادات قوي الإسلام السياسي بسبب رغبة السادات في إضعاف اليسار، فزحف الإسلام السياسي وملأ الفراغ الكبير الذي خلفه تراجع اليسار العربي. ثم جاء تفكك الاتحاد السوفيتي فأوصل اليسار العربي إلى مرحلة الموت السريري. صاحبت التغيرات في السياسة الدولية والعربية الطفرة النفطية، التي منحت دول الخليج وزنًا جديدا. ورويدًا، رويدًا، خاصة عقب كامب ديفيد، تحول الوزن السياسي، والسيطرة الإعلامية على المنطقة العربية من مصر الناصرية، إلى دول الخليج. ثم ما لبثت أن غرقت كلٌّ من مصر والعراق وسوريا في مشاكلها الداخلية والخارجية. صعد الإسلاميون إلى الحكم في تركيا وفي السودان ووصلوا إلى السلطة في مصر لمدة عام. كما أصبح لهم وضع مؤثر في تونس وفي المغرب وفي الأردن وفي اليمن وفي ليبيا وفي الكويت. بناءً على حسابات جيواستراتيجية وجيوسياسية خاصة بها، صعدت قطر، بدعمٍ من تركيا، والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إلى زعامة القطب الراعي لتمدد الإسلام السياسي في المنطقة. وفي رد فعلٍ لزحف الإسلام السياسي إلى دست السلطة، تحركت الإمارات لتجلس مع السعودية ومصر في المعسكر المناوئ لتمدد الإسلاميين. وفي كلا المحورين هناك أجندةٌ متقاطعة تخص كل قطرٍ على حده.

الانجذاب السوداني التاريخي الى المحاور الخارجية، منذ حزب الأشقاء، يمثل في نظري واحدًا من تجليات أزمة الهوية الوطنية في بلادنا. يضاف إلى ذلك، أن التنظيمات المؤدلجة؛ “الإسلاميون والشيوعيون” الذي هيمنوا على مجمل مجريات الصراع السوداني، السوداني، ارتبطوا برؤى سياسية مستوردة، لم يجر اشتغالٌ حصيفٌ لتوطين هذه الرؤى في السياق المحلي. فالتصور الذي يحمله هؤلاء للذات وللآخر، فيما أرى، منبتٌّ عن البنية التاريخية والثقافية والدينية للبلد. ولو عرفت نخبنا السياسية قدر بلادنا وعظمة تاريخها، وسمو سجايا أهلها، وغناها نادر الشبيه، ووطَّنوا مفاهيمهم لبناء الدولة في ثقافة بلادهم، لخرجنا من هذا الاستلاب والاستتباع الطويل، الذي أصابنا بكثيرٍ من الصَّغَار وعطل نمونا. من مهام هذه الثورة الرئيسة، إخراجنا من حفرة الاستتباع هذه، بعصف فكري واسع. فالصدوع الرأسية في الداخل هي ما يجرنا إلى المحاور الخارجية، وهي ما يضع البلاد على مهب الريح.

التيار

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!