عندما يصبح الارتجال أسلوباً لإدارة التغيير

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

د. الهادي عبدالله إدريس أبوضفائر

منذ قيام الثورة غدت مسألة السلام هماً سياسياً، اجتماعاً وثقافياً شغلت الأطراف الحكومية وغير الحكومية والبسطاء من عامة الناس، دارت حوارات فكرية مباشرة وغير مباشرة بغرض توطين السلام الشامل، وصار هماً يسير به الركبان، فلا يمكن اختزاله في المفهوم السياسي وتقسيم الوظائف، بل إنه ذات صلة ضرورية، وإن لم يكن حتمية بهوية الدولة والظلامات التاريخية، وتفكيك دولة الظلم والاقتصاد الطفيلي.

عندما نتحدث عن دولة مواطنة تسع الجميع، لابد أن تُصبح المواطنة رُكناً أساسياً محمياً بالقانون، مشاراً إليها في الدستور وإلا يُصبح خلو الدستور منها مخالفة قانونية، وفُحشاً سياسياً، وانتقاصاً من سيادتها. الدولة يجب أن تقيم علاقة وطيدة لحرية الفرد واستقلاله، على كافة المستويات، وينقل الفرد من خانة التبعية الي خانة المواطن، باعتبارها سلسلة من العلاقات التعاقدية بين الفرد والدولة، تتجسد فعلياً في الممارسة السياسية وليست نظرياً في التشريعات والدساتير.

هذه الإشكالية لم تكن حديثة، إنما تمظهرت بقوة عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى الجزيرة العربية، لكي تأخذ المواطنة معنى جديد، قمة في الإنسانية وتجسيدًا لِكرامة الإنسان على قاعدة: (ولقد كرمنا بني آدم) فيها الناس سواسية كأسنان المشط، لهذا تم رفض الدعوة بشراسة، حتى لا يتساوي (بلال وأبوسفيان)، فالعرب لم يرفضوا محمداً كزعيم أو كملك، بدليل قولهم إن أردت ملكاً ملكناك وإن أردت نساءاً زوجناك وأن أردت مالاً جمعناه لك، ولكن المسألة كانت تضرب البنية العرفية، التي تحكُمها المنزلة الاجتماعية، بين أفراد المجتمع لا يمكن التنازل عنها، لأنها تتعارض مع الاتجاهات الداعية إلى سيادة مفهوم (السادة والعبيد).

هذه التحولات الخطيرة في الدعوة، التي نادت بتغيير سياسة التعالي العرقي، وأستقلال الفرد وحقوقه في ظل نظام اجتماعي الناس فيه سواسية، فهي المعضلة الحقيقة، لأن الانتماء العائلي للفرد هو المؤهل لبلوغ المنزلة الاجتماعية آنذاك، مما قاد إلى تآمر القوم لقتل الرسول صلى الله وسلم، لأنه خالف ممارسة تاريخية ووضعية اجتماعية، لا تقبل مبدأ تفعيل المشاركة السياسية، على أساس المساواة، مما اضُطر كرهاً الهجرة إلى المدينة، ولم يكتفوا بذلك فحاربوه، إلى أن جاء فتح مكة، ومعظمهم على نفس الطريقة، حيث مساواة الناس عندهم انتقائية وطبقية، قائمة على أساس الإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي والتمييز العرقي، فلم يكن في مكة حق المواطنة المتساوية متاحة آنذاك.

جمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال، ماذا تظنون أني فاعل بكم، قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” فأصبحوا البذرة الأولى للمؤتمر الوطني عبر التاريخ، جلهم لم يكن انتشار الدعوة بالقيم الإنسانية مبدأ لهم، إلا من رحم ربي. فشكلوا قوة ناعمة هدفها ضرب الدعوة في جوهرها. وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت أول سانحة لهم لتحقيق مبتغاهم. اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده، والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه. فهو حق شرعي لأصحاب الدار.

علم المهاجرون باجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، شعروا بخطر داهم يمكن أن يشق عصا مواطني الدولة، ويشتت جهودهم، ويمزق وحدتهم، ويهدد كيان دولتهم، فذهبوا بقيادة ابوبكر الصديق وعمر بن الخطاب، هدفهم حل الإشكال وترتيب البيت الداخلي بالتي هي أحسن، هنا برز من المؤتمر الوطني شخص ما، قال سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول (الأئمة من قريش). منذ ذاك الزمان وإلى اليوم ضربت جوهر الدعوة المساواة بين الناس، بقيم تحمي الضعفاء وتردع المعتدين. فأضحى التعالي العرقي بديلاً به انفصل الجنوب، واندلع حرب ودارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة.

السلام لا يكون إلا بنبذ التعالي عرقياً، جهوياً، سياسياً، اقتصادياً أو دينياً. وباتخاذ خطوات جادة لبناء جسور الثقة المنهارة بين الأطراف المتصارعة، واصلاح الوضع السياسي الذي يعكسه المشهد الحالي بترك ثقافة التعالي، التمييز، الإقصاء والتهميش، من أجل تعزيز الحريات العامة والتبادل السلمي للسلطة، فأنت لا ترفض المحاصصة مبدأ ولكنه ترفضه مع الآخر، وتصفه بالرجعية والتخلف.

لا يمكن للسلام أن يكتمل إلا بمخاطبة جذور الأزمة، وإعادة تعريف الكثير من المعاني والمصطلحات، حسب مقاييس ومواصفات الأمم المتحدة، كيف يكون جيش قومي، وغالبية الرتب العليا من مناطق بعينها، كيف يكون التلفزيون قومي وغالبيتهم من عرق واحد، وهكذا في أغلبية الدواوين الحكومية، السلام لا يمكن أن تسود إلا بقبول الآخر، لاننا نؤمن أن الحقيقة لا يحتكرها احد، وفي ثنايا كل طرح مجموعة من الأفكار تتلاقى في نقاط وتفترق في إخرى، فالحياة لا تستقيم إلا على لقاء المختلفين. فالتأكيد المستمر على نبل الشعارات وأصالتها لا يعني أنها ستتحقق ما لم توضع خطة عمل وآليه لتطبقها، تنتقل بها من الحلم الي الواقع.

الشحنات الموجبة أكثر نفورًا من نظيراتها، ولا تنجذب إلا لشحنات سالبة، فتوازن الحياة دوماً لا تقوم إلا على الاختلاف، ومزيج من التشابك، هدفها خلق معادلة إنسانية راقية تدير الحياة، فالأفكار القوية لا تصمد إلا بمعرفة الانسان عكس ما يؤمن به، ولا يمكن ان تستمر الحياة بدون مخالطة أفكار الأخرين، فالدولة الناجحة بحاجة الى المختلفين، فوجودهم مع بعض يشكل نفعاً اكبر، فأن لم نجد من يخالفنا الرأي فلنبحث عنه، فهو دافع لنا للتأمل والنظر والبحث نحو الأفضل، ولولاهم لما تزحزحنا عن أفكارنا القديمة، ولم نرتقِ في سلم الإنسانية. فالمريض عنصرياً يحاول دوماً أن يؤكد لنفسه ولغيره أنه مركز الإنسانية .

من أجل السلام يجب علينا أن نعي قيمة التنوع، ليس كل ما طرحه مفكرو البعث شراً، أو كل ما توصل إليه منظرو الشيوعية واجب الاتباع، وليس كل ما تحدث به الجمهوريون ضلال وليس فهم الإسلاميين لدينهم كله صحيح أو مقدس ففي كل فكر أو مذهب درراً قلت أم كثرت، الأجدى التنقيب تحت الأرض وفي قاع بحار الأفكار عن المعادن النفيسة بدلًا من أن ننظر إليها بسطحية، ونصف أفكار الغير بانها مجدبة ومظلمة. فإصرار كل فريق على أمتلاك الحقيقة المطلقة، يؤدي إلى المفاصلة فتندلع حرب لا تبقى ولا تذر، أسمى أهدافها إثبات خطأ الآخر، مما يفقدنا القدرة على التحلق في الفضآء المعرفي للآخر.

الحكمة أن لا توصف كل ما توصل إليه الغير، صحاري خالية من المياه العذبة والمعادن النفيسة، فالواجب دراسة أفكار الغير بهدف التعرف عليها وأخذ أعظم ما فيها لنعيش في سلام. ليس الجبن ان اهرب من اتخاذ قرار السلام ولكن الجبن أن أتخذ قراراً مخالفاً للسلام إرضاءً للأهواء والأمزجة. مشروع إطلاق السلام لابد أن تسبقه أعداد جيد تقاوم قانون الجاذبية، فكلما كان الطموح في الصعود اعلى كلما تطلب تحضيرًا جيد يتحدي الجاذبية ويتمرد على السقوط. فكثير من المشاريع تندفع بقوة إلى الأعلى لكنها لا تمتلك مقومات التحليق. اخيراً سقوط النظام لم يكن هدفاً لذاته بقدرما القدرة على بناء وطن يسع الجميع بشعار حرية، سلام وعدالة هي الأهم.

التعليقات مغلقة.