عندما يُقدِّس المطرب والإعلامي جنرالاً!

2

 

 


عبد الجليل سليمان
حينما يذهب بعض المطربين والإعلاميين إلى إعلان الحرب على الجميع؛ بسبب إقالة مُدير قناة فضائية، جيئ به بسبب انتمائه إلى أكثر جماعة فاسدة أخلاقياً وسياسياً وقيمياً في تاريخ السودان الحديث والقديم، فإنّ هؤلاء يستحقون التعاطف والرثاء؛ والعلاج أيضاً.
الذي يُقدِّسُ فرداً، ويعتبره الأول والآخر، وإنه لم يؤت مثله في الأولين والآخرين، وإنّ حواء لم تنجب صنوه، ثم يضيفون عليه من الصفات والألقاب والمهارات والمعارف والخبرات بما ليس فيه، فاعرف – حياك الله – إنّهم مرضى نفسيون، شفاهم الله.
وبحسب علم النفس، فإنّ هذا النوع من التعلق، يُعدّ مرضاً نفسياً خطيراً، يطلق عليه علماء النفس (codependency)، حتى لو كان (المُتعلق به) عالماً جليلاً، أو مصلحاً اجتماعياً، أو رجل دين، أو لاعب كرة أو فنان شهير، ويتسبب هذا المرض في نوع من الارتباط العاطفي والوجداني السلبي مع من يُعتقد إنِّه آية زمانه العظمى، ما ينجم عنه علاقة قهرية، حيثُ يُبدي الطرف السلبي ضعفاً شديداً وامتناناً غير مفهوم تجاه (المُتعلّقَ به).
وفي الغالب، لا يشعر المريض بمدى تعلقه بالطرف الآخر؛ إلاّ عندما يفقده بسبب الوفاة أو الانفصال أو السفر أو الإقالة، حينها قد يصاب بانهيار نفسي أو عصبي أو حالة من الاكتئاب، ويشعر بالضياع، وإن كل شيء حوله انهار وتفكك وصار سائلاً، وإن الحياة صارت بلا معنى، بل إن بعض المرضى بـ(codependency) يبلغون مرحلة العنف البدني واللفظي مع يعتقدون أنهم تسببوا في غياب (إلههم البشري) ولربما يذهبون إلى فرض عودته بالقوة، إنّ كانت لهم حيلة لذلك.
وهذا، بالضبط ما يُفسِّر سلوك بعض الفنانين؛ الذين كانوا ضيوفاً دائمين على قناة النيل الأزرق، في برنامجها الرمضاني (أغاني وأغاني).
ورغم أنّ بعضهم (ترباس) مثلاً، مطرب قديم وعتيق شق طريقه بمثابرته وموهبته – بغض النظر عن أغنيته “هبت ثورة الإنقاذ يوم الجيش للشعب انحاز” – التي تبرأ منها لاحقاً، وقال إنه تعرض لخدعة وحاق به مكر من قبل الكيزان المساخيط – لم يكن للمُقال حسن فضل المولى فضلاً عليه، لكن لهشاشته النفسية تصور أنّ للرجل فضلاً كبيراً عليه، وتبدّى ذلك في موقفه المتطرف من البرنامج. أما هدى عربي والأخرى التي معها، فتعدان عاطلتين إنتاجياً، لا تمتلكان أعمالاً خاصة إلا في حدود ضيقة جدا (في حالة هدى عربي)، وظلتا تعتاشان على السلف الغنائي المُعتّق؛ مثل البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان؛ ولمّا طالت إقامتهما في (مصارين) غناء الأقدمين؛ ارتعبتا من إقالة الرجل؛ بحسبان إنّه من أخرجهما من العتمة إلى النور، فأصابهما خبر إقالته بانهيار تام، حتى صارت هدى تتحدث من غير هدى.
بالنسبة لي، ولكثيرين آخرين، فإن حسن فضل المولى، ما كان له أن يبقى على رأس أداة القناة لساعة واحدة بعد الثورة، وإنه وصل منصبه هذا بقرار من السلطة البائدة، وكمن في منصبه عقوداً طويلة، بحيث صار كل ما يتحقق في القناة من إنجاز (إن وجد)، يحققه (جنوده) فيُنسب إليه، بصفته (جنرالاً).
هذه العلاقة تبدو قهرِّية بشكلٍ كبير، فحين يُلقب مدير مؤسسة مدنية إعلامية إبداعية بالجنرال، فاعلم أنه لم يكن ليحظى بذلك، لولا إنّ من يرأسهم يعدون أنفسهم جنوداً له، وإن العلاقة بين الجنرال وجنوده تكون دائماً قائمة على (السمع والطاعة) والتنفيذ، وبالتالي يمكنه بسهولة سرقة جهودهم وأفكاهم وإبداعاتهم ونسبتها إليه، بل إنّ المنخرطين في هذه العلاقة القهرية يتبرعون في الغالب لقاهرهم (جنرالهم) بنسبة إنتاجهم إليه، دون أن يطلب منهم ذلك.
لا أعرف، ما هو وجه الإبداع الذي أضفاه الكوز المُقال (الجنرال) على قناة النيل الأزرق، ماهي البرامج الهادفة التي أنتجها، أو خطط لها؟ ماهي بصماته التي يعجز – أي سوداني آخر – عن الأتيان بمثلها، ثم من هو حسن فضل المولي أصلاً، حتى ينصب بعض الصحفيين سرادق للعزاء والنواح ويلطمون خدودهم ويشقون جيوب مقالاتهم ويولولون، وهم يصبغون من الصفات وكأنه إلهاً تنزل في نفس بشرية!

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!