طريق الموت.. إلى متى النزيف؟

0 2

عصمت عبدالله

فجعت قبيلة الحلاوين في ولاية الجزيرة اليوم برحيل اثنين من أبنائها إثر حادث حركة في طريق الخرطوم مدني عقب تسلمهما في مطار الخرطوم جثمان أخيهما الذي سبقهما بيوم إلى الدار الآخرة أيضاً بحادث حركة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبذا تكون الأسرة فقدت ثلاثة من أبنائها بذات السبب.. والفجيعة كانت أثقل في ميزان الاحتمال، والحزن كان أقوى في المواجهة مع الأنفس المكلومة، والامتحان كان صعباً على أهلهم، بل وطال الحزن حتى من لم يعرفهم.
الموت لا مفر منه ولا يستطيع كائن إرجاعه عن أي نفس قضت أجلها وأكملت عمرها وأتمت مخزونها من متاع الدنيا، ولكن مواجع أسباب الموت تختلف درجاتها وأشكالها، وصدمات تلقيها، وأحياناً تصعب على الأنفس تحملها.
طريق الخرطوم مدني يندر جداً أن تجد أسرة أو عائلة لم تفجع في ابن لها فيه، فقد نال من الجميع وأخذ من الكل العزيز (الصغير والكبير)، ليس لأنه طريق (مسكون) كما يرى البعض، بل لأنه مرآة تعكس قصور الحكومات ورخّص النفس البشرية عند مسؤولي المرور والسائقين وانعدام الضمير.. فلا يعقل أن يكون طريق بهذه الأهمية وتسير عليه هذه الأعداد من المركبات، بهذه المواصفات من ضيق ورداءة، إلى جانب افتقاره إلى أدنى درجات الرقابة والتنظيم والإرشاد واحتياطي الإسعاف..
الطريق تم رصفه في منتصف ستينيات القرن التاسع عشر بتمويل من المعونة الأمريكية، ويعد أول طريق خارج ولاية الخرطوم. وقد تم رصفه بمواصفات بدائية آنية، وليحتمل الأعداد الضئيلة من المركبات آنذاك. ثم تعاقبت الحكومات وتزايدت أعداد المركبات وتفاوتت أحجامها وأوزانها فيما لا يزال الطريق على حاله. ولذا صارت الأرواح تحصد بالعشرات في كل مرة حتى صارت في كل قرية وحي على جانبي الطريق فجيعة، بل حتى المارة لم يسلموا من حوادثه، بل والحيوانات كان لها نصيب ذو شأن..
طريق الخرطوم مدني الذي تمت تسميته (طريق الموت) لكثرة حوادث الموت فيه، فشلت كل الحكومات في تدارك أخطائه ومعالجتها، بل ولم تتمكن من تقديم أبسط الحلول كالرقابة والتنظيم والمحاسبة الرادعة في مواجهة السائقين المستهترين بالأرواح، الذين لا يبالون ولو بأنفسهم..
ابنا كتفية الحلاوين أحمد والطيب مساعد اللذان لقيا حتفهما في هذا الطريقة وكانا حزناً وفجيعة لكل أبناء منطقة الحلاوين وما جاورها، لم يكونا إلا مثالاً للمئات من الذين تركوا وراءهم آباء وأمهات وأبناء وإخوة غارقين في بحر الحزن دوماً إثر رحيلهم الموجع.. فمتى يا حكومة يكون للنفس البشرية في السودان ثمن تستحقه؟ وإلى متى يسعى المواطن بنفسه على جانبي الطريق إلى تخفيف كثرة الحوادث عبر الطرق البدائية بصنع (المطبات) التي يتذمر منها السائقون لأنها تحد من سرعتهم؟ فقد بُح صوت الآلاف المنادين بإصلاح طريق الخرطوم مدني ولايزال المسؤولون في (طناشهم) سادرين.
نسأل الله الرحمة والمغفرة للفقداء الثلاثة وكل فقداء السودان ولأهلهم الصبر والسلوان.

اترك رد

error: Content is protected !!