عبد الخالق محجوب.. جوانب مخفية فى حياة راشد . بقلم : صديق محيسي

12

1 – 2

ثلاثة حلقات نشرتها فى صخيفة الميدان عن جوانب مخفية فى حياة الشهيد المفكر عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعى, وغير السيرة الذاتية التى يعرفها عنه الناس كزعيم سياسى له مجاهداته فى الحركة الوطنية ومواقفه من قضايا التغيير فى السودان من منظوره الماركسى, ثم صراعاته الفكرية داخل وخارج حزبه ,فأن لاستاذنا كما يطلق عليه صديقنا الباحث عبد الله على ابراهيم صفات اخرى رصدتها انا كصحافى كان احد مصادرى الخبرية فى عصرالستينات ,وما جعلنى انحو هذا المنحى هو ان الكثيريين من الناس كانوا ولايزال بعضهم ينظر للرجل كأنه شيطان رسالته الوحيدة هو نشر الكفر والإلحاد بين الناس وتحريض المسلمين ترك دينهم, وهذا الفهم البائر زاد من اشاعته الإخوان المسلمون الذين ماغيروا هذا السلاح حتى وهم فى “كوشة” التاريخ اذا لايزالون يستخدمون هذه الشماعة لكل من يخالفهم الرأى, بل وزادوا عليها العلمانية لتصبح رديف الشيوعية غير ان اعصار ثورة سبتمبر اقتلعهم من جذورهم , وازال اقنعتهم ليظهروا كلصوص ومحترفين لم يشهد السودان لهم مثيلا , فأستشهد عبد الخالق ولم يترك على منضدة مدير السجن سوى خاتم زواجه , وساعته موصيا تسليمها لزوجته بينما مات زعيمهم مخلفا لنا كارثة كبرى احتار دهاقنة السياسة فى وصفها.

فى كتابه الديمقرطية فى الميزان قال محمد احمد محجوب انتهى عهد التسامح فى السودان بأغتيال عبد الخالق محجوب , وكان المحجوب يشير الى التسامح الذى عرف بها السودانيون كثقافة فى بنيانهم الإنسانى عبر التاريخ, وبهذه السطور والموضوع عبد الخالق السودانى وسكرتير الحزب الشيوعى السودانى , كنت متحدثا ضمن مجموعة من الباحثين فى ذكراه التسعين اقامها بيت التراث الذى يديره الصديق اسماعيل الفحيل بالخرطوم اثنين فى /23‏/09‏/2020 , ولما كان معظم المتحدثين تناولوا سياسيا عبد الخالق محجوب كل من من منظوره, رأيت ان احكى تجربتى الشخصية كصحافى مع الرجل فيها بعض من سيرته الإجتماعية مثل علاقاته مع الصحفيين على هامش السياسة قريب منها وليس داخلها كلية.

فى صحيفة السودان لجديد ستينات القرن الماضى كان عبد الخالق محجوب احد مصادرى الإخبارية حين يكون هناك حدث سياسى يشغل الساحة يحتاج الى تعليق الحزب ,وكنت احرص ان اتصل به دائما بعد الخامسة مساء حسب طلبه .
لم يكن يتضايق ابدا من الأسئلة التى اوجهها له حتى ولو خالطت الإشاعة بعضها كان ذلك تعامله مع كل الصحفيين بما فيهم الصحفيين الحزبيين الذين كانوا ينشرون اخبارا غير حقيقية ضد الحزب الشيوعى فلا يصدهم حين” يطرقون” سماعة هاتفه او يذهبون اليه فى مكتبه او منزله , كان الرجل مفكرا متواضعا وزعيما ديمقراطيا حقيقيا صاحب صدر واسع فى تقبل الأراء المخالفة لأفكاره .

فى ستينات القرن الماضى ايضا ,وفى الأمسيات التى كان يقيمها رئيس الوزراء محمد احمد المحجوب فى منزله بالخرطوم “اثنين” حين يزور البلاد ضيوف من مصر ولبنان فى المناسبات الوطنية, امسيات يدعو لها اصدقاؤه ,خليط من الشعراء والكتاب المصريون المتنافرون, مثل صالح جودت, وكامل الشناوى, واحسان عبد القدوس, ثم نقيضهم تماما , لطفى الخولى, واحمد حمروش , وصلاح حافظ ,وعبد الرحمن الشرقاوى,وحسين فهمى, شعراء وكتاب يمينيون بجانب يساريون يتحلقون حول المحجوب الشاعر الرومانسى نجم الحفل طاووس الجلسة صاحب الدعوة ,لا حديث هنا فى حضرته غير الشعر, فالشعر وحدة هو الخيط السحرى الذى يربط بين المدعويين .
كان المحجوب يحرص دائما فى مثل هذه المناسبات ان يكون عبد الخالق فى بين المدوعويين المحليين, جمال محمد احمد , توفيق صالح جبريل , محمد المهدى المجذوب ,ويقول فى ذلك للصحافة فى اليوم الثانى انه يعرف لغة صالح جودت وكامل الشناوى ,واحسان عبد القدوس , اما لغة الأصدقاء الأعداء يملك ناصيتها عبد الخالق محجوب وهذا هوالتسامح الذى اشار اليه المحجوب فى كتابه الديمقراطية فى الميزان .
طوال تلك الأمسيات كان الشعر هو سيد الموقف ,وكان المحجوب “ملك الطيور”
الجالس على عرش الإبداع , هو من يحوز على خيوط الضوء, وكان الضيوف كلهم اذان له وهو يلقى قصائده بصوت جهورى تشوبه خشونة ناعمة, يتنقل بين مفرداته الراقصة محلقا فى سماوات الخيال , قصائد مليئة بالشجن دافقة بالصبابات من لبنان والمغرب وايطاليا.

وهاهوعبد الخا لق يحدثهم عن الأدب فى عصر العلم وروائع الأدب الروسى ديستفوسكى ,وتشيخوف, وجوركى ,ويشرح لهم كيف ان الحزب الشيوعى رعا المواهب الآدبية و فّرغها للتأليف والنشر , وينتقل النقاش مع الرفاق الى ذكريات الكفاح المشترك فى حدتو, وسجون ابراهيم عبد الهادى, وصلاح بشرى الذى استشهد فى السجون المصرية ,تلك كانت ليال يقيمها المحجوب تسقط فيها الصراعات السياسية التى كانت تنتهى عند ابواب البرلمان .

التسامح الذى تحدث عنه المحجوب يسوقنا الى مشهد غريب مدهش ,ولكن كنت اجد لها تفسيرا من منظور الصحفى الذى يحلل الأحداث والمواقف , فمن كان يصدق ان عبد الخالق محجوب كانت تربطة علاقة صداقة قوية بمحمد مكى محمد صاحب ورئيس تحرير جريدة الناس ,تلك الجريدة التى لم يكن يخلو عدد من اعدادها وإلا فى صدره اخبار ضد الشيوعيين, والحزب الشيوعى, وفى كثير من الأحيان ضد عبد الخالق نفسه الذى اتهمه مكى ذات مرة فى خبر رئيسى انه شريك فى مصنع الكبريت ابو مفتاح الذى ينتج فى تشيكو سلوفاكيا, وان المصنع هو الذى يزود الحزب الشيوعى بالمال.

لقد رأيت بام عينى وانا صحفى بها لعدة شهور عبد الخالق يدخل مكتب محمد مكى ويقضى معه ساعات ,وساعات, وتتناهى الى اذنى ضحكاتهما كانما المضيف عضو فى الحزب الشيوعى والضيف عضو فى حزب الأمة وليس زعيما للحزب الشيوعى .
كان محمد مكى وثيق الصلة بالسفارة الآمريكية بالخرطوم ,ولم يكن يخبيء هذه العلاقة, فجريدته كانت تعيد نشر تقارير مطولة نقلا عن مجلة المجال التابعة للاستخبارات الأمريكية ضد الثورة الفيتامية ,وضد الجبهة الشعبية التي كانت تقود الكفاح المسلح لاخراج الإنجليز من الشطرالجنوبى لليمن, يعنى ان “مكى الناس” كما كان يطلق عليه فى الوسط الصحفى كان يسّخر جريدته لخدمة السياسة الامريكية فى السودان ,اما زيارات عبدالخالق له من وقت لاخر هدفها المسامرة التى تحمل بين طياتها اخر اخبار المجتمع السيا سى , اذ كان مكى معروفا بمخبر الليالى الحمراء يشارك فيها وزراء ووكلاء وزرات وسياسيين من مختلف المشارب يتسقط فيها اخر الأخبار, ويتصيد الاسرار ماخفى منها ,وما تكشفه بنت الحان فكانت تلك مادة هامة بالنسبة له يبتز بها من يريد ان يبتزه, ويشيد بها بمن يحبه ويستلطفه.

كان الفندق الكبير “القراند اوتيل ” هو الوحيد فى الخرطوم متنفس كبار الصحفيين وبرجوازية الخدمة المدنية ,ورجال الأعمال تلتقى فيه نخب الخرطوم ليلا ترّوح فيه من عناء نهار الصيف الغائط , ويلاحق فيه الصحفيون اخر الأ خبار عندما تكون هناك قضية حولها صراع بين القوى السياسية .

كان عبد الخالق كثير التردد على محمد مكى حين اثيرت فى ستينات القرن لماضى ما اطلقت عليها الصحافة ” فضيحة محطة الأقمار الصناعية ” التى كانت ستشيدها الولايات المتحدةالأمريكية فى السودان ,واسند امرها لوزير المواصلات زمانئذ محمد عبد الجواد من حزب الشعب الديمقراطى حيث فجرى اتهامه بالفساد , وكانت تلك بالفعل قضية فساد كبيرة بمقاييس ذلك الزمان تناولتها الصحف كحدث سياسى هام ,اما تكرار زيارات عبد الخالق ” لمكى الناس” كانت لكون الشيوعيين كانوا يعارضون هذه المحطة بشدة بأعتبارها محطة تجسس امريكية , وكون مكى على صلة بالشركة الأمريكية المنفذة ,ومن هنا نفهم لماذا كان عبد الخالق يزور لرجل

جئنا الى السودان الجديد الراحل محمود مدنى من جريدة الصحافة ,وانا من الأيام لنجد صديقنا الصحفى الكبير يحى العوض مديرا لتحريرها فقررنا فورا ان نحول سياسة الجريدة من اليمين الى اليسار,وكانت ضربة البداية ان ساندنا الدكتور عمر عثمان عميد كلية الأقتصاد مرشح اليسار ضد الدكتور عبد الله الطيب عميد كلية الأداب مرشح اليمين او هكذا قيل فى ذلك الزمان, كان الصراع على اشده على منصب مدير جامعة الخرطوم بعد رحيل مديرها السابق البروفسور النذير دفع الله كتبنا كلنا ضد عبد الله الطيب بوصفه شاعرا من “العصر الجاهلي، ويمينيارجعيا أقرب الي الإخوان المسلمين”. كان الدكتور عبد الله الطيب يخوض معركته على صفحات الصحف وينشر قصائد ينال فيها من خصمه بشراسة. كانت أشهر تلك القصائد التي أحدثت ردود فعل في الأوساط الأدبية والثقافية وحتى السياسية قصيدته “الخميس الزاحف” التي يتوعد فيها خصمه ويمني نفسه بالانتصار,لم يكن الدكتور عمر عثمان يملك هذه الوسائل ولا تلك الأساليب ولا الفصاحة والقدرة الأدبية لمواجهة خصمه المتنمر، ومع ذلك انتصر الدكتور عمر عثمان فى الصراع وفاز بمنصب المدير ,

ولمساندة خط اليسار كذلك وقفنا مع رئيس القضاء، بابكر عوض الله، ضد اسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة، والأمام الهادي المهدي في معركة رئاسة الجمهورية ولإحباط مشروع الدستور الإسلامي. لكن الانتخابات لم تجر اذ عطلها انقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969.
يتبع

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!