عبدالفتاح عرمان يرد على سؤال أماني الطويل

3


كتبت الدكتورة أماني الطويل، الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية مقالاً نشر في (اندبندنت عربية) بتاريخ 24 مارس الجاري، ابتدره بسؤال: هل تتراجع محبة السودانيين لمصر؟. الباحثة الطويل على غير معظم الكتاب والإعلاميين المصريين فهي من القلائل الذين يتمتعون بفهم عميق للسودان وأهمية العلاقة التي تربط بين البلدين. وهي من المهتمين بصورة صادقة في تأسيس علاقة قوية ومتينة بين بلدينا قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. تأسيسا على ذلك، رأيت الرد على مقالها لفتح نافذة حوار لبناء علاقات شعبية قائمة على الحقائق لا على الأكليشهات القديمة للسودانيين في المخيلة العربية، والمصرية على نحو خاص.

صديقتنا دكتورة أماني القت باللائمة على العوامل الخارجية التي أثرت في تعكير العلاقة بين بلدينا، وأشارت إلى دور المستعمر البريطاني في دق اسفين في العلاقة بين البلدين. وهنا نؤكد على ما قام به المستمعر البريطاني في تأزيم العلاقة بين الشعبين. ولكن نذكر العزيزة أماني أن المستعمر البريطاني خرج من بلدينا لاكثر من ستين عاما خلت. ماذا فعلت النخب في البلدين لتجسير تلك الهوة؟ وأتهمت صديقتنا أماني الحكومة الاثيوبية بلعب نفس الدور الذي لعبه المستعمر في تعكير صفو العلاقة بين البلدين. أذا افترضنا صحة ما قالت به صديقتنا أماني حول الدور الاثيوبي، فمن المسؤول عن خلق مساحة لأثيوبيا لتمرير أجندتها؟

للأجابة على تلك الأسئلة، علينا أن نواجه الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها، وهي أن تراجع محبة السودانيين لمصر تقف خلفها مصر الرسمية وبعض اعلامها والسينما والدراما حيث ظلت باستمرار تسىء لتلك العلاقات بين بلدينا. ظلت الحكومات المصرية المتعاقبة تتعامل مع العلاقات المصرية-السودانية كملف أمني بحت. وما الزيارة الأخيرة للواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية للسودان سوى تاكيدا لذلك. لماذا لا ترسل مصر وزير خارجيتها للتباحث مع حكومة السودان حول سد النهضة وموقف السودان الأخير في الجامعة العربية؟ لاسيما أنه المسؤول والمفاوض الأول عن حكومة مصر في مفاوضات سد النهضة في واشنطن. والأغرب من ذلك محاولة الجانب المصري استمالة المكون العسكري للاصطفاف خلف مصر ضد أثيوبيا على الرغم من أن رئيس الوزراء السوداني هو المسؤول عن ملف سد النهضة. سعى الجانب المصري- وباستمرار- على تاكيد سيادته على حلايب وشلاتين عبر اقامة انتخابات ونقل صلوات الجمعة في التلفزيون المصري مباشرة من تلك المنطقتين لاستثارة الجانب السوداني. وتلك التحركات المصرية في حلايب وشلاتين تخلق حائطا سميكا مثل جدار برلين في العلاقات بين شعبينا. في الوقت الذي يبتعد فيه الجانب الأثيوبي عن كل مع يعكر صفو العلاقة بين البلدين. وعلى الرغم من ذلك تظل الحقيقة الواضحة هي احتلال اثيوبيا لمنطقة الفشقة السودانية.

ظل بعض الإعلاميين المصريين وبعض الأفلام والمسلسلات تسىء للشعب السوداني بصورة تجعلنا نعتقد جازمين أن الموقف الرسمي مُرحب بها- إن لم يكن يدعمها تحت الطاولة. صحيح أن صديقتنا أماني لم تستبعد العوامل الداخلية المصرية في التاثير على العلاقة بين شعبينا، وطالبت بتفعيل القوانين المصرية حيال تلك الممارسات غير المسؤولة. ولكني أعتقد جازما أن دعوتها تلك ستذهب أدارج الرياح ولا تغني ولا تسمن من جوع. للتدليل على ذلك، حينما أعلنت حكومتنا اغلاق الحدود بين البلدين كاجراء احترازي ضد جائحة كورونا وليس ضد أشقائنا في مصر. أقام بعض الإعلاميين المصريين الدنيا ولم يقعدوها مستنكرين قرار حكومتنا. ولكن الغريب في الأمر أن نفس هؤلاء الاعلاميين لاذوا بالصمت المطبق حيال بعض الدول الخليجية التي اتخذت نفس قرارات الحكومة السودانية. لا يستطيع اعلامي مغمور في مصر مهاجمة اي دولة خليجية لأن موجهات الحكومة المصرية معروفة لديهم سلفا، ولا حاجة لاستخدام قوانين لردعهم. لماذا تترك الحكومة المصرية الحبل على القارب لبعض الإعلاميين المصريين للهجوم على السودان ليل نهار؟! لانه ببساطة يروق لها ذلك ويؤكد لنا مباركتها لتلك الافعال مسبقا. ونفس الأمر ينسحب على الدراما المصرية التي تصور السوداني بصورة نمطية وعنصرية تحت سمع وبصر الحكومة المصرية التي لا تحرك ساكنا.

مثالا اخرا يثير الأستغراب، عند مقابلة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لرئيس الوزراء الإسرائيلي في عنتبي الأوغندية، أقام بعض الإعلاميين المصريين حفل شواء لما اسموه بـ(الموقف المخزي) للحكومة السودانية لانها تسعي لاقامة علاقة مع الكيان الصهيوني!! ومن قال هذا الكلام داخل احدى استويوهات القنوات المصرية تبعد عنه السفارة الإسرائيلية في القاهرة عدة خطوات!!

السودان بعد ثورة ديسمبر هو ليس السودان قبلها، وسياسة حكومة الثورة واضحة: مصالح السودان أولا. عليه، اقامة علاقات مع اي بلد في العالم سيكون المعيار الوحيد فيها هو تحقيق المصلحة الوطنية دون سواها.

هل هذا يعني خلق حالة عداء مع المصريين؟ بكل تاكيد، الأجابة ستكون بالنفي لان ما يجمع بين شعبينا أكثر مما يفرق بينهما. وعلينا البناء على ماهو مشترك بيننا وليس بالطرق على التناقضات. السودان يمثل العمق الإستراتيجي لمصر والعكس صحيح، والموارد الطبيعية في بلدينا تكفي شعبينا والعالم العربي من حولنا. لذلك، علينا التعويل على الجانب الشعبي وليس الرسمي في خلق مناخ أيجابي للحوار بين مثقفي بلدينا خصوصا الأجيال الشابة عبر الحوار المباشر للبناء على الأواصر والعلائق التي تربط بيننا.

على المستوى الشخصي، عاشرت الشعب المصري في أرض الكنانة، ولم أشعر بالغربة، فالشعب المصري محب للشعب السوداني ونبادله ذلك الحب. ولكن السماء السياسية بين بلدينا ملبدة بالغيوم التي هي بحاجة لحوار شفاف يزيل كل ما يعكر صفو تلك العلاقات لمصلحة شعبينا. السودانيون يتوقون لرسم علاقة متينة مع المصريين تبني على التاريخ المشترك الذي صنعه أجدادنا عبر العصور. وهذا لن يتاتي إلا بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين بلدينا تراعي خصوصية تلك العلاقة وتتعامل بحسم مع الذين يسعون للوقيعة بين الشعبين. ساهمت مصر على أيام الرئيس الراحل حسني مبارك في فتح ابوابها للسودانيين الذين كان يلاحقهم النظام السابق، كما ساعدت في التوصل لإتفاق القاهرة بين حكومة المخلوع البشير والتجمع الوطني الديمقراطي، وهي ادوار تحمد لها. كما حاولت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في خلق توافق سوداني بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير، وهي أدوار تحمد لها. وبامكانها المساهمة بصورة اكثر فعالية عبر توثيق صلتها بقوى الحرية والتغيير- الحاضنة السياسية لحكومة الثورة- وحكومة الدكتور عبد الله حمدوك.
عبد الفتاح عرمان
asa194@psu.edu

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!