ظاهرة الأدب الإسلامي ما بين سياسوية الفكرة وصياغة المنهج

3

ميسون عبدالحميد
يرى المفكر الكبير وعميد الفكر الجمهوري الأستاذ محمود محمد طه في مقدمة كتابه (الإسلام والفنون) أن كتابه يعنى بالفنون ثم يضعها في منظور الإسلام، وهو اعتراف ضمني باستيعاب الفنون لكافة المعتقدات والأديان، وهنا قدم لنا تصورا عميقا لمفهوم الفنون، وظهرت في الآونة الأخيرة دعوات تسعى لتأسيس مفاهيم للأدب وفق منظور معتقدي، وسمت نفسها بأسماء مثل ربطة الأدب الإسلامي وجمعيات أخرى مشابهة ضمن المنظومة الكبيرة التي تسعى إلى أسلمة الفنون وأسلمة العلوم.. الخ، مما جعل الكثير من النقاد والأدباء يتساءلون عن وجود تيار أدبي بسمات منهجية محددة لهذه المدرسة أم هي تداعيات سياسوية تسعى لتحقيق أجندة مقابلة لتيارات ارتبطت بمناهج أيدلوجية ومعرفية استطاعت أن تقدم أدبا رفيعا. من هنا جاءت التساؤلات عن ضرورة مثل هذه التيارات واقعية وجودها ومدى ارتباطها بالأدب وارتباطها وتقاطعها مع غيرها من المناهج؟ الناقد عبدالحفيظ على الله يرى أن مصطلح الأدب الإسلامي هو حق مشروع لكل إنسان مفكر باعتبار أن التيارات والمذاهب والمصطلحات هي ابتكارات إنسانية متطورة ومتحولة، لكنه يستدرك بأن هذه  المشروعية تحتاج إلى ضوابط موضوعية تعينها على التداول والانتشار، لكي تتحول من مصطلحات خاصة إلى مصطلحات عامة خاضعة للاختبار النقدي، وأول هذه الضوابط التزامها بالمعاني اللغوية التي تعينها على التفرد والتميز من أقرانها. ويختلف الدكتور سعد عبدالقادر أستاذ الأدب العربي في جامعة جوبا سابقا مع الناقد عبد الحفيظ على الله بأنه لا يوجد مصطلح اسمه الأدب الإسلامي، ولكن هناك عصور مر بها الأدب العربي مثل (العصر الجاهلي – صدر الإسلام، الأموي والعباسي حتي العصر الحديث) ولكل عصر سماته التي قد تتشابه مع  عصور أخرى. ويواصل د.سعد إفادته بأن المصطلح قد يدخلنا في حرج كبير إذا أردنا أن نصف الشعر بصفة الإسلام مثلا في العصر الأموي، كان هناك شاعر نصراني وهو الأخطل التغلبي، وهو من فحول شعراء العصر الإسلامي، ويستشهد بشعره أهل اللغة وتفسير القرآن. ويضيف الناقد عبدالحفيظ على الله في تأسيسه لا وجود المصطلح بأن المشروعية تأتي أيضاً من التزام التيار بقواعد الأدب وشروط الفكر الإسلامي، وخاصة تلك الأفكار التي يتميز بها، مثلاً، الإسلام عن الديانات الأخرى والأيدولوجيات والشاهد على ذلك وجود مصطلحات مثل الأدب الماركسي – الأدب الوجودي – الأدب الإنجليزي  – الأدب اليوناني…. الخ. وهذه جميعها تيارات التزمت بشروط المنهج والأبعاد اللغوية للمصطلح وحددت حدوها بين الأنا والآخر ، الجغرافي والفكري والثقافي.
بينما يرى الدكتور سعد عبدالقادر أن التقسيم حسب العصور هو الأجدى والأقيم، ويرى التقسيم بالمذاهب والتيارات فيه جور كبير علي الشعر العربي، ويذهب إلى أبعد من ذلك، ليقول إن الأدب متسع، وإن شاعراً عربياً مسلماً جاء بعد البعثة النبوية هو إسلامي، وإنه عاش في عصر الإسلام أو صدره أو أي من العصور  اللاحقة، وبهذا الحكم التاريخي يرى د سعد نزار قباني شاعراً إسلامياً ومظفر النواب وعبدالله الطيب والمجذوب وادونيس وتوفيق صالح وأمثالهم في الدول الأخرى، وهذا هو منهج النقد العربي في تصنيف الأدب والشعر ويدعم قوله بتصنيف النقاد للأخطل بالشاعر الإسلامي على الرغم من أنه نصراني لا يدين بدين الإسلام.
ويختلف الناقد عبدالحفيظ على الله مع الدكتور سعد في رأيه السابق. ويقول: ينطبق هذا القول إذا أردنا أن نعنى بالمصطلح خصائص الطائفة فقط أي يسميها هؤلاء الأدباء بالطائفة الإسلامية وليس المسيحية مثلاً، وهو أقرب إلى التصنيف الجغرافي منه إلى الفكري مثلا أن نقول أدب إنجليزي أو فرنسي أو ياباني… الخ، فنحن نتحدث عن الانتماء العرقي دون الخوض عن مصادرة المعرفية والفكرية. ويؤكد دكتور سعد أن تصنيفه ليس طائفياً وأنه تصنيف وضعه النقاد العرب القدامى، وفيهم العلماء والقضاة والفقهاء، ولكن وعيهم النقدي ودقتهم في دراسة الأدب والشعر لم يصرفهم عن العدالة والعلمية، فلم يصفوا الأدب بأي وصف مذهبي، لا إسلامي لا نصراني، ولا يهودي إنما اتبعوا منهجا تاريخيا صنفوا به الشعر فإذا كان أصحاب المصطلح يريدون تطبيق هذا المذهب الديني، فليعدوا زهير بن أبي سلمى شاعراً إسلامياً، لأن الحكم والمواعظ التي يقولها في نهاية معلقته تشبه تعاليم الدين الإسلامي، ويعدُّ زهير من المشركين ومات قبل ظهور الإسلام، وهو من فحول الشعر الجاهلي:
واعلم مافي اليوم والأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عم

ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لايتق الشتم يشتم
ويختم الناقد عبدالحفيظ عليه الله قوله باشتراطات منهجية صارمة لوجود مصطلح (أدب إسامي)، وأن يتم ذلك وفقا لقوانين التحليل العام للأدب، وأن يستند على الفكر الموضوعي في التفكير البشري على عموميته أو من خلال وجهات النظر المرسلة عبر الخطاب وسيافة السردي الأدبي، وفي حالة وجود مصطلح كهذا (أدب إسلامي) يجب أن يتضمن ذلك وجهات النظر  الفكرية الإسلامية في السلوكيات الوجودية أي فروض وشروط الرسالة المحمدية، وخاصة تلك التي تفصلها وتميزها عن الديانات الأخرى.  ويتمنى في نهاية حديثه أن يكون المصطلح المسمى موضوعيا وليست غيره من المصطلحات التي سادت في حاضرنا المعاش.

التعليقات مغلقة.