عصور الملح وأزمنة الظلمات

0

 

أحمد يعقوب

(1)
وعفوية هذا الوطن وانبثاقه المفاجئ كزهرة عباد الشمس، في أحد الصباحات الخريفية بثغره الباسم وحليب البدايات الأولى يسيل على فمه يذكرني هذا الموات الآن، فبعد تتالي الصدمات والاضطرابات والغوص في الأعماق اليومية والحروب والفساد والدمار والدين واللادين والوهم والأباطيل وحقن الناس بالدجل والشعوذة، وأعطال البناء وغياب المشاريع الوطنية، وبيع أراضيه، ونشيده الذي يشبه الدعاء لآلهة خربة أفسدت العالم وتوهمات الأجيال بالخضرة والنماء والحليب وسنابل القمح وخمور الذرة نكتشف اليوم وفقط. إن هذا الوطن لقيط ابن حرام ولد من صلب السلالات الدموية، وجيناته الوراثية تعاني من عيوب خلقية وإن من يجلس على عرشه مجرد شيطان تائه آت من جزُرٍ لاوجود لها مهمته التأكيد على إفناء كل مافيه، وعلى هامش وعينا المبتل في طين الوهم؛ نستدرك اننا ميتون وتافهون على هذه الأرصفة وأنه يجدر بنا أن ننسج خيوط أكفاننا، وإذ يتساءلون، هل كان وجودنا خطأ وبلا معنى؟ أم أننا لسنا أكثر من عابري سبيل أو مسافرين في ليل بلا نجوم؟ وأن الموت هو محطتنا النهائية؟ وعلى تخوم تلك الأسئلة سأجاوب، بأن الوطن مصطلح خرافي لا وجود له بتاتاً إلا في أذهاننا الميتة المحنطة بالأحلام التى لم نراها في نومنا، ألسنا في أزمنة بددتنا الرياح بسمومها كما أوراق الشجر في الليالي الخريفية الحالكة، وها نحن أخيراً في محيطات التيه وظلمات اليّم المضطربة، نبحث عن سفن نجاة تنقذنا وتعيدنا إلى بر الامان، توقا إلى صدور الأمهات وأرحامهن الدافئة، بعيداً جداً عن الوهدة والصدمة القاتلة.
(2)
في تلك الآونة كان رأسه هو المطلوب/ رأس يوحنا المعمدان الذين تريده سالومي عاهرة القصر، هذا التنائي كان بين عالمين من البحار وبينهما برزخٌ، هو في غياهب ظلماته العتيقة يدرك أنه لاينفع لاي شيء، فما عادت تلك الموائد المترعة بأفخاذ المناخات العجيبة تستهويه، النساء العرايا اللاتي يتراشقن بالمياه في ذات ظهيرة وقطرات المياه تسيل من منحدر النهدين نحو السرة باتجاه الأودية التي نما على ظهرها زغبٌ خفيف يتطلع إلى شمس الاستواء، ومُذ تطأ قدميه تلك الرمال الباردة يحدق في الأفق الخلاسي راسماً بيديه سربا من طيور السنونو وهي راجعة إلى أوكارها، ويراجع ارخبيلات دماغه الذي بدا يحن إلى التبغ، ومع دخان السجائر الذي يتلوى في تلك البراحات والفضاءات المضمخة برائحة البحر تستدعي الذاكرة شكل المرأة، الذي يتبدى في اشكال الغربة، حيث أن تكون حرا ليس كافيا لأن تسير فوق خط مستقيم، إذ تبدو خطوط الاخرين منحنية ومنكسرة وهذه المنافي تعني السير على خط آخر للحفاظ على توازن الأشياء، الغربة هذا الهجاس والخضاب والدم، المرأة هي بداية الموت الأول، الموت الآسر بنزقه، المثير بشهوته، وحين اتلو هذه الموبقات التي يوشوش بها عقلي السكير والمنتشي بالسم أو الخمر سيقولون ياله من تافه وصفيق، إنه الموت يا سادة في حقب الكبت والسيلان والميكروبات والفيروسات أزمنة الأذهان الملتاثة بالصلوات التي لن تقبل والدعوات المبتورة والمنكورة، دهور الصدأ والصدع، عصور اللاأوطان وغروب شمس الآلهة زمن النهايات والخيبات، عصور اغتراب الإنسان ومواته .
(إنني اكتب هرباً من الخلود واستعدداً لمعانقة جحيمي الخاص).

التعليقات مغلقة.