طوارئ اقتصادية!

3

إضاءة

طه النعمان:

* الآن وبعد أن بلغ السيل الزبي وبلغت الروح الحلقوم، كنتيجة طبيعية و منطقية لحالة الإفلاس المدقع التي هي بعض تركة سلطة الاستبداد والفساد، و لجهود أثريائها الذين لا يزالون يمارسون التخريب و التهريب و المتاجرة و المضاربة بالمال المنهوب في أسواق العملة والذهب و المحروقات و المواد الاستهلاكية الحقيقية، بهدف تعويق مسار الثورة و حكومتها الانتقالية عن بلوغ أهداف التغيير والتحول الديمقراطي الآمن، الذي يرون فيه نهاية لأي حلم أو دور لهم في مستقبل الوطن.
* وبما أن الأمور قد بلغت هذا المستوى المريع من التدهور، وانتشر السخط وعمت الشكوى حتى بين صفوف الشعب الثائر و الحالم بوطن حر ديمقراطي، اجتمعت قوي الثورة ممثلة بمجلسي السيادة والوزراء و المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ، وبعد وضع الأزمة ومظاهرها على طاولة النقاش و تشخيص أسبابها و محاولة استنباط العلاج اللازم، انتهى الاجتماع إلى تشكيل (لجنة اقتصادية عليا) للتصدي للقضية ومتابعة التطورات،واختارت كلاً الفريق حميدتي رئيساً والدكتورة مريم الصادق المهدي مقررة لها.. واللافت في ذلك هو المزاوجة في هذا الاختيار بين القوى الرسمية – العسكرية ممثلة بالفريق حميدتي والقوى السياسية – المدنية ممثلة بالدكتور مريم، وفي ذلك إشارة الى أن الجميع قد بدأوا بالفعل يستشعرون عمق الأزمة و خطرها.
* طبعاً اختيار حميدتي و مريم لقيادة هذه اللجنة- (المؤقتة) بطبيعتها – والتي أملتها الظروف الضاغطة، قد وجد كالعادة استهجاناً وتربصاً وتبكيتاً وتنكيتاً من شخوص وجهات عديدة، ضجت بأقلامهم مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها متربص و جاهز لمعارضة أي خطوة حكومية، وبعضها حادب ولديه تقديرات وقراءات خاطئة لمجمل الأوضاع التي تشهدها الساحة.. لكن هذا ما لا يهمنا لأغراض هذه الإضاءة، المعنية أساساً بكيفية أن يمثل تشكيل هذه اللجنة الجديدة مخرجاً ناجحاً وفعالاً من هذا المنعطف الخطير الذي أدخلتنا فيه الأزمة الاقتصادية.
* طرأ لي و أنا اتأمل الموقف أن المخرج لمواجهة ما نحن فيه، يتمثل في إصدار قانون (طوارئ اقتصادية) يمكن اللجنة المذكورة والقطاع الاقتصادي في الحكومة من أداء المطلوب، دون أن يمس ثوابت (الحريات العامة وحقوق الإنسان) التي هي رأسمال الحكومة المدنية وبعض معنى التغيير الذي تنشده الثورة.. فطفقت أسأل وأستشير بعض أهل الرأي القانوني، ومنهم الصديق المحامي المعروف معز حصرة، الذي كان جوابه ابتداءً : أن في التشريعات والقوانين القائمة ما يكفي لو تم تفعيلها و تطبيقها بالجدية اللازمة.. لكنني أوضحت له لو أن هذه القوانين القائمة قادرة على فعل ذلك، لما وصلت الأمور لما وصلت إليه، ولما احتاج الأمر لاجتماع طارىء لتشكيل لجنة عليا طارئة.. وقلت له أن القضايا و الأحداث الاستثنائية في كل الدنيا وجميع الأوقات تتطلب إجراءات استثنائية لمواجهتها.. فاستصوب رأيي وقال؛ يمكن (اصدار قانون جديد) بواسطة مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين، بحكم مسؤوليتها عن التشريع في غيبة المجلس التشريع الإنتقالي الذي لم يتشكل بعد، لكنه دعا لقيام الشرطة و القضاء بدورهما في ملاحقة المخربين و المهربين.
* فقلت له أن جهاز الشرطة الموروث من النظام السابق لم تطرأ عليه تغييرات جوهرية، تجعله أكثر حيوية و فاعلية في ملاحقة هذه الظاهرة الخطرة، والقضاء لا يحكم إلا بما يعرض عليه من أدلة ثبوتية في الوثائق ومن الشهود، فأمّن صديقي على ذلك، وشكرته على هذه الاستشارة القانونية المفيدة.
* وعليه، نخلص إلى أن (لجنة حميدتي-مريم) في حاجة ماسة لاجتماع عاجل للهيئة التشريعية المؤقتة – (مجلسا السيادة والوزراء)- بحضور النائب العام و وزير العدل و رئيسة القضاء لإصدار قانون (طوارئ اقتصادية) مخصوص، مهمته تمكين اللجنة الاقتصادية العليا من ملاحقة جيوب التخريب الاقتصادي و التهريب و وقف المضاربات العبثية في الأسواق، وتهيئة الشرطة والأجهزة الأمنية والقضاء لأداء دورهم المفترض في مواجهة الأزمة.
و”كله بالقانون” ، كما يقول الجنرال حميدتي.

التعليقات مغلقة.