عندما يتآمر علينا الضمير والحكومة بالغياب تحل الكارثة

9

عصمت عبدالله

عندما يكون الضمير (الغائب) هو الرقيب على أناس لا يراعون في حقوق إخوتهم إلاً ولا ذمة، فتلك مصيبة، وعندما يكون الضمير (المستتر) هو المحرك الفعلي والمتحكم لأيادي (بشر) نزع الله الرحمة من قلوبهم، فتلك كارثة وطامة كبرى.. وعندما تقصُر يد الدولة عن الوصول إلى مستغلي أزمات الشعب لاقتلاع ما في جيوبهم (إن وجد شيء) فتلك (كورونا أخرى)..
(حبة البندول) يصل سعرها إلى 5 ج، (لبسات الأطفال) يقفز سعرها إلى آلاف (ملايين بالقديم) الجنيهات، (موس الحلاقة) ينط سعرها إلى 10 ج، قبل ذلك وصل سعر الكمامة التي كانت توزع مجاناً إلى 50 ج، مواصلات سوبا شرق – المركزي، التي كانت 10 ج وصلت إلى 50 ج و(ما تقول بِغِم).. هذه أمثلة لكثير من السلع والاحتياجات التي تضاعفت ما بين 5 – 10 أضعاف، ووزراؤنا منذ أن جاء إلى الحكم وهم يوعدون بإنزال جيوش في الأسواق للرقابة على السلع والمحاسبة..
قبل أيام وفي سوق حلة كوكو و(الله شهيد على ذلك) سألت صاحب سلعة عن سعرها فأجاب بأنه (300)ج، وكعادتي قبل الشراء (أخدت لفة) وسألت عن سعر ذات السلعة، فوجدته متفاوتاً ما بين (300 – 380)، فعدت إلى الأول، ففاجأني بأن السعر 350 ج..
السودانيون في كل بلاد العالم يوصفون بالأمانة وصحو الضمير والوطنية والمروءة والشهامة والكرم و(الحقانية). وبشهادة العرب والأعاجم لا مثيل لهم في ذلك، ومن يمس أياً من تلك الصفات فيهم، فسيقفون (ألف أحمر) ضده. ولكن للأسف كل تلك الصفات تموت فيهم عند دخولهم حدود البلاد ولا تخرج من جلودهم إلا الاستغلالية وانعدام الضمير وغياب الوطنية.. لإثبات حديثي هذا تكفي حاجة أو مطلب أو ترميك الظروف (متعشماً) عند أقدام سوداني، فلن يتوانى عن (دواسك) دون رادع من ضميره.. سائق المركبات يستغل المواطنين عند ازدحامهم، فيضاعف التعرفة ويقسم الخط.. التاجر يستغل المواطنين عندما يقبلون على سلعته فيضاعف سعرها.. الموظف يستغل حاجة المواطنين فيماطلهم دون سبب.. حتى الحكومة تستغل جهل وصبر المواطنين وتصدر القرارات (التخديرية) دون تنفيذ..
لا أعتقد أنه يوجد شعب في العالم كالسودانيين.. شعب يعيش على الأزمات واستغلال الظروف والمواسم والمناسبات.. يأتي الصيف فيصل سعر لوح الثلج (السماء) وكما هو معلوم لا يشتريه إلا الفقراء . يأتي الشتاء فيصل ملابس الشتاء (السماء السابعة).. يأتي شهر رمضان فتحلق عالياً أسعار مستلزمات رمضان.. يأتي العيد فتكون الآلاف ثمناً لـ (هِديمة شافع) والمئات لـ (زعمطة الشعر) .. سيأتي عيد الأضحى وستكون أسعار الخراف (مبالغة).. تأتي الوبائيات وتختفي الأدوية لتظهر بأسعار خرافية.. يأتي الحظر وتكون تذكرة السفر للحافلة إلى ودمدني (القريييببة دي) ألف ج (مليوووون) . يعني الفردة للحافلة تقارب الـ 30 ألف ج.
لا ننكر أن 30 سنة من الحكم الظالم والفاسد كافية لتغيير سلوك وأخلاق الناس، ولكن ليس كل اللوم نرميه على الكيزان، فلننتقد أنفسنا كذلك، ولا شك أن هناك مساحة من حرية الاختيار وتقويم النفس..
وما يؤسف له حقاً أن تلك السلوكيات والأفعال تزداد انحطاطاً، والكل ينهش في لحم غيره.. ألا يتوجب بعد التغيير في البلاد تغيير تلك الخصال غير الحميدة، حتى نرتقي بأنفسنا وبالوطن؟ لِمَ نفعل تلك السلوكيات لغيرنا ما لا نرضاه لأنفسنا؟ فلنضع أنفسنا مكان غيرنا عند أي موقف أو مسلك..

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!